الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

انتصارات موسكو «البيروسية»

بشير عبد الفتاح *

يشير مصطلح «النصر البيروسي»، إلى ذلك الإنجاز العسكري، الذي يتأتى إثر كلفة مادية وبشرية فادحة، تجعله إلى نصر بطعم الهزيمة أقرب. الأمر الذى يفسد على المنتصر غبطة النجاح، ويقوض قدرته على تحقيق مزيد من الانتصارات في مُقبل أيامه. ويُنسب هكذا نصر، إلى القائد العسكري الإغريقي «بيروس الإيبري»، الذى أفضى انتصاره على الرومان في معركة «أسكولوم»، عام 279 قبل الميلاد، إلى تدمير جُل جَيشه، وحرمانه من تحقيق نجاحات عسكرية مدوية، حيناً من الدهر.

بنماذج عديدة مماثلة، حفل تاريخ الحروب بين البشر، ويحضرنا منها ههنا، انتصار الزعيم السوفييتى الراحل، جوزيف ستالين، فى حربه ضد فنلندا عام 1939. تلكم التجربة التي تتلاقى، في نقاط تشابه شتى، مع الحملة العسكرية التي يشنها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ضد أوكرانيا، منذ الرابع والعشرين من فبراير الماضي.

فمن حيث الأهداف، انبلجت الحربان من رحم رغبة روسية محمومة فى إعادة رسم الحدود مع كلتا الدولتين، بغرض تأمين الفضاء الجيوسياسي الروسي، وإعادة صياغة المعادلة الأمنية الأوروبية، وتعزيز نفوذ موسكو الاستراتيجي، وتعظيم مكانتها في نظام عالمي جديد، تراه قيد التشكل. ففيما يعرف تاريخياً بـ«حرب الشتاء»، هاجم ستالين، فنلندا، عام 1939، بعدما رفضت مقترحه بتغيير حدودها مع الاتحاد السوفييتى. فتوخياً منه لتحصين مدينة لينينغراد ضد هجوم ألماني محتمل، عرض ستالين ضم مناطق فنلندية حيوية للأراضي السوفييتية، واستخدام جزر فنلندية كقواعد عسكرية سوفييتية متقدمة فى بحر البلطيق، مقابل منح الفنلنديين غابة موحلة في “كاريليا” السوفييتية.

أما بخصوص أوكرانيا اليوم، فيرنو بوتين إلى ضم شبه جزيرة القرم، وإقليم دونباس إلى روسيا، مع احتلال شريط جنوبي، يتيح تأمين طريق بري، بامتداد ساحل بحرَيّ أزوف والأسود، حتى الحدود الروسية، لربط الإقليمين. فضلاً عن السيطرة على إمدادات المياه لشبه جزيرة القرم. ومثلما قصد ستالين تغيير النظام في فنلندا، لم يخّفِ بوتين رغبته فى الإطاحة بنظام زيلنسكي، وإسناد السلطة إلى طرف، أكثر تفاهماً مع موسكو. وما برح الروس يؤكدون «نُبل» أهداف عمليتهم العسكرية الخاصة في أوكرانيا، سواء لجهة تأمين سكان دونباس، أو حماية الناطقين بالروسية من الإبادة الجماعية، وتطهير البلاد من النازيين الجدد. فضلاً عن اتخاذ تدابير لضمان أمن روسيا، كتحييد أوكرانيا استراتيجياً. وما كادت موسكو تعترف، رسمياً، باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك بمنطقة دونباس، قبل ثلاثة أيام من غزو أوكرانيا، حتى عادت وأعلنت عزمها تحرير أراضي الجمهوريتين الانفصاليتين توطئة لضمهما إليها.

لم يكن الأداء العملياتي الروسي على ما يرام في الحالتين. ففي حرب فنلندا، زج الاتحاد السوفييتى بأكثر من نصف مليون جندي، مدعومين بآلاف الدبابات والطائرات، في حرب دارت رحاها لثلاثة أشهر ونصف، وأسفرت عن سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى السوفييت. وفي حرب أوكرانيا، دفعت روسيا بقرابة نصف ذلك العدد من قواتها. وبعدما لم تُبل أسلحتها العتيقة بلاءً حسناً، جنح بوتين، على استحياء، لاستخدام أسلحة نوعية حديثة، لتحييد سلاحي الطيران والدفاع الجوي الأوكرانيين. لكن الجيش الروسي تكبد خسائر ضخمة خلال ما يناهز مائة يوم، بينما لم يحقق جل أهداف عمليته العسكرية. ومثلما انضم مرتزقة ومتطوعون، من عديد مشارب، للقتال إلى جانب الجيش الفنلندي فيما مضى، تكرر الأمر اليوم مع نظيريه الأوكراني والروسي.

بعد زهاء مائة وعشرين يوماً من القتال الضاري، وضعت حرب فنلندا أوزارها. ورغم نجاح ستالين فى التهام مناطق تفوق تلك التي كان يطالب بمقايضتها، فاقت الخسائر البشرية والمادية السوفييتية المروعة توقعات الجميع. فطوال تلك المدة، تمكن المقاتلون الفنلنديون، الذين ابتكروا ما أسموه، «كوكتيل مولوتوف»، تهكماً على وزير خارجية الاتحاد السوفييتى، حينئذ، فياتشسلاف مولوتوف، من تعطيل الهجوم السوفييتى، وتلقين «الجيش الأحمر» درساً قاسياً. وبينما أشاد القادة الأوروبيون، وقتئذ، بشجاعة المقاتلين الفنلنديين، تراءى للنازيين، أن «الجيش الأحمر» لم يكن بالقوة التي كانوا يظنونها. ومن ثم، أقدم، هتلر، على غزو الاتحاد السوفييتى فى يونيو 1941.

إلى حد بعيد، يتكرر السيناريو ذاته، مع أوكرانيا. فرغم تدمير جل بنيتها التحتية، واحتلال مساحات من أراضيها، يتعذر على موسكو إعلان نجاح عمليتها الخاصة هناك، في اليوم الموافق لذكرى الانتصار السوفييتى على ألمانيا النازية عام 1945. فإلى جانب احتفاظ أوكرانيا بخيرة قواتها في محيط دونباس، برأسه أطل التباطؤ الروسي في معالجة أخطاء معارك كييف والشمال الشرقي الأوكراني. ورغم تعديل استراتيجيته، وتغيير تكتيكاته، واستبدال قياداته الميدانية، لا يفتأ الجيش الروسي يعاني مكامن خلل عدة، أبرزها: المركزية المفرطة لآلية اتخاذ القرار العسكري، ما يحرم قادة المستويين المتوسط والأدنى حرية المبادرة والعمل المستقل، كما يكبل تراتبية منظومة القيادة والسيطرة، ويقلص مرونة تعديل الخطط وتبديل التكتيكات. وقد خلَف استمرار المعضلات اللوجيستية، أصداء سلبية على الأداء الميداني والروح المعنوية للمقاتلين، المُجهَدين أصلاً من المرحلة الأولى للحرب. ولئن اضطر، ستالين، على وقع نتائج الحرب الفنلندية، إلى إعادة هيكلة «الجيش الأحمر»، فقد أججت حرب أوكرانيا، حاجة بوتين الملحة لمواصلة تطوير الجيش الروسي، ومراجعة استراتيجية تغليب الكم على النوع، بكل ما تستتبعه من خسائر بشرية ومادية مفجعة.

بدعم عسكري غربي كثيف، استقوت فنلندا في مواجهة السوفييت. فبينما التزمت ألمانيا الحياد، عملاً باتفاقية عدم الاعتداء، التي أبرمتها مع ستالين فى أغسطس 1939، قدمت بريطانيا وفرنسا، عشرات الطائرات وقاذفات القنابل للفنلنديين. كما زودتهم المجر، وإيطاليا، والدنمارك، بالسلاح والمتطوعين، وأمدتهم النرويج بالسلاح، وقامت بتدريب عدد من طياريهم المقاتلين. ورغم حيادها، أرسلت السويد ثمانية آلاف متطوع لمساندة الفنلنديين، الذين خصصت ثلث عتادها الحربى، لمؤازرتهم. وأمريكياً، تشكلت لجان لجمع التبرعات لنصرة الشعب الفنلندي، فيما امتنعت بعض الشركات عن بيع منتجاتها لموسكو. أما اليوم، فلم يَحُلْ حرص الغرب على تجنب الصدام المباشر مع روسيا، دون إغداق الدعم العسكري الأطلسي النوعي على أوكرانيا. بما يعزز قدرتها على المقاومة والصمود، ويعيق الحسم الروسي السريع والناجز للعمليات، كما يُغرق موسكو في حرب استنزاف ممتدة ومُهلكة. حيث خلص الاجتماع العسكري، الذى عقده وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، بقاعدة، رامشتاين، الجوية بألمانيا، بمشاركة نحو 40 دولة، إلى تبني برنامج غربي موسع، لتزويد أوكرانيا بمنظومات تسليحية متطورة، بغية إنهاك روسيا وردعها عن تهديد جيرانها.

أثار الغزو السوفييتى لفنلندا استياء المجتمع الدولي، الذى اتخذ، حينها، حزمة تدابير لعزل موسكو. فبعد إدانتها إياه، أنهت منظمة عصبة الأمم عضوية الاتحاد السوفييتى. بدوره، شجب، بيوس الثانى عشر، بابا الفاتيكان، حينها، ما اعتبره سياسات عدوانية من قبل الاتحاد السوفييتى وزعيمه. ولقد تكرر الشيء نفسه في حرب أوكرانيا، التي أدانها الغرب، وانتقدها بابا الفاتيكان الحالي، فرنسيس، الذى ألغى اجتماعاً، كان مقرراً، بالبطريرك، كيريل، بابا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، المعروف بموالاته للكرملين، وتأييده لغزو أوكرانيا. وبعد يومين فقط من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير الماضي، حال استخدام روسيا حق «الفيتو»، دون إصدار مجلس الأمن الدولي قرار إدانة، اقترحته الولايات المتحدة وألبانيا. لكن في الثانى من آذار/ مارس الفائت، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قراراً أوروبياً، يستنكر العدوان الروسي، ويؤكد احترام سيادة أوكرانيا، واستقلالها، ووحدة أراضيها، ومياهها الإقليمية. كما يطالب روسيا بسحب جميع قواتها من هناك، على نحوٍ فوري، وكامل، وغير مشروط، ويدين إعلانها رفع حالة التأهب النووي. ورغم كونه غير ملزم، اعتبره الغرب قراراً تاريخياً.

دأبت كييف على المطالبة بحرمان روسيا من حق «الفيتو»، وتجميد عضويتها بعدد من المنظمات الدولية. وقد تمخضت تحركاتها عن تعليق العضوية الروسية بمجلس حقوق الإنسان الأممي، وشروع منظمة السياحة العالمية في إجراء مماثل، لكن موسكو استبقت القرار بإعلان انسحابها من المنظمة. وبينما أكدت واشنطن سعيها لإدراج روسيا ضمن لائحة الدول الراعية للإرهاب، أبدى الرئيس بايدن، على هامش قمتي دول الاتحاد الأوروبي والناتو، ببروكسيل، في آذار/ مارس الماضي، تأييداً للدعوات الأوكرانية والغربية باستبعاد روسيا من مجموعة العشرين. بيدَ أنه رهنَ هكذا قرار بمواقف باقي الأعضاء.

يوماً بعد آخر، تشتد وطأة التداعيات الموجعة للعقوبات الغربية، غير المسبوقة، على روسيا. فخلال قمتهم الافتراضية الشهر المنصرم، جدد قادة مجموعة السبع الكبرى، والاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، التزامهم تكثيف الضغوط على الكرملين، وتوسيع عزلة موسكو دولياً، والإمعان فى استنزافها، عبر تغليظ العقوبات عليها، تزامناً مع تكثيف الدعم العسكري النوعي لكييف. وقد تواكب ذلك المناخ التصعيدي مع تيبُس أقنية الحوار والتعاون بين موسكو والناتو، وتجميد الحوار الروسي الأمريكي حول الاستقرار الاستراتيجي، علاوة على تراجع مُعامِل الثقة بين بوتين والغرب، إلى أدنى مستوياته، منذ الحرب الباردة.

* كاتب وباحث أكاديمي مصري

المصدر: الشروق