الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

العام الأخير قبل الانتخابات في تركيا!

بكر صدقي *

إذا لم يتم تقديم موعد الانتخابات العامة والرئاسية في تركيا، فمن المفترض أن تجرى في 23 حزيران 2023، أي بعد 14 شهراً. لكن المراقب للمشهد السياسي وتصريحات الطبقة السياسية سيرى وكأنها على الأبواب. ولا يمكن قراءة أي قرار أو خطوة أو تصريح إلا على ضوء هذه الحقيقة. تستوي في ذلك السلطة والمعارضة على السواء. ربما تركيا هي البلد الوحيد، بين البلدان التي تجرى فيها انتخابات منتظمة، تكاد الاستعدادات فيه للانتخابات التالية تبدأ بمجرد انتهاء الانتخابات التي قبلها.

ربما يعود سبب ذلك إلى أن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها لا تلقى حلولاً جذرية بصرف النظر عن تغيير الطاقم الحاكم أو التجديد له في صناديق الاقتراع. وبرغم ذلك تعتبر نسب المشاركة في مختلف أنواع الاقتراع من أعلى النسب المماثلة عالمياً، فتتجاوز عموماً نسبة 80% ممن يحق لهم الاقتراع. والناخب التركي، إلى ذلك، ناخب ذكي يجيد توجيه رسائله إلى الطبقة السياسية، من تنبيه أو إنذار وصولاً إلى التعبير عن إرادة التغيير.

وعلى رغم أن تاريخ تركيا الحديث شهد انقلابات عسكرية شبه دورية ضربت بإرادة الشعب عرض الحائط، إضافة إلى مراحل من العنف المنفلت، فالناخب التركي لم ييأس وتمسك بالعملية الديموقراطية من خلال مشاركته الكثيفة، في تعبير عن الإرادة المتجددة في اختيار من سيحكمه.

وفقاً لاستطلاعات الرأي الدورية يشكل الوضع الاقتصادي أول أولويات الناخب التركي، وبخاصة في السنتين الأخيرتين، تليها قضايا الأمن والعدالة والحريات والمسألة الكردية واللاجئين مع تغير الترتيب فيما بينها بين فترة وأخرى. لذلك فالصعوبات الاقتصادية، وبخاصة التضخم، ستكون الحافز الأول الذي يحرك الناخب في اختياراته. يردد الأتراك كثيراً عبارة شهيرة منسوبة للرئيس الراحل سليمان دميريل يقول فيها “لا تستطيع أي حكومة أن تصمد في مواجهة قدور الطعام الفارغة” أي حين تفقد كتلة كبيرة من الشعب القدرة على شراء وسائل العيش.

أما موضوع اللاجئين فقد بدأ “تسخينه” منذ الآن على وقع التضخم نفسه وتراجع القدرة الشرائية عند شرائح كبيرة من الشعب، فبرزت الدعوات مجدداً لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، باعتبارهم الكتلة الأكبر (3.6 مليون) بين اللاجئين من بلدان عديدة. ويقود الحملة الرئيسية بهذا الصدد رئيس حزب النصر أوميت أوزداغ الذي قال في أحداث تصريحاته إن حزبه سيبدأ العمل فوراً على برنامج يهدف إلى إعادة اللاجئين السوريين، وكخطوة أولى سيرسل وفداً إلى دمشق للتباحث مع النظام السوري حول سبل إعادة اللاجئين إلى بلدهم.

وتتراوح تصريحات الأحزاب الأخرى بهذا الصدد بين إعادة اللاجئين السوريين بصرف النظر عن أي شروط، وبين إعادتهم بعد تأمين شروط العودة الآمنة. ليس بين التصريحات ما يشير إلى القبول بالأمر الواقع أي بقاء اللاجئين أو قسم كبير منهم على الأقل.

وتتوزع اللوحة السياسية اليوم بين ثلاث كتل رئيسية هي تحالف الجمهور (العدالة والتنمية والحركة القومية وحزب الوحدة الكبرى) وتحالف الشعب (الشعب الجمهوري والخيّر والديموقراطي) تم تعزيزه قبل شهرين بثلاثة أحزاب ذات جذور إسلامية (السعادة) أو انشقت عن الحزب الحاكم (المستقبل بقيادة أحمد داوود أوغلو والديمقراطية والتقدم بقيادة علي باباجان). ستة أحزاب متباينة أيديولوجياً وسياسياً وفي حيثياتها الاجتماعية، اجتمعت على معارضة السلطة القائمة والدعوة إلى استعادة النظام البرلماني الذي تحول قبل خمس سنوات إلى رئاسي، وأدى إلى تهميش دور البرلمان وإلغاء منصب رئاسة مجلس الوزراء الذي أصبح وزراؤه يعينون من قبل رئيس الجمهورية وهم مسؤولون أمامه.

أما الثالثة فهي الكتلة الكردية التي يمثلها بصورة رئيسية حزب الشعوب الديموقراطي. وعلى رغم معارضته للسلطة لم يُدعَ الحزب الكردي للانضمام إلى تحالف المعارضة بالنظر إلى هشاشة التحالف الذي يضم تياراً قومياً متشدداً في مواجهة أي تمثيل كردي. وهذا ما دفع بـ”الشعوب الديمقراطي” إلى تبني خط مستقل عن كل من التحالفين وربط دعمه لأي منهما بمدى اقترابه من مطالبه.

وثمة تحالف ثالث أقل وزناً في الحسابات الانتخابية هو تحاف قوى اليسار الذي يتألف من 6 أحزاب هامشية. وعلى رغم هذه الهامشية فمن المحتمل أن يشكل ناخبوه إضافة إلى أي تحالف يتمكن من اجتذابهم.

على رغم كل المصاعب الاقتصادية التي أثرت سلباً على ناخبي التحالف الحاكم مثل ناخبي القوى السياسية الأخرى، فإن التراجع في شعبية السلطة لم ينعكس، إلى الان، في نمو شعبية تحالف الشعب المعارض، بل أدت إلى نمو مطرد في كتلة “المترددين” الذين لم يحسموا رأيهم في التصويت في الانتخابات المقبلة. وسيكون لتوزع هذه الأصوات المترددة دور حاسم في تحديد نتائج الانتخابات.

وتم تغيير قانون الانتخابات إلى نظام الدائرة الانتخابية، بحيث أصبح على كل مرشح في دائرته أن يفوز بنسبة من الأصوات تتجاوز حاجز 7% ليحق له دخول البرلمان. وكان القانون السابق يفرض على كل حزب الحصول على حد أدنى من أصوات الناخبين في عموم البلاد يبلغ 10%، ليحق لمرشحيه الفائزين دخول البرلمان. هذا التغيير أضر بصورة خاصة الأحزاب الصغيرة التي ستفقد إمكانية التمثيل في البرلمان، وهي بصورة أساسية 4 أحزاب معارضة في إطار ائتلاف الشعب: السعادة والمستقبل والديموقراطية والتقدم والديموقراطي. ينطبق الأمر نفسه على حزب الوحدة الكبرى المنضوي في إطار تحالف الشعب الحاكم، وكذلك على أحزاب تحالف اليسار وأحزاب صغيرة أخرى خارج جميع التحالفات. واعتبرت المعارضة أن هذا التغيير في قانون الانتخابات موجه ضدها، فتقدم زعيم المعارضة الرئيسية كمال كلجدار أوغلو بشكوى إلى المحكمة الدستورية مطالباً بإلغاء التغيير.

الخلاصة أنه أمامنا 14 شهراً من التجاذبات السياسية إلى أن يقول الناخب التركي كلمته في صناديق الاقتراع.

٭ كاتب سوري

المصدر: القدس العربي