الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الجندر والجندرية وما في حكمهما

عبدالحسين شعبان *

«الأنثى تولد إنساناً ثمّ تصنع امرأة»، كما تقول “سيمون دي بوفوار”، ولم يظهر مصطلح الجندرية إلّا في سبعينات القرن الماضي، وأصله يعود إلى الكلمة الإنجليزية Gender التي تنحدر من أصل لاتيني، وقد عملت “آن أوكلي” على إدخال مصطلح الجندر إلى علم الاجتماع، والمقصود بها التقسيم الموازي وغير المتكافئ اجتماعياً بين الذكورة والأنوثة.

وقد ظهر المصطلح في اتفاقية سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة 18 كانون الأول/ ديسمبر 1979)، والتي دخلت حيّز النفاذ في 3 أيلول/ سبتمبر 1981، ولكنه استخدم بشكل واسع في مؤتمر القاهرة للسكّان عام 1994، وقد جاء في 51 موضوعاً، ثم ورد ذكره بشكل أشمل في مؤتمر بكين حول المرأة عام 1995، حيث نُصّ عليه 254 مرّة، ثم شاع استخدامه، لكن الاختلاف ظلّ واضحاً بين تيّارين، أحدهما محافظ يستشكل استخدامه، والآخر يريد وضعه في كلّ فقرة باعتباره يمثّل الفروق بين الرجل والمرأة في الدور الاجتماعي من منظور ثقافي لوظيفة كل منهما، وهي فروق تعود لاعتبارات دينية واجتماعية واقتصادية، وتمتدّ إلى تاريخ طويل من العلاقات غير المتكافئة.

وعلى الرغم من صدور اتفاقية سيداو، إلّا أن مفهوم الجندر ظل يثير التباسات وتعارضات قائمة على اختلاف الثقافات وأنماط الحياة الاجتماعية، حيث لم يتم التوصّل إلى تعريف مانع وجامع تقبل به جميع البلدان في الاتفاقية المذكورة، التي دعت إلى تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لدور كل من الرجل والمرأة، بهدف القضاء على جميع أنواع التمييز ضدّ المرأة، وإلى المساواة والعدالة الجندرية القائمة على الاحترام الكامل لاحتياجات النساء والرجال، على حدّ سواء، ولا سيّما إدراج النساء والرجال في عملية التخطيط ورسم السياسات والبرامج وصياغة التشريعات، فضلاً عن التمكين والتأهيل.

وفي عام 2010 تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأسيس وكالة جديدة خاصة بالمرأة، لتأكيد مبدأ المساواة بين الجنسين وتمكين النساء، خصوصاً التحكّم في الموارد والمشاركة في صنع القرار والإفادة في ذلك في عملية التنمية، وشرعت الوكالة بمباشرة عملها في  كانون الثاني/ يناير 2011.

وأثارت تلك الدعوات ردود فعل في العديد من البلدان التي تحفّظت على بعض مواد اتفاقية سيداو، خصوصاً باختلاف الثقافات والتعاليم الدينية، فالمجتمعات العربية والإسلامية عموماً، تعتمد على الأسرة كشكل وحيد باعتبارها نواة متماسكة، وهي وإن تطلّعت إلى مساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة على أساس «الكرامة الإنسانية» كما ورد في القرآن الكريم، إلّا أن الرؤية التي تحاول بعض المنظمات الدولية فرضها على العالمين العربي والإسلامي من فوق لا تنسجم مع خصائصه وعاداته وتقاليده وأسس دينه، وهي خصوصية ينبغي مراعاتها وعدم القفز فوقها، أو إهمالها، لأنها ستخلق ردود فعل شديدة قد تستغلّها القوى المتعصّبة والمتطرّفة التي تحاول استخدام الدين لأغراضها السياسية الأنانية الضيقة، بفرض رؤيتها المتخلّفة عن المرأة بشكل خاص، وقضايا الحقوق والحريات بشكل عام، بحجّة معارضة بعض نصوص اتفاقية سيداو، وآراء ووجهات نظر بعض المنظمات الدولية والغربية لتعاليم الدين الإسلامي، وبالتالي سيكون ذلك في غير مصلحة حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل من خلال فهم خصائص كل جنس وقدراته ومهماته على الصعيد الاجتماعي في الإدارة والتشريع والبرامج والعمل والسياسة والمجتمع.

إن معاناة النساء تمتدّ إلى جميع تضاريس خريطة العالم، وفي تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي أشار إلى أن النساء يحتجن إلى قرون لتحقيق التكافؤ مع الرجل، أولاً إلى 108 سنوات لردم الفجوة، وإلى 202 سنة لإزالة الفروق، والأمر يتعلّق بالتعليم والصحة والفرص الاقتصادية والتمثيل السياسي، وكلما كان الحديث عن البلدان النامية ازدادت الصورة قتامة، خصوصاً في ما يتعلّق بالفقر والتخلّف والحريّة والعقبات الاجتماعية واستخدامات الدين السياسية، وكل ما يقف حجر عثرة أمام التنمية المستدامة.

* أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي

المصدر: الخليج