الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

خواطر شيرين أبو عاقلة

عبد الله السناوي *

«في بعض الغياب حضورٌ أكبر».

هكذا كتبت الصحفية الفلسطينية «شيرين أبو عاقلة» في حسابها الشخصي على الـ«فيسبوك» بلغة تقارب النثر السياسي، اقتصاد في الصياغة وتكثيف في المعنى.

لم يكن ممكناً بذلك اليوم (21) تموز/ يوليو (2021) أن يجول بخاطرها أن تجربتها الإنسانية والمهنية في الحضور والغياب، الحياة والموت، سوف تلخص ذلك المعنى بحمولات مشاعر ومعان ورموز يصعب القفز عليها بالتجاهل، أو نسيانها بالتقادم.

«لا تقولوا استشهد، قولوا أعدم بعد أن سقط على الأرض».

كانت تلك إشارة بليغة أخرى كتبتها في (4) كانون الأول/ ديسمبر (2021).

أرادت أن تدين وحشية القاتل قبل أن تمتدح بطولة الضحية.

بدت فيما كتبت كمن ينظر في مرآة الزمن لما قد يحدث لها بعد وقت قصير، فقد سقطت أرضاً بالاغتيال، أعدمت بالمعنى الحرفي للكلمة في جريمة متكاملة الأركان، سقطت بجوار جدار شبه مُهدَم في جنين وهي تقاوم بالوسيلة الوحيدة التي تعرفها، أن تكون صوت شعبها، تنقل معاناته ومآسيه، تتعاطف مع قضيته بمشاعرها، لكنها تنقل الحقيقة كما هي، والحقيقة تنتصر دائماً للضحية.

لم تر نفسها في موضع «الشهيدة»، ولا بالغت في أدوارها، هي مراسلة صحفية وكفى.

ببصيرة إنسانية استبقت قتلها بوصفه إنه: «الإعدام».

في مشهد الاغتيال أمام الكاميرات كانت البطلة والضحية، الشاهدة والشهيدة.

لم تعمل بالسياسة ولا انضمت إلى فصيل، لكنها تماهت مع معاناة الضحايا والمعتقلين كصديقتها «خالدة جرار»، القيادية في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي ماتت ابنتها دون أن تودعها، فقد كانت رهن الاعتقال.

عندما اغتيلت حدث ما لم يخطر على بالها يوماً، توحدت المشاعر الفلسطينية في لحظة إجماع نادرة، كأنها ابنة كل بيت.

لم تكن أول صحفي أو صحفية تقتل في ميدان العمل أثناء تأدية الواجب المهني، فقد قتل أكثر من أربعين صحفياً فلسطينياً منذ مطلع القرن الحالي، غير أن مقتلها أمام الكاميرات بالطريقة التي جرت بها وصوتها الذي يشبه أهل فلسطين في حزنه أكسبها رمزية خاصة وتعاطفا غير مسبوق وإدانات واسعة شاركت فيها دول غربية كبرى عهد عنها دائما الدفاع عن إسرائيل تحت كل الظروف.

الإدانات تواترت من كافة أنحاء العالم، شاركت فيه المنظمات الحقوقية والصحفية الدولية والأمم المتحدة ووزارات الخارجية بلا استثناء تقريباً متوحدة حول طلب العدالة لـ«شيرين» والقصاص من قاتليها.

لم يحدث ذلك من قبل منذ النكبة الفلسطينية (1948)، التي تمر عليها اليوم (74) عاماً.

باليقين فإن الجنسية الأمريكية وعلاقاتها المهنية الممتدة إلى مراكز صنع القرار في واشنطن أحرجت إدارة «جو بايدن»، التي أخذت تحت الضغوط تصعد من موقفها إلى حدود غير معتادة لكن تحت سقف حماية إسرائيل ومنع مساءلتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

كانت دقيقة الصمت وقوفاً على روحها فى مجلس النواب الأمريكي مشهداً فريداً فى قصة القضية الفلسطينية.

المشهد نفسه تكرر في مواقع أخرى مشابهة، وفي الأمم المتحدة نفسها.

إنها قدسية حرية الصحافة التي مثلتها «شيرين» بصورة لم يكن ممكناً التشويش عليها.

الإدانات المتواترة أحكمت المأزق الأخلاقي الإسرائيلي، وتبدت أمام العالم بشاعة الاحتلال.

إننا أمام تحول في النظر الدولي للضحية الفلسطينية، إن لم يكن مكتملاً اليوم، فسوف يأخذ مداه غداً.

بالقوة الوحشية المفرطة منعت إسرائيل أن يمر نعشها محمولاً على الأكتاف في البلدة القديمة، أو أن يرفع عشرات الآلاف العلم الفلسطيني في شوارع القدس.

ارتكبت أثناء الجنازة أمام العالم فظائع مخجلة دون اكتراث بالفضائح السياسية والأخلاقية التي لطخت صورتها.

لماذا؟.. هذا هو السؤال.

هي تدرك أن المشهد برسائله ينزع أي أوهام عن أن القدس تخصها وحدها، وأنها عاصمتها الموحدة والأبدية.

مع ذلك فقد نقلت الصحف الدولية أن القدس في يوم الجنازة بدت مدينة عربية.

هذا هو الجوهر السياسي لما جرى في جنازة «شيرين».

بسقم في الوجدان وجهالة في الرأي أفتت بعض الأصوات الشاردة عن كل معنى، أو قيمة إنسانية وأخلاقية ودينية، بعدم جواز الترحم عليها، أو نعتها بـ«الشهيدة»، على خلفية انتسابها إلى الديانة المسيحية.

كان للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، رأي آخر. وُصفت بـ«الشهيدة» و«صوت فلسطين».

في جنازتها المهيبة التي لم تشهد الأراضي المحتلة مثيلاً لها من قبل دوَّت أجراس كنائس الطوائف المسيحية معاً لأول مرة منذ مئات السنين في أرجاء القدس وأجريت صلاة الغائب على روحها.

دوَّت في جنازتها هتافات: «من القدس إلى جنين الله يرحمك يا شيرين»، «بالروح بالدم نفديك يا شهيد»، «الله أكبر» و«لا إله إلا الله» دون نظر إلى هويتها الدينية، فالدين لله وفلسطين لأبنائها.

الفتاوى الجهولة لا تستحق التوقف عندها كثيراً، فالدم الفلسطيني يوحد، الموت العادي عند الحواجز يوحد، الفصل العنصري يوحد، والتنوع الديني فيه إضافة كبيرة لأكثر القضايا عدلاً في التاريخ الإنساني المعاصر.

«معظم الفلسطينيين المسيحيين لا يُسمح لهم بدخول كنيسة القيامة»- (23) نيسان/ أبريل (2002).. و«هناك جيل من الفلسطينيين لم يدخل القدس ولم يرها فى حياته»- (29) نيسان/ أبريل.

هكذا كتبت من موقع المعاناة، وهي تدرك أن القضية واحدة وأن التفرقة بحسب الانتماء الديني تجهيل بالحقائق الأساسية في المدينة المقدسة حيث يتجاور المسجد الأقصى وكنيسة القيامة بما يكسبها رمزيتها وشخصيتها ووحدتها.

غطت بشجاعة وحماس دفاع المقدسيين عن المسجد الأقصى، حتى يكاد يُخيل إليك أنها ليست مسيحية، لم يكن أحد يعرف ديانتها قبل إعلان وفاتها، ولا كانت هويتها الدينية تعنى شيئاً، فهي صحفية فلسطينية، مهنيتها تشهد لها ونزاهتها أكسبتها محبة الفلسطينيين العاديين.

«توفيت والدة الأسير كريم يونس بعد أن أمضت 39 عاماً تنتظر عودته»- (5) أيار/ مايو.

لم تكن تبحث عن بطولة بقدر ما أرادت أن تنتمي لقضية شعبها بمهنتها وحدها، صادقت وتعرفت من موقع عملها على المعاناة اليومية للأسرى الفلسطينيين، دخلت كل بيت وصاحبت كل أم إلى حيث يُعتقل ابنها، ودعت أثناء مطاردة الأسرى الهاربين من سجن «جلبوع» شديد الحراسة إلى التحمل والصبر و«أن تكون الروح المعنوية مرتفعة».

المعنى الإنساني يطل عليك وأنت تنظر فيما سجلَتهُ من إشارات ومواقف على صفحتها الشخصية:

في إشارة لافتة كَتبَتْ (5) شباط/ فبراير فى أجواء ترقب تسود العالم بأسره لما قد تسفر عنه محاولات إنقاذ الطفل المغربي «ريان»، الذى سقط في بئر بعمق (32) متراً لخمسة أيام: «اللافت في قضية ريان، إنه جلب اهتمام العالم والإعلام إلى قضية إنسانية بحتة، بعيداً عن الحروب والأزمات التي تهز عالمنا، عاد إلينا شعور افتقدناه أن حياة الإنسان مهمة».

كانت تلك التفاتة إنسانية غير مباشرة إلى قضيتها وناسها، أن «حياة الفلسطينيين مهمة» ومعاناتهم تحت الاحتلال غير عادلة وغير إنسانية.

«حتى بناء مدرسة صغيرة توجب أن يقوم بها الفلسطينيون في الليل خوفاً من هدمها»- (21) كانون الثاني/ يناير.

بروحٍ جسورة علقَتْ على صورة التُقطت لها جالسة على كرسي في عرض الشارع أثناء حوادث «الشيخ جراح»، في مدينة القدس التي تنتمى إليها: «قاعدين لهم»- (14) شباط/ فبراير.

بقدر أدوارها المهنية والإنسانية تأكدت مكانتها لحظة الغياب بالاغتيال.

«موجع الغياب عن الوطن، اسألوا من أجبر عليه قبل 74 عاماً» ــ 4 آذار/ مارس.

لم تكن تدري أنها سوف تكون قد غابت إلى الأبد في نفس الشهر الذى نُكبت فيه بلادها وشُرد مئات آلاف الفلسطينيين في المنافي البعيدة دون أن تُغادر روحها المكان الذى أحبته وأحبهــا.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق