الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

لبنان الذي تنهشه الضباع

سامية عيسى *

يكتنف المفاوضات التي تجريها الحكومة اللبنانية مع صندوق النقد الدولي تضليل كثير، كوصفة للإنقاذ يمثلها الصندوق لإخراج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية الراهنة. إذ يعيش لبنان منذ العام 2019 أزمة مالية واقتصادية خانقة تهدّد وجوده، وتدفع به إلى خياراتٍ أحلاها مرّ. وفي ظل منظومة محاصصة طائفية وسياسية فاسدة، فقد اللبنانيون ثقتهم بقدرتها على إيجاد مخرجٍ لأزمة تسببت بها هذه المنظومة، بما يشبه حصارا لا يشبه حصار غزة، الذي رغم قساوته، يجري خرقُه بين حين وآخر عبر مخارج سياسية وعسكرية وإقليمية، أقله بات معروفا فيه العدو من الصديق. بل يمكن القول إن لبنان يواجه في هذا الحصار تداعيات نكبة تشبه إلى حد بعيد نكبة الفلسطينيين العام 1948، عندما سرق الاحتلال الصهيوني أملاكهم وأراضيهم وبيوتهم، وليس وطنهم فحسب. ولا يزالون يعيشون تداعيات هذه النكبة المستمرّة في حياة الأحفاد والأجيال اللاحقة.

يواجه لبنان اليوم، وهو ما زال يعيش تداعيات حرب أهلية بدأت العام 1975، بمنظومة حاكمة تشكّلت في معظمها من قوى وأمراء طوائف هذه الحرب ومجرميها أنفسهم. فضلا عن انتساب بعض هذه القوى إلى محور المقاومة والممانعة، المستجد على هذه الحرب المستمرة بأشكال أخرى، والذي ساهم، عبر هيمنته على لبنان، بإيصال الشعب اللبناني إلى مصيرٍ أسوأ ربما مما عاشه الفلسطينيون ويعيشونه، فما بين ليلة وضحاها، وبعد احتجاجات شعبية في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، أفاق اللبنانيون على خسارة ودائعهم وجنى أعمارهم بعد عشرة أيام من هذه الاحتجاجات. إذ أحجمت المصارف، حين فتحت أبوابها، عن تسديد هذه الودائع وحجزتها بما يشبه أكبر سرقة في التاريخ الحديث منذ عام 1850، بحسب البنك الدولي. خسر اللبنانيون بعدها، بمن فيهم من مودعين صغار وكبار وعرب وأجانب، عشرات مليارات الدولارات، فبسبب قروض منحتها البنوك اللبنانية للمصرف المركزي من حسابات المودعين، وتحت ذريعة تمويل موازنات مشاريع الدولة، نهبت منظومة المحاصصة الطائفية الحاكمة هذه القروض/ الموازنات تحت مقولة “مرِّق لي تمرِّق لك”. وفي سياق مناقصات ورشاوى وتهرّب ضريبي وجمركي وسرقات وهدر متعمد للأموال أفرغت خزينة الدولة حتى آخر قرش، وبدأ دومينو الانهيار.

شُلّ القطاع العام، وأُضعِفَ القطاع الخاص بكل تنوعاته الإنتاجية لصالح الاستثمار المصرفي وفوائده المصرفية الهائلة التي تخطت حدود المعقول. وانهارت القدرة الشرائية للناس مع انهيار العملة الوطنية مقابل الدولار. وكانت النتيجة أن ساوت خسارة المودعين ودائعهم بين اللبنانيين، بحيث بات الغني فقيرا بين ليلة وضحاها، بعد التحويلات الهائلة المشبوهة للأموال المنهوبة إلى الخارج. تبع ذلك خفض التصنيف الائتماني للبنان إلى أدنى مستوياته، ما أودى، بحسب غالبية شركات التصنيف العالمية، بالاقتصاد اللبناني ولقمة عيش اللبنانيين إلى مستوياتٍ مرعبة من الانهيار. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، لم يعد اللبنانيون قادرين على الوصول إلى أموالهم، مقيمين كانوا أم مغتربين. كثر خسروا كل ما يملكونه، حتى وظائفهم وجامعاتهم وأحلامهم، بل أي أمل في مخرج قريب أو استعادة ودائعهم.

.. سرقت إسرائيل أراضي الفلسطينيين ووطنهم، على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، والطغمة الحاكمة في لبنان بالتحالف العضوي مع طبقة أوليغارشية مصرفية، سرقت اللبنانيين وتصرّفت بأموالهم، بعض هذه الأموال مدّخرات عمر بأكمله. وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدولي أيضا. جريمة لا تختلف عن أي جرائم ضد الإنسانية، ولكن من غير سفك دماء.

المفارقة أن الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي فرضا عقوبات اقتصادية عاجلة وسريعة على روسيا الاتحادية إثر الغزو الروسي لأوكرانيا. وتمكّنا من وضع اليد على أصول الطبقة الأوليغارشية الروسية الداعمة لبوتين وممتلكاتها وأرصدتها، فضلا عن عائدات النفط والغاز الروسية. كما شلّا آلية التحويلات المالية “سويفت” في أقل من أسبوعين، فالنظام المالي والاقتصادي العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وتديره، في سياق إحكام السيطرة على العالم، يتيح لها أن تفعل ذلك. في حين لم تكلِّف الولايات المتحدة نفسها، من خلال هذا النظام المالي والاقتصادي العالمي، ملاحقة الأموال اللبنانية المنهوبة في حسابات خارجية وإعادتها إلى أصحابها، لو أرادت الإدارة الأميركية أن تفعل، لكنها من الواضح أنها لا تريد، بل تحاول أن تمنح الحكومة اللبنانية التي تسيطر عليها منظومة المحاصصة قروضا من صندوق النقد الدولي مشروطة بإصلاحاتٍ تمسّ السيادة اللبنانية، خصوصا المتعلقة بثروة لبنان من النفط والغاز، وعبر ترسيم الحدود بما يخدم مصلحة إسرائيل على حساب المصلحة اللبنانية. وبما يضمن لها الاستثمار في بلد منهار. تستخدم ورقته في صراعاتها كما تشاء، فضلا عن استخدامها في مفاوضات الاتفاق النووي، وما قد يسفر عن تلزيم لبنان، بل المنطقة العربية بأسرها، لإيران.

لذلك يُسحق اللبنانيون واللبنانيات اليوم، أقله ما بين مطرقة الولايات المتحدة وسياساتها وسندان إيران وطموحاتها التوسّعية، عبر تجاذب بغيض منافق يمنع على اللبنانيين الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة. فيما يلعب الاتحاد الأوروبي، بقيادة فرنسا إيمانويل ماكرون، دور وكيل لبنان المنقذ، فيما عينه على إعمار مرفأ بيروت، واستخراج ثروات لبنان من الغاز والنفط. وسيستمر كذلك، إن نجح في الانتخابات الرئاسية في بلاده، في تبييض ما “مخادع” لصفحة المنظومة الفاسدة عبر توافقه مع حزب الله، وبضوء أخضر أميركي، وبغض البصر عن هذا التوافق، يشي بتسوية إقليمية قريبة على حساب لبنان والعواصم التي تتباهى طهران بالسيطرة عليها.

لذا يجري تضخيم دور صندوق النقد الدولي بوصفه مفتاح الإنقاذ عبر قروضٍ يقدّمها، هي فتات لا يسمن أو يغني من جوع. أما الإصلاحات التي يطلبها كفالة لاسترداد هذه القروض فهي ضرائب ورسوم سيجري رفع كلفتها على اللبنانيين، فضلا عن قانون “الكابيتال كونترول” الذي سيقتص من الودائع بنسب عالية متوقعة، ويشرعن لمنظومة الفساد والمحاصصة والمصارف سرقة المودعين. ناهيكم عن قروض سابقة جرى الحصول عليها في مرحلة إعادة الإعمار في فترة حكم رفيق الحريري، ولا يزال سدادها يراوح مكانه. فضلا عن القروض التي جرى الحصول عليها في مراحل لاحقة في فترات الهيمنة الإيرانية لحكومات التسوية تحت مظلة محور المقاومة والممانعة لإسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون وبعض العرب منذ فترة وجيزة.

يتنازع هذا البلد الصغير، لبنان، الضباع المحليون والإقليميون والدوليون بل حتى أقرب الأقربين في مزاد ينتظر فيه الضباع لحظة تحوُّل الفريسة إلى جيفة يسهل نهشها. وصندوق النقد الدولي منهم، بل صورتهم المنعكسة. وكلنا يعرف حين يتدخل الصندوق لمنح قروض لأية دولة تعاني أزمة اقتصادية، فإن هذه الدولة تزداد تأزّما ويصبح مواطنوها أكثر فقرا، ويتواصل مسلسل الاستدانة. وها هي ديون مصر لهذا الصندوق وشروطه القاسية أبلغ دليل. بل تستمر مصر بالاستدانة في ظل نظام دكتاتوري بليد وبغيض، حتى وصلت ديونها إلى صندوق النقد الدولي حتى نهاية يونيو/ حزيران 2021 إلى 137 مليارا و940 مليون دولار، ولا يحوز مصرفها المركزي إلا على احتياطي يبلغ، بحسب موديز للتصنيف الائتماني، 40 مليار دولار، بالكاد تكفي لخدمة هذه الديون للسنوات الثلاث المقبلة. وإن كانت المقارنة بين لبنان ومصر لا تجوز بحسب حجم كل منهما في الاقتصاد وحجم القوة. لكنه أنموذج صارخ لما سيحدث للبنان التي هي أضعف بكثير من مصر في حسابات القوة، فالنظم الاستبدادية لا تملك مخيلةً إبداعيةً تخرجها من الأزمات، بل تلجأ إلى الاستدانة، وتترك شعوبها بين فكي صندوق النقد الدولي. وكذا تفعل منظومة المحاصصة في لبنان. بل تكاد تتردد عبارة على ألسن اللبنانيين واللبنانيات هذه الأيام على مسألة قرض الصندوق، بوصفه مشروع نهب وسرقة جديدة لهذه المنظومة. كما حدث في مصر في عهد حسني مبارك، ويستمر بالحدوث في عهد عبد الفتاح السيسي، سيحدث للبنانيين أيضا، والنتيجة أن يزداد المصريون فقرا على فقر. وكذا سيحدث للبنانيين.

لذا، آن الأوان كي يتخلى اللبنانيون عن أوهام انتظار الفرج من الخارج، في معرض تعليق آمالهم على تدخل صندوق النقد الدولي، الذي لن يكون سوى “مورفين” مؤقت لتخدير الألم، وليس لإزالة أسبابه، فقريبا سنراه يحكم لبنان من مكاتبه التي جرى استئجارها في بيروت أخيرا بما يشبه المندوب السامي، ليضع لبنان وشعبه ومقدّراته تحت رحمته، فالصندوق دائما ما يستثمر في عجز الحكومات وفسادها، وفي يأس الشعوب، وكسل النخب وبلادتها في الخروج على هذا النظام العالمي البغيض الذي يمثله الصندوق، وهو يتغذّى على الأزمات وينتجها في آن.

* كاتبة صحفية وإعلامية فلسطينية

المصدر: العربي الجديد