الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أوكرانيا فلسطين سورية: “إبادة جماعية”

بشير البكر *

أحسن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عندما وصف غزو روسيا بلاده بأنه “إبادة جماعية” وليس حربا، حتى لو أراد من هذا التمييز رفع الحدث إلى آخر درجةٍ في المأساة، كي يستدرج تدخلا دوليا حسب ما أوحى به ردّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي اعتبر أن “كلمة إبادة جماعية لها معنى”، و”يجب أن تصدُر عن خبراء في القانون، وليس عن سياسيين”. والخلاف هنا ليس في المصطلحات كما قد يبدو لبعضهم، بل هو بين من يواجه عدوانا من طراز وحشي جديد ومن ينظر من برج عالٍ في باريس، ولم يصل إليه من الحرب سوى عدة آلاف من بين الملايين الخمسة من الأوكرانيين، الذين عبروا الحدود في أقل من شهر، هربا من التدمير الروسي الذي لا يفرّق بين مدني وعسكري، وبين الثكنة العسكرية والمشفى ومحطة القطارات ومزرعة الأبقار. وما كان لملايين الأوكرانيين أن يتركوا بيوتهم، لولا أنهم عاشوا الرعب وذاقوا ويلات الهجوم الروسي في أسبوعه الأول، والذي كان يهدف إلى احتلال العاصمة، وتبيّن جزء منه في المقابر الجماعية في محيط كييف.

لا يريد ماكرون أن يعترف بأن ما تواجهه أوكرانيا “إبادة جماعية”، لأنه ليس حسب المواصفات التي تعرّض لها ضحايا النازية في الحرب العالمية الثانية، ويعتبر أن الإبادة الوحيدة التي حصلت في التاريخ هي الهولوكوست، وما عداها لا يفيد في القياس، بل يسيء لذكرى المحرقة اليهودية ويُنقص من أهميتها التاريخية، ويقلل من مظلومية اليهود الذين عوّضهم الغرب عن آلامهم بأن أعطاهم وطن الشعب الفلسطيني، وأقام لهم دولةً في فلسطين، لأنهم تعرّضوا للإبادة على يد الألمان. وفوق ذلك، يبرّر لهم كل الارتكابات ضد الشعب الفلسطيني منذ 70 عاما، ولم يخطر للرئيس الفرنسي أو غيره تجريم ما تقوم به إسرائيل من إبادة في فلسطين للبشر والشجر والحجر. القتل الذي تقوم به إسرائيل لكل من يرفع رأسه ضد الاحتلال ليس إبادة، مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات على أراضي الفلسطينيين واقتلاع أشجار الزيتون بعمر ألف سنة ليست إبادة. هذا كله في قاموس النفاق أقل من الحرب والعدوان، اضطرابات لا تستحقّ حتى بيان إدانة من مجلس الأمن.

المجتمع الدولي الذي لا يرى “الإبادة الجماعية” في أوكرانيا هو نفسُه الذي تغاضى عما قام به الروس في سورية، قبل أن يتدخلوا عسكريا في سبتمبر/ أيلول 2015، عندما عقدوا اتفاقا مع الولايات المتحدة برئاسة باراك أوباما من أجل تبرئة رئيس النظام بشار الأسد من جريمة إبادة في الغوطة في 21 أغسطس/ آب 2013، عندما استخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين وقتل قرابة 1466، وعاود الكرّة بعد ذلك أكثر من سبع مرّات، رغم اتفاقية سيرغي لافروف – جون كيري، التي كانت تنصّ على تدمير مخزون النظام من السلاح الكيميائي. ولا يقتصر الأمر على لعب موسكو دور المحامي للأسد في المحافل الدولية، بل قامت بدور الحامي له، وارتكبت منذ 2015 أكثر من إبادة جماعية واحدة، تفاصيلها موثّقة في تقارير المنظمات الدولية التي سجلت الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها القوات الجوية الروسية في سورية، فهي، على سبيل المثال، لم تترُك منشأة صحية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلا ودمّرتها، واستخدمت بذلك الإحداثيات التي زوّدتها بها الأمم المتحدة من أجل ألا تتخذ منها أهدافا، وذلك عدا استخدام الأسلحة المحرّمة ومنها القنابل الفراغية. واعترف وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أكثر من مرّة، بأنهم حوّلوا سورية إلى حقل رماية وتجارب للأسلحة، ومارسوا التهجير الديموغرافي من أرياف حمص ودمشق ودرعا وحلب وحماة، ودمّروا نصف حلب في عام 2016. وهذا كله ليس إبادة جماعية، أو جرائم حربٍ تستوجب مقاضاة روسيا.

* شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد

المصدر: العربي الجديد