الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بريطانيا والأمم المتحدة واغتصاب فلسطين

محمد عمر كرداس

في 2 نوفمبر/ تشرين ثاني 1917 أصدر آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا باسم الحكومة البريطانية في خضم الحرب العالمية الأولى بيانًا ضَمَنه رسالة إلى والتر روتشيلد زعيم الجاليات اليهودية في بريطانيا يعلن فيه دعم بريطانيا لتأسيس ” وطن قومي للشعب اليهودي ” في فلسطين التي كانت منطقة عثمانية ذات أقلية يهودية (حوالي 3 – 5 % من اجمالي السكان). كان نص البيان كالتالي: ” تنظر حكومة صاحبة الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين  وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية “، وبتوجيه الرسالة إلى روتشيلد كانت بغرض  نقلها إلى الاتحاد الصهيوني  لبريطانيا العظمى وإيرلندا، وقد نُشر هذا البيان الذي اشتُهر باسم وعد بلفور في الصحافة البريطانية في 7 نوفمبر/ تشرين ثاني 1917.

مهد هذا الوعد إلى قيام فلسطين تحت الانتداب البريطاني المفصولة عن بلاد الشام، وكان هذا الوعد والانتداب مخالفًا لوعود بريطانيا لشريف مكة الحسين بن علي بقيام المملكة العربية المستقلة تحت حكمه حسب الرسائل المتبادلة بين الطرفين والتي عُرفت وتوضحت في مراسلات حسين – مكماهون.

بانتزاع بريطانيا قرارًا من عصبة الأمم بعد انتهاء الحكم العثماني بالانتداب على فلسطين، بدأت ترتيبات إقامة الوطن اليهودي بفتح الهجرة الواسعة أمام اليهود من كل أصقاع الأرض وسهلت بريطانيا لهم التملك وشراء الأراضي من الدولة المنتدبة وبعض المتنفذين الذين كانوا يسكنون بعض العواصم العربية تسبب ذلك بنشوء الصراع العربي- الصهيوني الذي مازال مستمرًا حتى الآن حيث سياسة المحاباة والدعم لليهود وقمع العرب ومصادرة أملاكهم، وهكذا أعطى من لا يملك وعدًا لمن لا يستحق، بإقامة هذا الكيان اغتصابًا من أهله العرب، فقامت الثورات والانتفاضات ضد المحتل البريطاني الذي شطر بلاد الشام إلى نصفين واحتل فلسطين وشرقي الأردن بينما كان وعده لحلفائه العرب أن ينالوا الاستقلال مع نهاية الحرب العالمية الأولى. بالإضافة لفضيحة أخرى بمشاركة فرنسا في اتفاق سايكس- بيكو التي قسمت أرض العرب ووضعتهم تحت احتلال غاشم.

لم تهدأ الثورات والانتفاضات في فلسطين وكانت أكبرها ثورة 1936 التي دفعت بريطانيا إلى تشكيل ” لجنة بيل ” لمعرفة أسباب وأبعاد هذه الثورة والتي شكلتها بريطانيا بمعنى أنها الخصم والحكم. اقترحت اللجنة تهجير العرب من المناطق ذات الأكثرية اليهودية!! حيث ارتفع عدد اليهود حينها في البلاد إلى 33% ولم يتملكوا سوى 7% من الأراضي واقترحت اللجنة إعطاء اليهود 56% من الأراضي والعرب 44% رغم امتلاكهم غالبية الأراضي وأكثرية السكان، واستمرت بريطانيا في سياستها الاستعمارية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث قررت إنهاء انتدابها بعد ما مكنت اليهود وسلحتهم ومنعت عن العرب أي نوع من أنواع الدعم، وطرحت الموضوع على الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت تقسيم فلسطين بين العرب واليهود حسب لجنة بيل ومقترحاتها وصوتت 56 دولة على القرار بموافقة 33 دولة واعتراض 13 وامتنع عن التصويت 10 دول وصدر القرار برقم 181 في 29 نوفمبر/ تشرين ثاني عام 1947. رفض العرب قرار التقسيم ولم يقيموا الدولة الفلسطينية، بينما قامت الدولة اليهودية في 15 أيار /مايو 1948، وشنت الدول العربية بحيوشها السبعة الحرب على إسرائيل بأسلحة فاسدة وقيادة بريطانية !!!

انهزم العرب وضاعفت الدولة اليهودية أراضيها، وألحقت غزة بمصر والضفة الغربية بالأردن، وتشتت الفلسطينيون في أصقاع الأرض على أمل العودة منذ74 عامًا، وخاض العرب الحروب الخاسرة وفي كل حرب يخسرون المزيد من الأرض، ويزداد المهجرون والنازحون، وبقي الفلسطيني العربي بلا هوية منبوذًا في دول الشتات، وبقيت القضية الفلسطينية بيد الأنظمة للمزاودة والتربح منها على حساب الدم الفلسطيني ومجالًا للمزاودات الإسرائيلية بين حكومات اليمين واليسار التي تتبارى في اضطهاد العرب وقتلهم واعتقالهم وهدم المنازل لمزيد من التهجير، وما يزال الشعب الفلسطيني ممسكًا بقضيته، ولن يتراجع حتى زوال هذا الاحتلال العنصري الذي بقي وحيدًا في العالم.

أما الأمم المتحدة التي أصدرت المئات من القرارات ضد إسرائيل فلا أحد ينظر إليها، وهذا يعلمنا أن أي شعب يتهاون بحقه لن ينظر إليه أحد وأن الشعب الذي يُصر على قضيته ويناضل من أجلها رغم الصعوبات فسيحصل على حقه ولو طال الزمن فتحية للشعب الفلسطيني ونضاله وتضحياته من أجل نيل حقوقه المشروعة.

المصدر: إشراق