الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الصحوة الإسلامية فى العلاقات الدولية

أحمد عبدربه *

في آخر مقال من سلسلة «تاريخ السياسة الدولية منذ القرن العشرين» كنت قد أوضحت الكيفية التي أثرت بها أزمة البترول العالمية على علاقة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بالمملكة العربية السعودية وكيف أن الأخيرة قد اكتسبت المزيد من الأهمية الإقليمية والعالمية (https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16042022&id=2ed4450c-1d79-44d2-8c32-1f5b8a0a9c3d) يوم السبت بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2022. لم يكن الأمر في الحقيقة هو مجرد أهمية دبلوماسية لدولة أو لنخبة ملكية حاكمة، ولكن الأمر تعدى ذلك ليشمل إعادة تشكيل الوعى الإسلامي سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً لعقود لاحقة استمرت ومازالت لتشكل واحدة من أكبر محكّات الصراع السياسي والثقافي في الدول ذات الأغلبية المسلمة ولا سيما تلك القابعة في المنطقة العربية.

ولكن وقبل أن نتحدث باستفاضة عن تطور الصحوة الإسلامية، وكيف أثر ذلك على السياسات الإقليمية والدولية، لا بد أولاً أن نلقي نظرة بها بعض الإسهاب عن مفهوم «الصحوة» نفسه. الحقيقة أن مفهوم الصحوة الإسلامية هو مفهوم يسبب الكثير من الارتباك لدى الباحثين والسياسيين لتعدد ما قد يعنيه المصطلح ذاته!

  • • •

يمكن أن نشير أنه منذ نهاية القرن التاسع عشر، حينما ظهر تيار التجديد والتحديث الإسلامي على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحتى الآن فإن المفهوم قد فهم بأشكال وبرؤى متعددة، نحدد منها أربعة أشكال رئيسية فى هذه المقالة:

الرؤية الأولى (تجديد الفهم في ضوء التطورات المعاصرة): وهذا الفهم يرى أنه بما أن الإسلام صالح لكل مكان وزمان فلابد من أن يتم تجديد فهمه في إطار الحياة المعاصرة للمسلمين، كون أن العلوم والفنون والأدب والجغرافيا والثقافة للمسلمين منذ ١٤ قرناً لم تعد هي القائمة الآن ومن هنا فلا بد أن يتم تجديد فهم الدين في إطار هذه التطورات، بل وبما أن المسلمين يعيشون الآن في منطقة جغرافية شديدة الاتساع من غرب الكرة الأرضية إلى شرقها ومن جنوبها إلى شمالها، فإنه وحتى في نفس الزمان قد يختلف فهم الدين من مكان إلى آخر! يتأثر هذا الفهم بالحديث المنسوب للرسول (ﷺ) «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، ومن هنا فإن هذا الفهم لا يرى أنه من الممكن تجديد الخطاب الديني دون تجديد الفهم، ولا يمكن تجديد الفهم دون تجديد المنهج نفسه!

الرؤية الثانية (الدين كمسألة روحية تترفع عن الماديات): ويرى هذا الفهم أن تجديد الدين أو صحوته هو تجريده من الماديات وابتعاده عن حلبة السياسة وصراعاتها، والاكتفاء بالمناجاة الروحية والتطهر الذاتي، حيث يركز المسلم على نفسه كفرد لتزكية نفسه وتصحيح أخلاقه وسلوكه كوسيلة للسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

الرؤية الثالثة (الإسلام كمظلة حضارية): وفي هذا الفهم لمحة عولمية معاصرة للإسلام، إذ إنه يتشابه مع الشكل الأول في الدعوة إلى فهم الدين في ضوء التطورات المعاصرة، ولكنه يتجاوز الشكل الأول ليقدم رؤية حداثية تدمج الإسلام فى بوتقة الحضارات الحديثة من ناحية، ومن ناحية أخرى يقدم الإسلام نفسه وفقاً لهذه الرؤية ليس فقط كدين خاص بالمسلمين، ولكن كمظلة حضارية تستوعب المسلمين وغير المسلمين في إطار من العيش المشترك والمساواة في الحقوق والواجبات تأسيساً على مبدأ المواطنة! وكما نرى فإن هذا الفهم يقبل بالتطورات السياسية الحديثة (الدولة القومية، المواطنة، الدستور، الأحزاب، الديموقراطية… إلخ)، وبهذا المعنى فإن الإسلام هو حضارة عالمية تتسع للجميع!

الرؤية الرابعة (العودة إلى السلف): فعلى عكس كل الأشكال السابقة، فإن هذا الفهم يقدم رؤية تبدو مضادة تماماً لمفهوم الصحوة والتجديد، ولكنه يتمسك بأن هذا ما تعنيه الصحوة! يضع هذا الشكل رؤية يوتوبيـة لدولة الإسلام محاولين العودة إلى دولة الرسول والصحابة بكل ما فيها من مفردات (حتى تلك المفردات الجغرافية والشكلية)، معتبرين أن الصحوة هي إعادة إنتاج هذا المجتمع عن طريق التمسك بحرفية النصوص والعودة إلى السلف حصراً في اعتماد تفسير الدين! تقدم هذه الرؤية موقفاً شديد التعنت تجاه كل المنتجات السياسية الحديثة، فترفض الدساتير والقوانين الوضعية، وترفض كل أشكال التنظيمات السياسية الحديثة من أحزاب وانتخابات وديموقراطية، كما أنها ترفض مفاهيم المواطنة وتطعن في إمكانية المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغيرهم… إلخ.

  • • •

فما علاقة كل هذه الرؤى المختلفة بتطور العلاقات الدولية؟

الحقيقة أن لكل رؤية من الرؤى السابقة، ولا سيما الرؤيتين الثالثة والرابعة تأثيراً كبيراً على تطور السياسة الدولية، ولكن بما أننا نتناول التطور التاريخي بترتيب الأحداث، فإنه يجدر بنا أن نركز على الرؤية الرابعة وهي التي تم تقديمها كصحوة إسلامية أثرت على تطور السياسة الدولية منذ السبعينيات، وخصوصاً أنها أنتجت الكثير من الحركات الإسلامية التي تراوحت بين السلفية والسلفية الجهادية وغيرها من حركات كانت مساراً لتطور السياسات الدولية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة بل وحتى الوصول إلى العقدين الأولين للقرن الواحد والعشرين!

يمكن هنا فهم كيف ارتبطت هذه الرؤية الرابعة لمفهوم الصحوة بصعود المملكة العربية السعودية على المسرحين الإقليمي والدولي! فرغم أن المملكة السعودية لم تقم بشكل رسمي بدعم أو بتبني أيٍ من هذه الحركات، ولكنها ساهمت في سيادة الفهم الوهابي للإسلام وهو الفهم الذى سيطر على معظم الحركات السلفية والجهادية، العنيفة منها والسلمية بما فيها حتى الحركات التي وجهت عداءها إلى المملكة العربية السعودية بعد ذلك!

والفهم الوهابي للإسلام يمكن اختصاراً القول إنه فهم سلفي، ولكنه متأثر بتعاليم وتفاسير محمد ابن عبدالوهاب الذى أسس الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر والتي تحالفت مع الأمير محمد بن سعود لتشكل الشرعية الدينية/ السياسية للدولة السعودية الأولى، واستمر الأمر هكذا حتى تأسست الدولة السعودية الحديثة في ١٩٣٢ واستمر هذا هو الفهم المؤسس للإسلام والسياسة والثقافة في المملكة العربية السعودية حتى تولي محمد بن سلمان ولاية العهد في المملكة، ولهذا حديث آخر لاحق!

لكن لم تكن الوهابية هي مجرد فكر ورؤية سلفية للدين في السعودية، ولكنها ومنذ السبعينيات ومع تصاعد دور المملكة إقليمياً أصبحت المسيطرة على الفهم الشعبي (وأحياناً النخبوي) للدين الإسلامي في المنطقة العربية، ثم تسلل الفهم تدريجياً ليشكل أيضاً الوعي الإسلامي لكثير من المسلمين في أفريقيا وآسيا، بل وبين المهاجرين المسلمين في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا!

ولتقريب الفكرة، فلنعطِ هذا المثل البسيط، تخيل أن مواطناً مصرياً فى منتصف العشرينيات من عمره تزوج للتو ثم حصل على فرصة عمل (إعارة) للملكة العربية السعودية أو لغيرها من دول الخليج العربي في منتصف السبعينيات أنجب أولاده هناك ودخلوا المدارس ودرسوا الوهابية وتأثرت الأسرة كلها بالفهم الوهابي للإسلام! عاد الأولاد والبنات والأم مع نهاية الثمانينيات حتى يلحقوا بالجامعة في مصر بعد أن انتهوا من دراسة المرحلة الثانوية هناك ثم لحق بهم الأب فى منتصف التسعينيات، بماذا نتوقع عن شكل وثقافة هذه الأسرة والكيفية التي أثرت بها على المجتمع المحيط بها (الأقارب والجيران)؟

بكل تأكيد عادت الأسرة مختلفة في كل شيء، فهي أولاً عادت في وضع اجتماعي ومادي أفضل نظراً لارتفاع الأجور في دول الخليج، وحرص الكثير من المصريين وغير المصريين هناك على الادخار، كما عادوا بثقافة مغايرة تماماً للثقافة التي كان عليها الأب والأم حينما سافروا قبل ربع قرن من الزمان، نظراً لهذا الوضع الاجتماعي والمادي المميز فإن تأثيرهم على الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء يكون كبيراً، ومن هنا بدأت تنتشر الثقافة الوهابية لتسيطر على فهم الكثير من المصريين وغير المصريين للإسلام!

قطعاً كانت هناك أشكال أخرى لانتشار الفهم الوهابي للإسلام، فمعظم المراكز الإسلامية التي تم إنشاؤها بدعم من المملكة في الكثير من الدول الإسلامية وغير الإسلامية تبنت أيضاً هذا الفهم الوهابي للإسلام، ولما كانت الفتوى الإسلامية هي واحدة من أهم أدوات تشكيل وعي المسلمين وثقافتهم الدينية والحياتية، فإن هذه المراكز بدورها من خلال التعليم والإفتاء سيطرت على فهم الكثير من المسلمين لدينهم بهذا المنهج!

لكن كيف أثر ذلك على تطور السياسة الدولية فى تلك المرحلة؟ هذا ما تناولنا الإجابة عليه فى مقالنا (https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=07052022&id=97149183-4131-4465-bc83-2b9baadac48a) بعنوان “المجاهدون الأفغان والصحوة الإسلامية” يوم السبت في 07 أيار/ مايو 2022.

* باحث أكاديمي مصري ومدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة

المصدر: الشروق