الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بايدن والسعودية ومصالح واشنطن

محمد المنشاوي *

خلال العقدين الماضيين، وبسبب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر التي نفذها 19 إرهابياً منهم 15 سعودياً، خلصت النخبة الأمريكية السياسية إلى الاستياء من العلاقة الوثيقة تاريخياً بين واشنطن والرياض. ولا يعرف هذا الاستياء انتماءً حزبياً، إذ يقتنع به أغلب من ينتمون للحزبين الجمهوري والديمقراطي كذلك. وقبل ثلاث سنوات جددت حادثة مقتل الكاتب والمعارض السعودي جمال خاشقجي بطريقة وحشية قناعات النخبة الأمريكية التي تفاءلت نسبة كبيرة منها بأجندة ولي العهد محمد بن سلمان السعودية الانفتاحية.

وجددت أنباء قيام الرئيس جو بايدن بزيارة المملكة الشهر القادم الجدل داخل العاصمة الأمريكية حول علاقاتها شديدة التعقيد بالمملكة الغنية بالنفط والحاضنة لأقدس مقدسات 1.8 مليار مسلم ومسلمة حول العالم.

                                                                       *               *               *

بدأت مشاكل الرئيس بايدن مع المملكة السعودية مبكرا وقبل أن يصل للبيت الأبيض، فخلال حملته الرئاسية تعهد بايدن نفسه، بجعل المملكة العربية السعودية «دولة منبوذة»، وقال بايدن «أود أن أوضح تماما أننا لن نبيع لهم المزيد من الأسلحة، سنجعلهم فى الواقع يدفعون الثمن ونجعلهم فى الواقع منبوذين كما هم. وهناك القليل جدا من القيمة الجيدة فى الحكومة الحالية فى المملكة العربية السعودية».

من هنا بدأت معضلة بايدن تطارده مع الإعلان عن زيارته للمملكة. فقد أغضب قراره السفر للسعودية، ومقابلة ولي عهدها محمد بن سلمان، بشكل غير مفاجئ العديد ممن يؤيدونه والكثير ممن ينتقدونه. داخل الحزب الديمقراطي، كان التيار التقدمي يأمل أن ينفذ بايدن تعهده بالتركيز على حقوق الإنسان كجزء من السياسة الخارجية الأمريكية بعد تجاهلها أثناء سنوات حكم الرئيس دونالد ترامب. ويرى هذا التيار في الجلوس مع محمد بن سلمان خيانة لتلك الآمال.

وتدعي إدارة بايدن أن دعم الديمقراطيات حول العالم يُمثل أحد المبادئ الرئيسية لسياسة بايدن الخارجية، فيما يعتبرون أنهم يخوضون معركة مع الأنظمة الاستبدادية. ويرجع بايدن لهذا المنطق في تبريره لحشد الغرب لدعم أوكرانيا بعد غزو روسيا، إضافة لعدم دعوة حكام كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا للمشاركة في قمة الدول الأمريكية في لوس أنجلوس الأسبوع ما قبل الماضي. إلا أن داخل أروقة إدارة بايدن تتغلب البرجماتية على المبادئ والقيم.

يقود السيد “بريت ماكجورك” واقعية إدارة بايدن وسياساتها تجاه ملفات الشرق الأوسط من منصبه كمدير للشرق الأوسط داخل مجلس الأمن القومي المعاون للرئيس بايدن. ويتمتع ماكجورك بنهج عملي براجماتي لا يكترث بالحريات والديمقراطية والحقوق إلا عند الحديث عن أعداء واشنطن مثل إيران أو حماس، وأحياناً السلطة الفلسطينية وتركيا. وامتدت واقعية بايدن لملف العلاقات مع مصر والتي اختلفت سياساته معها عن طبيعة حديثة عنها قبل وصوله للبيت الأبيض.

                                                                       *               *               *

منذ أن أصبح التضخم أولوية سياسية قصوى لبايدن والحزب الديمقراطي، حيث بلغ متوسط أسعار البنزين أكثر من /5/ دولارات للجالون الواحد، وهو رقم قياسي لم يدفعه الشعب الأمريكي من قبل، دفع ذلك لمزيد من الضغوط على بايدن لإظهار أنه يبذل كل ما في وسعه لمحاولة خفض الأسعار، خاصة أن هناك شبح انتخابات الكونجرس في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم والتي يُتوقع أن ينال فيها حزب الرئيس هزيمة ثقيلة.

ولا تزال المملكة العربية السعودية ثاني أكبر دولة منتجة للنفط على كوكب الأرض ولاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي، وزاد من أهميتها الكبيرة اندلاع الحرب في أوكرانيا وتأثير ذلك على ارتفاع أسعار الطاقة.

ترددت إدارة بايدن في ربط الزيارة بالرغبة الملحة في خفض أسعار النفط، وقال بايدن «إن الزيارة ستكون أكثر من مجرد حديث عن إمدادات نفطية». وتضغط إدارة بايدن على السعودية بعدما وقّعت دولتا الإمارات العربية المتحدة والبحرين على اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل. وتؤّمن إدارة بايدن أن العلاقات المتنامية بين إسرائيل ودول الخليج تمثل ثقلاً موازناً قوياً لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وتؤمن كذلك أن عملية التطبيع، الجارية على قدم وساق، لن تذهب إلى أبعد من ذلك دون انضمام المملكة العربية السعودية إليها.

وتحصل الولايات المتحدة على الكثير من الفوائد من شراكاتها مع دول الخليج، وخاصة السعودية، ولدى البنتاجون العديد من القواعد العسكرية الرئيسية في المنطقة. وستعمل واشنطن مع السعودية لضمان تدفق موارد الطاقة إلى الأسواق العالمية، وربما خفض أسعارها.

وتشير خبرة العقود الثمانية السابقة، أن الهزات العنيفة والأزمات الخطيرة التي واجهتها علاقات واشنطن بالرياض لم ينتج عنها توتر مادي ملموس في العلاقات بينهما من ناحية. ومن ناحية أخرى، لم ترتبط الأزمات أو إدارتها بشخصية ملك سعودي أو تفضيلات رئيس أمريكي. ولم يؤثر موت ملك في الرياض أو انتخاب رئيس جديد في واشنطن في استقرار هذه العلاقات.

                                                                       *               *               *

ستضع زيارة بايدن للسعودية قواعد التأسيس الثالث لعلاقات الدولتين القائمة على معادلة المصالح المشتركة والمتبادلة للدولتين؛ الولايات المتحدة كونها القوة العظمى في عالم اليوم، والمملكة السعودية باعتبارها قوة إقليمية لها ثقل كبير روحياً ومادياً.

جاء التأسيس الأول للعلاقات مع بداية اهتمام واشنطن بالمملكة السعودية بسبب النفط، خاصة بعدما تسببت الحرب العالمية الثانية في استهلاك كميات كبيرة من مخزونها النفطي. ومن ثم احتضنت قناة السويس اجتماعاً تاريخياً فى شهر شباط/ فبراير 1945 بين مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على ظهر المدمرة الأمريكية كوينسي. وخلال اللقاء الذى امتد لخمس ساعات وضع الطرفان أُسس التحالف الاستراتيجي بين الدولتين أساسه نفط مقابل الحماية.

وظل التأسيس الأول حاكماً لعلاقات الدولتين حتى وصول ترامب للحكم وتزامن ذلك بعد بداية رحلة صعود محمد بن سلمان.

وبدأت ملامح تأسيس ثانٍ للعلاقات من خلال انتقالها من علاقات استراتيجية خاصة إلى علاقات شبه شخصية تعتمد على الكيمياء الشخصية بين الرئيس ترامب وصهره جاريد كوشنر مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. البداية كانت مع تلقي الرياض خبر فوز دونالد ترامب الرئاسة بسعادة وترحيب كبيرين، إذ رأت في فوز ترامب، وانتقال موازين القوى داخل البيت الأبيض ومجلسي الكونجرس إلى الحزب الجمهوري فرصة لإعادة تقديم السعودية نفسها كحليف وضامن للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وبعد رحيل ترامب، لم تعد علاقات الدولتين خاضعة لأي من مبادئ التأسيس الأول ولا التأسيس الثانى.

من هنا ستُمثل زيارة بايدن التأسيس الثالث لعلاقات الرياض وواشنطن، وستكون هذه العلاقات أبعد ما تكون عن أشكال الشراكات الاستراتيجية أو التحالفات المتينة، وستعتمد بصورة كاملة على المصالح المتبادلة بين الطرفين.

* كاتب صحفي مصري متخصص في الشؤون الأمريكية

المصدر: الشروق