الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

شيرين.. حقاً أنت فلسطينية

منى سكرية *

شيرين أبو عاقلة الإسم الذي ارتبط  بفلسطين، والصوت الذي نطق نصرة لقضيتها، والتحدي الذي لم يفارق مسيرتها الإعلامية في مواجهة الوحش الصهيوني.

ليست شيرين أول الشهداء في مخاض المأساة الفلسطينية، ولن تكون الأخيرة. فالوحش الصهيوني “يُتقن” كل فنون القتل والتوحش والوحشية والإجرام والإرهاب. ليس في الأمر سرّاً أو جديداً، إلا على ذوي الضمائر الممسوحة بأحذية رُعاة القتلة، وحُماتهم، والسائرين في ركب التبعية لهم.

ليست شيرين أول من يستدرج الدموع من مآقينا أمام هول مشهد قتلها العاري على أيدي جنود الاحتلال الغاصب/المجرم وبكامل عدته وعلى الهواء مباشرة.

ليست شيرين الفلسطينية أول من تستنفر حبر الإدانات استنكاراً لاغتيالها. ففي الترتيب تحتل شيرين رقماً  في مواكب شهداء لا تعداد نهائياً له. الإسم الأول والأخير هو فلسطين.

ليست شيرين الإعلامية المخضرمة المندفعة إلا الشاهدة على القتل اليومي لأبناء شعبها، وقد فرضت “نجوميتها” المهنية الصادقة وسط المخاطر وبين القتلة وعلى مدار الساعات والأيام والسنوات.

في اطلالاتها عبر الشاشة المرئية لم تستأذن من أصابهم صَمَمْ، أو أخْرَسَ الارتزاق ألسنتهم، أو أعّمَتْ الكيديات أبصارهم. نقلت شيرين فلسطين إلى كل العالم، وشهدت للحق في أن قضية شعبها عادلة ويجب أن تتحقق العدالة لأجلها، وكرّست مبدأ الحقيقة بلا زيف أو تملق أو “تأتأة” في مهنتها في الإعلام الذي بات الصخب فيه قاب قوسين من تزوير هنا، وتمييع هناك، واجترار لكلمات وشعارات ممجوجة ومعلوكة بالتفاهة والفراغ من كل معنى.

شيرين أبو عاقلة أنصع من الحقيقة الملتوية في الضجيج الذي تستهلكه قنوات ووسائل ووسائط  تنطق بالعربية المبعثرة، وتتلطى بعبرية فاقعة. قتلها المحتل الصهيوني برصاصه الظالم، وحقده الظلامي، ومنشأه اللاإنساني، وعقيدته العنصرية. وفي خبر القتل لا يختلف إثنان. قتلها الاحتلال بدم بارد، ولكن بقرار مسبق منذ ما قبل سبعين عاماً كما في قتله اليومي لفلسطين، ومحاولاته اليائسة للخلاص من شعب فلسطين الذي لا يستقبل الموت إلا بالحياة، والحياة بالمزيد من التضحيات والشهداء، والنطق بشهادة أن لا حقيقة أكبر من مأساة شعب فلسطين، وأن لا إجرام أعمق وأكبر من ممارسيه الصهاينة ورعاتهم وداعميهم الجدد، وأن سيف القدس ارتفع راية ساطعة تُذيب أساطير القوة التي كانت لا تقهر، وأن دويّاً يملاْ أرجاء فضاءاته ويزعزع خلاياه الموصولة بأنابيب البقاء من دعم خارجي، وتنسيق أمني محلي ارتضته سلطة ساقطة.

سيُجمع المستنكرون لاغتيال شيرين أبو عاقلة على دناءة الجريمة، وسيختبئ ثكالى التبعية خلف الحروف المطّاطة، وسيتنكّر كثر من منظمات حقوق الإنسان وأشباه حقوق الإنسان من منظمات ما يسمى بالمجتمع المدني لهذا الاغتيال بلجوئهم إلى التعريفات المبهمة في مسائل القوانين والحقوق، وسيجد النائمون عن قضية فلسطين فرصتهم للتثاؤب، وسيجد بعض بيئة المثقفين والثقافة فرصتهم سانحة لتلميع جلودهم المحترقة بالارتزاق.. ولكن شيرين كما كانت صوت فلسطين، وناقلة نبض شعبها، ستبقى العنوان الصارخ على إرهاب هذا الصهيوني المحتل، والشمعة المضيئة في سماء الإعلام القابض على جمر قضية فلسطين، لا القابض على إشعال جمر الفتن خدمة لأعداء قضية شعب فلسطين.

ليس في رثاء شيرين إلا رثاء لفاقدي الكرامة، أما شيرين الشهيدة، فلن تكون إلا أيقونة في سماء كنائس القدس.

على مدى سنوات المواجهات مع المحتل الصهيوني لم نعرف عن شيرين إلا أنها فلسطينية. اليوم أضافت لنا ما لم نسأل عنه وهو أنها من أبناء الديانة المسيحية.. حقاً أنت فلسطينية.

* كاتبة وصحافية لبنانية

المصدر: 180 بوست