الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

آستانا 18 ونهاية التكهنات بشأن تل رفعت ومنبج

بكر صدقي *

تأخر صدور موقف رسمي من روسيا بشأن مشروع التدخل التركي الجديد في شمال سوريا إلى حين بداية اجتماعات «آستانا 18» في العاصمة الكازاخية، فقال المبعوث الرئاسي الروسي للملف السوري ألكسندر لافرينتييف إن «هذا التدخل سيفتقد إلى الحكمة» لأن من شانه أن يثير صراعات جديدة ويزيد من تعقيد الأوضاع في المنطقة.

أما تلفزيون NTV التابع للدولة في روسيا فقد عبر عن موقف أكثر حدة تجاه النوايا التركية المعلنة، فخصص ملفاً عن الموضوع، عشية اجتماعات آستانا المشار إليها، وصف فيه الوجود العسكري التركي في الأراضي السورية بالاحتلال، واعتبر أن العملية العسكرية الجديدة المحتملة ستكون هجوماً «على الكرد بالتحالف مع الجهاديين»! كما بث تصريحات لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي الذي عبر عن استعداد قواته للتنسيق مع قوات الأسد في صد الهجوم التركي المحتمل، مع الإشارة إلى احتمال استهداف الطائرات التركية بمضادات النظام في حال بدأ الهجوم.

يأتي ذلك بعد أيام على زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أنقرة حيث عبّر عن «تفهّم بلاده للهواجس الأمنية التركية في سوريا» من غير أن يعطي موافقة على العملية التركية المحتملة ضد تل رفعت ومنبج كما جاء على لسان الرئيس أردوغان.

ربط معظم المراقبين بحق بين تنفيذ العملية العسكرية التركية والحصول على موافقة كل من واشنطن وموسكو، أو غض نظرهما على الأقل، وذلك استئناساً بالعمليات الثلاث السابقة في كل من جرابلس ـ الباب، وعفرين، ورأس العين ـ تل أبيض، فهي لم تتحقق إلا بضوء أخضر أمريكي أو روسي أو كليهما معاً. أما التحليلات الرغبوية التي تعطي تركيا ورئيسها إمكانيات تفوق الواقع فقد اعتبرت أن الرئيس التركي ما كان سيتورط بتصريحاته بشأن تل رفعت ومنبج لولا حصوله على الضوء الأخضر الأمريكي أو الروسي، أو أنه قادر على فرض أمر واقع على الجميع. لكن واقع الحال هو أن كلاً من واشنطن وموسكو، وبخاصة هذه الأخيرة، قد أثبتتا لتركيا أن أي عمل بغير موافقتهما ستكون له عواقب مؤلمة، كما حدث بعد إسقاط تركيا لطائرة سوخوي الروسية في 2015، وكذلك حين استهدف الطيران الروسي والأسدي قافلة عسكرية تركية في محافظة إدلب في شباط عام 2020، فقتلت 34 جندياً تركياً.

كذلك يغفل هذا النوع من التحليل أن تصريحات الرئيس التركي يمكن قراءتها بوصفها نوعاً من جس النبض و«استدراج عروض» للمساومة على أمور أخرى. فإذا جاء الرد بالموافقة أو غض النظر لن تتردد القيادة التركية في تنفيذ تهديداتها، وعينها على الرأي العام التركي بمناسبة اقتراب موعد الانتخابات المقبلة المصيرية بالنسبة للسلطة.

أما إذا كان الرد سلبياً فسوف تطالب أنقرة بتنازلات في موضوعات خلافية أخرى، أو هذا ما تأمله على الأقل. وعموماً يسعى أردوغان إلى تسخين الأجواء مع الدول المجاورة كلما تراجعت شعبيته وشعبية حكومته على وقع تدهور الوضع الاقتصادي باطراد، الأمر الذي تكاد جميع استطلاعات الرأي الدورية تجمع عليه، فرأينا كيف أنه عاد إلى موضوع الخلاف مع اليونان على جزر بحر إيجة، كما نفذ الطيران التركي هجمات جديدة على مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق حيث لا يجد الحزب المذكور من يدافع عنه بسبب وجوده على قوائم المنظمات الإرهابية، بخلاف فرعه السوري «الاتحاد الديمقراطي» وتفرعاته السياسية والعسكرية، التي لم يتمكن الأتراك من اقناع أي دولة بأنه منظمة إرهابية.

الخلاصة أنه بعد إعلان كل من واشنطن وموسكو على التوالي عن رفضهما للعملية العسكرية التركية في تل رفعت ومنبج، يمكن القول إنها لم تعد على جدول الأعمال التركي في الوقت الحالي، وإن كان احتمال تنفيذها في وقت آخر وشروط أخرى يبقى قائماً بالنظر إلى ما يمكن أن تدره من مكاسب انتخابية في الداخل وليس لأي اعتبارات أخرى.

غير أن تصريحات لافرينتييف في افتتاح اجتماع آستانا تستحق وقفة إضافية لما انطوت عليه من رسائل مهمة. فقد تحدث الموفد الرئاسي الروسي عن أن البعض يتوقعون انحسار الاهتمام الروسي بسوريا بسبب الحرب في أوكرانيا، لكنهم يخطئون في توقعاتهم. هذا الكلام يشكل رسالة لإيران وتركيا معاً، شريكتي روسيا في مسار آستانا، مفادها أن خيوط الصراع والسياسة في سوريا ما زالت في يد موسكو. تزداد أهمية هذه الرسالة بالنظر إلى أن القيادة الإيرانية تتصرف فعلاً على أساس انحسار متوقع للدور الروسي في سوريا، سواء بملء فراغات عسكرية موضعية تركتها القوات الروسية في الأشهر الأخيرة بميليشيات تابعة لها، أو استدعاء بشار الأسد إلى طهران الذي فسر بمعنى طموح القيادة الإيرانية للتفرد بسوريا بعد انسحاب روسي محتمل بسبب الحرب في أوكرانيا.

الرسالة الثانية في تصريحات لافرنتييف تتعلق بأن جنيف «لم تعد مكاناً مناسباً للحوار السوري ـ السوري». والمقصود اجتماعات اللجنة الدستورية التي تتم هناك بإشراف الأمم المتحدة. فقد شكا المبعوث الرئاسي من الصعوبات التي عانتها روسيا في المشاركة في تلك الاجتماعات. يتعلق الأمر بالطبع بالحصار الخانق الذي تفرضه الدول الأوروبية على روسيا، وتحديداً بمنع الطيران المدني الروسي من التحليق فوق أجواء الدول الأوروبية، وبذلك يصبح سفر الوفد الروسي إلى جنيف يتطلب موافقة تلك الدول.

أخيراً لا يخفى على أحد أن التمدد الإيراني الجديد في الأراضي السورية حيثما حدثت انسحابات روسية، هو مما يزعج تركيا، في إطار التنافس على النفوذ في الأراضي السورية بين الدولتين، الأمر الذي لا بد أن يشغل حيزاً مهماً في مناقشات آستانا.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي