الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سورية.. من المجزرة إلى مرسوم “العفو”

عمار ديوب *

أصيب السوريون بالذهول من بشاعة مجزرة حي التضامن. قتلٌ، ومن ثم حرقٌ للجثث. أيام قليلة وصدر مرسوم عفو رئاسي. ربط كثيرون بين المرسوم والحاجة إلى التغطية على المجزرة. فعلاً، بدأ أهالي المعتقلين بالنزول إلى قلب دمشق النابض بالعروبة، فمن تحت جسر الرئيس، إلى المرجة، إلى قصر العدل، إلى صيدنايا، إلى .. إلى .. الصور المنقولة من وسائل تابعة للنظام: يوميات قذيفة هاون، إذاعة شام إف إم، وغيرها، تقول إن أعداد الأهالي المتجمعين هنا وهناك فاقت الآلاف. ظن الناس أنّهم سيرون أولادهم أخيراً. وتوهموا أن النظام قد يعود إلى رشده، وأن أمهات سينمن وهن يحتضنّ فلذات أكبادهن. لم يحدُث شيء من هذا.

تفيد التقديرات الأولية بأنه جرى الإفراج عن أقل من مائتي معتقل. لا يقدّم النظام أيّة معلومات عن المعتقلين والمغيبين قسراً، ولم يُطلق سراحهم ضمن عملية سياسية تؤدّي إلى طي الحقبة السوداء في عهده منذ 2011. تنتظر عائلاتٌ أولادها منذ أكثر من عشر سنوات، أو أقل بقليل؛ آلامهم التي بثّوهـا عبر كل منصّة تواصل ممكنة تقول إن الألم المختزن في قلوبهم بحجم سورية كاملة. والمعتقلون ينتمون إلى كل جزء من الجسد السوري، بمناطقه وقومياته. لكن قلة عدد المعتقلين تنفي الربط بين المجزرة ومحاولات التغطية عليها. يُشاع أن النظام شكل هيئة من القضاة منذ فترة، سابقة على المجزرة، للإعداد لـ”العفو”، وربما يكون لذلك صلة بمحاولات إماراتية وجزائرية لشرعنة النظام، نصحته بإصدار بعض المراسيم، كان جديدها مرسوم “العفو” هذا. لكن بعض تلك المراسيم والقوانين أرادت أيضا إظهار “العين الحمراء” للشعب “الموالي” بأن النظام لن يتهاون مع أي انتقاداتِ على وسائل التواصل الاجتماعي؛ عليكم الانتباه جيداً، وإلّا.

يشكل موضوع المعتقلين قضية حساسة لدى شعوب العالم كافة، وما قرأناه وشاهدناه من مقاطع فيديو مسرّبة يجعلنا نتألم بشدة. لم يهتم النظام لأوجاع الأهالي، والأرقام تتحدّث عن أكثر من مائتي ألف معتقل ومغيّب قسرياً، وليس من معلومة واحدة أكيدة عن أماكنهم، وهناك سوق رائجة للسمسرة والنهب مقابل أي معلومة عن أهاليهم ولو كاذبة، فليس للقضاء سلطة فعلية في هذا الملف. والمعتقلون موزّعون بين سجن صيدنايا سيئ الصيت وأقبية الأجهزة الأمنية التي لا تعترف أصلاً بوجودهم، ويمنع الأهالي من مراجعة مكاتبها، والناس أصلاً تتجنّب الذهاب إلى هناك، ما دام الداخل إليها مفقودا، والخارج منها مولودا.

ظنّ السوريون أن الاعتقال طويل الأمد لن يتكرّر بعد الثورة. وفي الأشهر الأولى كان الإفراج بعد وقتٍ قصير عن المتظاهرين، ولكن لاحقاً، أصبح الاعتقال لأشهرٍ، ثم سنواتٍ، ولعقدٍ، وها نحن ننتظر مع الأهالي. اكتشفنا أننا غارقون في الأوهام؛ النظام هو هو، ولم تتغيّر طبيعته الأمنية والاستبدادية، منذ السبعينيات. يبدو تغيير ذلك مرتبطا بتغيير النظام ذاته، وهذا متعذّر. لم تستطع الثورة تغييره، ولم تُرد ذلك الدول المتدخلة بالشأن السوري، الداعمة للنظام والمعادية له على حد سواء.

كان الإفراج عن المعتقلين شرطا سابقا على أي مفاوضاتٍ مع النظام، لاحقا لم تهتم وفود المعارضة المفاوضة للنظام بآلام الأهالي والكوارث التي يعانيها المعتقلون، لصالح مفاوضات “تافهة” عبر اللجنة الدستورية، وفي أستانة، وسوتشي، وجميعها لم تفعل شيئاً بخصوص المعتقلين. مضت السنوات، ولم تحقّق جولات التفاوض إفراجا عن معتقلٍ واحد. وتأكد أن رفض التفاوض مع النظام يشكل موقفاً جادّاً من شأنه أن يفرض قضية المعتقلين على أجندات النظام وحلفائه والمجتمع الدولي. لم يتحقق هذا، والجولة الثامنة من اجتماع اللجنة الدستورية على الأبواب في 28 مايو/ أيار الجاري.

ليس مرسوم العفو الصادر أخيرا، شاملاً، وأية معارضة جادّة كانت ستفعل ما قلناه بكل بساطة؛ فالكلام يدور عن معتقلين سياسيين أو أفرادٍ مدنيين، لا ناقة لهم ولا جمل في العمليات المسلحة مثلاً، أو قاموا بعمليات إرهابية؛ هم بشر كان حظهم سيئا للغاية، إنهم ولدوا في سورية، وكانوا أحياء بعد عام 2011 واعتقلوا. أما دمشق التي عرّفت بأنها “قلب العروبة النابض” لاحتضانها مشروع التحرّر القومي، لم تعد منذ السبعينيات مدينة للأحرار، وتحولت، على يد الأجهزة الأمنية، إلى مدينة تحتضن أشهر المعتقلات العربية وأكثرها رعبا. حتى فلسطين أصبحت اسما لأحد الفروع الأمنية، ولا تزال السجون السورية عالما خفيا وسرّيا، لخصه المفكر السوري طيب تيزيني، حين وصف الدولة السورية بأنها “دولة أمنية”. وبالتالي لا تختزل المسألة في دور الأجهزة الأمنية، بل تتعلق بالدولة بأكملها مذ خضعت لتلك الأجهزة. كيف يمكن لدولةٍ كهذه أن تتصالح مع الشعب؟ كيف يمكنها أن تطلق سراح المعتقلين، وتطوي صفحة التغييب القسري والنظام الشمولي من دون ثورة ضدها، ومن دون ضغوط حقيقية عليها من الداخل أو الخارج. هذا ما لم تفهمه المعارضة، وقد صار لها شأن، بعد أن صارت محمولةً على ثورة، على عكس حالها قبل 2011.

يحق للأهالي احتلال قلب دمشق النابض بالمعتقلين، بحثا عن أولادها، فالناس تريد أن تتصالح مع الحياة، أن تنتهي من التفكير بالمصير الأسود لمن اعتقلوا. كل تجارب الاعتقال في سورية كارثية وجهنمية، ومن حق الناس أن تتعلق بأيّة قشة يظنون أنها قد تعيد لهم أولادهم. الآن، سيصاب الأهالي بالفاجعة من جديد، ولن يهتم النظام لأحوالهم مطلقاً، ولن يبادر إلى “تنظيف” المعتقلات، ولا إلى الإعلان عن مصير المفقودين، ولن يعتذر للشعب، ولن يطيح كبار ضباطه المسؤولين عن الأجهزة الأمنية التي تفنّنت في أشكال الاعتقال والتعذيب والقتل، ومجزرة التضامن ليست أولها ولا آخرها.

ألم استمرار احتجاز المعتقلين يفرض على المعارضة وكل المؤثرين في الشأن السوري رفض أيّ تفاوض مع النظام، قبل طيِّ صفحة الاعتقال والمعتقلين. لا ينبغي أن يكون هناك تنازل عن هذا الحقّ، فلا حلّ في سورية طالما بقي قلب دمشق ينبض بالمعتقلين ومعاناتهم، وخيبات أمال ذويهم، في مسلسلٍ مستمرٍّ من قتل ورعب.

* كاتب سوري

المصدر: العربي الجديد