الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

نَزار قباني… الشّاعرُ الذي هَدّتْ قصَائدهُ تابوهات القيّم العربيّة!

كريم الهاني *

ترجل عن صهوة الشعر في الـ30 من أبريل/نيسان 1998… وبينما شارك الآلاف في جنازته بدمشق إذ أوصى بإعادته إلى رحمها، لا يزال نَزار قباني اليوم حيا في طيات دواوينه… يرزق بقلوب محبي الشعر العربي!

لا يشبه شعره شعر جيله من الشعراء… منذ البدء، سار في طريق لم يسبقه إليها أحد، فانتهى إلى تأسيس مدرسة خاصة به في الشعر العربي الحديث… مدرسة تدعى: “الرسم بالكلمات”.

نَزار قباني، حالة شعرية فريدة من نوعها… صنعتها مآس عديدة ومعارك كثيرة، بعدما شحذ لسانه تجاه كل ما عايشه من خلل في المجتمعات العربية.

ولد نَزار قباني في الـ21 من مارس/آذار 1923 بحي “مئذنة الشحم” في دمشق القديمة بسوريا. ولد على سرير أخضر، كما يقول، يوم كان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء… في يوم سيصير بعد وفاته بعام، اليوم العالمي للشعر.

رأى النور في عائلة ميسورة الحال. جده أبو خليل كان مؤسس المسرح العربي في الشام، فيما كان والده توفيق يعمل في التجارة، صانع حلويات، وصانع حرية أيضا، إذ كان واحداً من أبرز رجالات الثورة السورية أيام الانتداب الفرنسي.

كان ‘نَزار’ في سنوات عمره الأولى شغوفا بالغناء، ثم حدث أن تتلمذ في المدرسة على يد شاعر شامي اسمه خليل مردم بك، ترك على طبقات نفسه حساسية شعرية مفرطة.

هكذا، عام 1939: “دمدمت الكلمة الأولى من أول بيت شعر نظمته في حياتي… وللمرة الأولى وفي سن الـ16، وبعد رحلة طويلة في البحث عن نفسي، بتُ شاعراً”، يصف ‘نَزار’ ميلاده الشعري.

في الواقع، ثمة حدث شبه منسي أثر في نَزار قباني كثيراَ… حدث انتحار أخته وصال، بعدما لم توافق أسرته على زواجها بشاب لا يرقى إلى مستواها الاجتماعي.

يقول في ذلك: “في تاريخ أسرتنا حادثة استشهاد سببها العشق، والشهيدة هي أختي الكبرى وصال، قتلتْ نفسها بكل بساطة وشاعرية… لأنها لم تستطع أن تتزوج بحبيبها”، ثم يتساءل: “هل كان موت أختي في سبيل الحب أحد العوامل النفسية التي جعلتني أتوفر لشعر الحب بكل طاقاتي، وأهبه أجمل كلماتي؟”.

درس ‘نَزار’ القانون بالجامعة السورية حيث سيتخرج عام 1945، وكان قبل ذلك بعام، قد أصدر ديوانه الأول “قالت لي السمراء” وقام بطباعته على نفقته الخاصة.

 “قالت لي السمراء”، حينذاك، أحدث جدلاً غير مسبوق في الأوساط الثقافية السورية والعربية، حتى أن ‘نَزار’ وُصف بـ”الشاعر الإباحي”… أمرٌ علق عليه فيما بعد قائلا:

 “حين صدر ديواني الأول، أحدث وجعاً عميقاً في جسد المدينة التي ترفض أن تعترف بجسدها أو بأحلامها… لقد هاجموني بشراسةْ وحشّ مطعون، وكان لحمي يومئذٍ طرياً”.

فور تخرجه، عمل ‘نَزار’ بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية، سفيراً للجمهورية في عواصم عدة، كالقاهرة ولندن وبيروت وبكين ومدريد… ترك دمشق باكراً إذن، لكنه إذ سافر، خبأ عصافيرها بجيوبه وحمل ياسمينها بحقائبه، فاحتلت بذلك حيزاً مهما في شعره.

تماماً كالحيز الذي احتلته المرأة، التي اجتاحت شعره كما لم تفعل مع شاعر من قبله؛ ذلك أنه اعتبرها مدخلاً إلى الحضارة.

حضور المرأة في شعر ‘نَزار’ طاغ وسال فيه مدادٌ كثير، بين من اعتبر ذلك إعادة بناء لتمثل المجتمعات العربية للمرأة، ومن قال إنها بشعره أهينت، إذ كان يضرب في ذلك بكل القيم العربية عرض الحائط.

لكن الشاعر الفلسطيني سميح القاسم يؤكد أن الصورة السائدة عن نَزار قباني بكونه “زير نساء” غير واقعية على الإطلاق… وهو الذي عاشره طويلا، كشف أن نزار كان خجولا، حتى أنه إذا غازلته فتاة في مقهى احمر وجهه.

ويعزو الكثيرين من الشعراء والكتاب إعجاب الناس بشعرية ‘قباني’ إلى قدرته على ابتكار تقنية لغوية وكتابية خاصة، تحتضن مفردات الحياة اليومية بتنوعها ونضارتها لتُشيع فيها النسيم الشعري، فيصنع منها قاموساً يتصالح فيه الفصيح مع الدارج والقديم مع الحديث والشفوي مع الكتابي.

أو كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: تجربة نَزار قباني كانت فوق التجارب، لكونه انصرف لمخاطبة مراهقتنا فكان يقول أشياء لا تقال، فبشعره كان يستطيع قول كل شيء.

أما الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، فقد كان له رأي آخر، إذ شبه شعر ‘نَزار’ بالشكولاتة ولم يشجع على انتشاره، قائلا: “إن كان شعر ‘نَزار’ لوناً يحتاج الشعر العربي إليه، فإن ‘نَزار’ وحده كافٍ. فحاجة المرء إلى الشكولاتة، ليست كحاجته إلى الخبز والماء…”.

الواقع أنه قياساً إلى تجربته الشعرية المتنوعة، فإن وصف ‘نَزار’ بـ”شاعر النهود” أو شعره بـ”الشوكولاتة”، غير مُنصف إلى حد ما… وقصائد مثل: “هوامش على دفتر النكسة”، “متى يعلنون وفاة العرب؟”، “المهرولون”، “أطفال الحجارة”، “أنا مع الإرهاب”، وغيرها كثير، شاهدة على ذلك.

وقد لقي معها ما لقي من العداء والمنع… بدأ ذلك مبكراً مع قصيدته “خبز وحشيش وقمر” التي نشرها عام 1954، فثار في وجهه رجال الدين كما طالب البرلمان السوري في سابقة من نوعها بمحاكمته.

‘نَزار’ يتذكر ذلك قائلاً: “العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي طالبت بشنقي، الذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي… خبز وحشيش وقمر كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة وبين التاريخيين”.

الحقيقة أن عوامل عدة أسهمت في الانتشار الواسع لنَزار قباني، إن لم تتمثل في المنع الذي كان يلقاه، ففي لغته البسيطة، وكسره لـ”الخطوط الحمراء”، وفي إقبال كبار المطربين على غناء قصائده.

هكذا، بعد 60 عاماً من كتابة الشعر، خلف نَزار قباني 35 ديواناً شعرياً، أصدرتها دار نشر أسسها في بيروت تحمل اسمه.

شكلت وفاة زوجته وحبيبته بلقيس الراوي في حادث إرهابي ببيروت، عام 1981، أهم اللحظات الفارقة في حياته، وهو الحادث الذي ألهمه قصيدته الشهيرة “بلقيس”. استقر بعد ذلك الحادث في لندن حتى أصابته نوبة قلبية عام 1997، دخل على إثرها غرفة العناية المركزة.

ثم في الـ30 من أبريل/نيسان 1998، ترجل عن صهوة الشعر عن عمر يناهز 75 عاما… وبينما شارك الآلاف في جنازته بدمشق، إذ أوصى بإعادته إلى رحمها… لا يزال نَزار قباني اليوم حيا في طيات دواوينه… يُرزق بقلوب محبي الشعر العربي!

* كاتب صحفي مغربي

المصدر: مرايانا