الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

رمزية اغتيال «شيرين أبو عاقلة»

محمود الوهب *

ارتبط اسم الإعلامية «شيرين أبو عاقلة»، على مدى العشرين سنة الأخيرة، بكفاح الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلال بلاده، وقد تماهى فعلها الإعلامي بحسّها الوطني العالي، ومن هنا ترسَّخ في أذهان المشاهدين العرب اسمها، وملامح وجهها، ونبرة صوتها بذلك الكفاح الذي يتصدى لأبشع عدو استيطاني زُرع في فلسطين، وقد أعطت ديانتُها المسيحيةُ لعملها رمزاً وطنياً عاماً، وعمقت تلك الروح التي تُزعج الإسرائيليين، لا على نطاق إسرائيل ذاتها فحَسْبُ بل على مستوى العالم الذي ينساق وراء المزاعم الإسرائيلية حول الإرهاب والتطرف وإلصاقه بالدين الإسلامي.

لا شك في أن اغتيال الصحافية الفلسطينية ليس الأولَ، ولن يكون الأخير، فهذه الجرائم نهج مترسخ في صلب سياسة الكيان الصهيوني حتى قبل تحقُّقه على الأرض، أي منذ وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1919 وإلى اليوم. وهو مستمر إلى أن يُنهي الشعب الفلسطيني الاحتلال، ويحصل على حقوقه كاملة، وأقول كاملة لأن إسرائيل دولة احتلال، رغم كل ما يُرى من شروط قيام الدولة، وما أنجزته خلال خمسة وسبعين عاماً على غير صعيد، وأهمها: امتداد علاقاتها السياسية الدولية، واتساعها وخاصة في الفترة الأخيرة إذ أخذت تشمل بعض الدول العربية تحت مزاعم واهية. ويجري ذلك كله برعاية دولية وخدمة لمصالح دول عظمى، وربما انتقاماً من التاريخ الطويل للعلاقات العربية/ الأوروبية وخوفاً من المستقبل أيضاً! ويتحمل الواقع العربي قسطاً مهماً من خلال تفكُّك علاقاته البَيْنِيّة، وعدم استغلاله للإمكانيات التي بين يديه، وهي كثيرة، وسيأتي ذكر ذلك..

ولن تغوص هذه المقالة إلا فيما هو واقع وملموس، في محاولة لقراءة رمزية هذه الجريمة في الواقعين الفلسطيني أولاً، والعربي عموماً.. وما الذي يقوله دم الشهيدة شيرين أبو عاقلة، وما يُوصي به.. وهل ثَمة إمكانية لإجلاء الاحتلال، واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وبناء دولته المستقلة. إن ذلك ممكن إذا ما توفرت الإرادة الحرة، ولكن الذي يحصل أنه كلما مرَّ العرب بفاجعة كحادثة القتل العمد للصحافية الفلسطينية يُكثرون من القول والندب وفوران الدم ثم يعيدون سيرتهم الأولى..!

إن إراقة دم «شيرين أبو عاقلة» يؤكد ما يلي:

أولاً: إن دم «شيرين أبو عاقلة» مَعْلَمٌ فاصلٌ بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين المحتلّ الغاصب وصاحب الأرض/ الوطن.. وهو نقطة ضوء تكشف زيف الديمقراطية الإسرائيلية وتؤكد عنصريتها وهشاشتها من جهة ثانية..

فدم ‘شيرين’ الفلسطيني الذي وحَّد الموقف الوطني يستصرخ ضمائر الفصائل كافة للاستمرار على هذه الوحدة، كما ينادي كل مَن يمسك بدفة قيادة بلد عربي للعمل على الخروج من القاع الذي وصلت إليه البلاد العربية.. سواء تعلق الأمر بالتطبيع أم بالاعتماد على الآخر، كائناً مَن كان، أم بالصراعات البَيْنِيّة ومكائدها..

ثانياً: إن دولة إسرائيل التي أُقيمت على نحو غير شرعي، وبفعل استعماري، واستهتار بحقوق الشعوب، ولغايات دول عظمى.. غير قادرة على الاستمرار إلا عن طريق القتل والجرائم الشاملة التي تطاول الإنسان والممتلكات، وهذا ما أكده تاريخها الطويل المليء بالمجازر الدموية، وبالسطو على الممتلكات الفلسطينية، وبالتعدي على المقدسات الدينية إسلامية ومسيحية وحتى اليهودية إنْ عارضت سلوك الدولة الصهيونية.. ورغم ذلك فإن الذي منح الحركة الصهيونية حق إقامة الدولة على الأرض الفلسطينية، دون أي وجه حقّ، لا يزال يساند تلك الدولة متجاهلاً حقوق الشعب الفلسطيني، رغم كثرة القرارات الدولية التي تنصفه، وفي مقدمتها قرار التقسيم ذاته رقم 181 تاريخ 29 تشرين الثاني عام 1947..

ثالثاً: إن دم الشهيدة «شيرين أبو عاقلة» أكَّد فعّالية الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني، وقوتها، وأكد أهمية استمرارها لتشمل أطيافه الدينية، وفصائله الكفاحية المتباينة في مراجعها الفكرية، وفي رؤية الحلول الممكنة وسُبل تحقُّقها، وتجاوُز التناقضات الثانوية التي تسعى مكائد الإسرائيليين نحو تعميقها، والوقوف في وجه نزعات التطرف أينما وُجدت على الأرض الفلسطينية، ولهذه المسألة دور مهم لا في كسب التأييد العربي بل في توحيده تجاه القضية الفلسطينية..

رابعاً: إن تهافُت بعض الحكام العرب على التطبيع مع الكيان الصهيوني يُضعف نضال الشعب الفلسطيني الذي هو نضال عربي في جوهره.. ثم إن التطبيع مَهْما كانت مزاعمه أو تبريراته فهو لا يمنح الذاهبين إليه أية قيمة لا على المستوى الوطني ولا القومي، ولا حتى على المستوى الاقتصادي.. إذ لا أكثر من المستثمرين على نطاق العالم، ويفضل منهم مَن كانت دولته تساند القضايا العربية..

فالحروب والصراعات في جوهرها هي اقتصادية، وحلم إسرائيل الرئيس هو الامتداد إلى الثروات العربية تحقيقاً لرؤية شمعون بيريز في كتابه: “الشرق الأوسط الجديد” الذي يتحدث فيه عن نهضة المنطقة، فيقسم العمل بين العرب والإسرائيليين بحيث يقدم العرب ثرواتهم وأيديهم العاملة، بينما يقدم الإسرائيليون الخبرة والتكنولوجيا ما يعني في النهاية تشغيل العرب عند بني صهيون..!

خامساً: إن الإمكانيات العربية غير محدودة، ولا أعني العسكرية منها، بل السياسية والاقتصادية إضافة إلى الإرادة الحرة التي مركز انطلاقتها الاستناد إلى الشعب ولا يعطي هذا الأمرُ ثمارَه إلا إذا كانت هناك ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة تسمح بانتخابات حرة وتقود إلى تداوُل السلطة من خلال إشراك الشعب عَبْر مجالس منتخبة بَدْءاً بمجالس المدن وانتهاءً بالمجلس النيابي، وأنْ يتاح له التعبير عن حاجاته وحاجات وطنه عَبْر صحافة حرّة، وأحزاب سياسية، ومنتديات ثقافية، وفصل بين سلطاته الثلاث.. ويمكن في هذه الحال تفعيل الجامعة العربية أو إيجاد صيغة أخرى أكثر فعّالية عندئذ تكون هناك سياسة تستمدّ قُوّتها من وَحْدة الموقف! ولا بُدّ من عمل جِدِّيٍّ فالوقت ليس في صالح العرب، والأنشوطة ليست حول رقبة الفلسطيني وَحْده، إنما هو كبش الفداء..

المصدر: نداء بوست