الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

ما نحن فيه

رشا عمران *

منذ زمن طويل، لم يتح لنا، ابنتي الوحيدة وأنا، أن نقضي وقتا طويلا معا من دون وجود آخرين، فمنذ بداية عام 2011، مع انطلاق الثورة السورية، كل لقاءاتنا محكومة بوجود الآخرين. وبعد خروجنا من سورية، ذهبَت إلى أوروبا وقدمتُ للعيش في مصر، الظروف التي أحيطت بوجود السوريين والقيود التي وضعت على تنقلهم منعت إمكانية قدومها إلي، حتى في أوقاتٍ كنت في أشد الاحتياج لها (أوقات المرض والمشكلات الصحية الخطيرة). دائما كنت أنا من يسافر لرؤيتها، ما يعني أنني سأراها برفقة آخرين، عائلة أو أصدقاء أو شركاء سكن، ولم يكن متاحا لنا أن نقيم معا في مكانٍ خاص، في ظل الأوضاع الاقتصادية لكلتينا. كنا نكتفي بما نحن فيه، كان ذلك أيضا ترفا علينا أن نشكر الحياة عليه، فثمّة من الأمهات السوريات من لا يعرفن شيئا عن مصائر أبنائهن، وثمّة من دفنّ أبناءهن بأيديهن. وثمّة من لا تتاح لهن رؤية أولادهن إلا عبر الشاشة الصغيرة، والحال ذاته بالنسبة لأبناء فقدوا أمهاتهم أو أي اتصال بهن، أو لا يرونهن إلا عبر الشاشات، وليس بإمكانهم أن يكونوا معهن في حالات الاحتياج والضعف والمرض.

خلال لقاءاتي القليلة والمتفرّقة بابنتي في السنوات الماضية، لم نكن معا قادرتين على التواصل الطبيعي بين الأم وابنتها، كان يحكم علاقتنا معا نزعة الاستقلالية الكاملة، ظرف الحياة اللوجستي الذي يحيط بها، وظرف عملها، كان يفرض شروطه على علاقتنا معا، كلتانا كنا نتصرف كما لو أننا منتهيتين تماما من فكرة احتياج إحدانا للأخرى، كنا نتصرّف كما لو أننا صديقتان لكل منهما مساحة خاصة لا تقترب منها الأخرى، حتى في إبداء العواطف وإظهارها، هذا النوع من العلاقة كان يبدو صحيا وجميلا بالنسبة للآخرين، فأن تتطور علاقة الأم وابنتها إلى مرحلة الصداقة وتبادل احترام الخصوصية والاستقلالية لكل منهما أمر ليس سهلا لمن تربى في بيئةٍ مجتمعيةٍ ترى في استقلالية الأبناء قبل الزواج خروجا على المجتمع، وتتعامل مع فكرة الخصوصية بوصفها أمرا مضحكا أو تقليدا لعادات غريبة.

غير أن شيئا ما كان ناقصا في هذه الصورة الجميلة، لم نستطع إدراكه وفهم أهميته، حتى أتيح لابنتي، قبل أسابيع، أن تأتي إليّ لتزورني في مصر، وتقيم معي في منزلي، حيث لا أحد سوانا، أنا وهي. لا أحد من افراد عائلتنا معنا، ولا شركاء سكن، وللأصدقاء أوقات مخصصة لرؤيتهم أو للخروج برفقتهم.

كنت أحتاج لأن أدلل ابنتي الوحيدة، أحتاج إلى رويتها طفلة لا امرأة ناضجة، أن أجهّز لها فنجان قهوتها وأجهز لها فطورها، وأشتري لها ما تحتاج وما لا تحتاج، أن أقلق عليها حين تتأخر في سهرتها في الخارج، أن أطمئن عليها صباحا أنها نائمة بعمق، وأن لا شيء يقلق راحتها، كنت أحتاج أن أكون أمّا مثلما كانت هي تحتاج أن تكون ابنة، فهي أيضا تخفّفت عندي من كل توتّرها الذي كنت أراها فيه، حين أزورها في أوروبا. تنام بعمق وتضحك دائما وسعيدة وممتنّة لكل الجمال الذي في العالم. ثمّة ابنة عادت إليّ، كنت قد فقدتها خلال السنوات العشر الماضية، مثلما استعادت هي أمها التي فقدتها أيضا خلال هذه السنوات. وعلى الرغم من أن حياة كل منا سارت في الاتجاه الصحيح، وتبدو أنها أخفّ تعقيدا من حيوات كثرٍ آخرين، كان هناك ذلك الشرخ العاطفي الذي كان يكبُر شيئا فشيئا في دواخلنا، والذي أظنه أصاب غالبية السوريين وجعلنا نُصاب جميعا باضطراباتٍ نفسيةٍ تختلف حدّتها بين شخص وآخر. ما حدث في سورية والفقد المهول الذي أصبنا به، والهزيمة المريرة لآمالنا وأحلامنا، والقطيعة التي حدثت لنا مع مسقط رؤوسنا، والإحساس بالحرمان من العودة إلى بلادنا مهما بدت بلادا تعيسة وقاتلة، والإحساس بالقيود التي فرضها العالم على تحرّكاتنا، ذلك كله جعلنا نتصرّف كما لو كنا مكتفين بأنفسنا ونتعامل مع عواطفنا كما لو أنها ضعف علينا إنكاره دائما كما ننكر حنيننا واشتياقاتنا واحتياجاتنا.

ما من حفرةٍ نفسيةٍ لم يسقط فيها السوريون خلال السنوات العشر الماضية، وما من خللٍ لم نصب به، لم ننج إلا ظاهريا، بينما في العمق، نحن ضحايا لا أرقام لنا ولا يلحظنا أحد، ولا حتى ننتبه إلى أنفسنا حتى تأتي اللحظة المناسبة التي ستجعلنا ندرك حقيقة ما نحن فيه.

* شاعرة وكاتبة سورية

المصدر: العربي الجديد