الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

اللاجئون السوريون والإشارات التركية الأولى نحو التطبيع مع نظام الأسد

رياض معسعس *

منذ بدء الثورة السورية ضد نظام الأسد لم يتوقف سيل المهاجرين السوريين الجارف خارج الحدود السورية بكل الاتجاهات شمالا شرقا وجنوبا، وإلى مسافات بعيدة أوربية وعربية هربا من القتل والتجويع، وأنى حلوا أو رحلوا يواجهون المتاعب في مهاجرهم من شظف عيش تحت خيام لا تقي حرا ولا قرا، وضيق ذات اليد، والتضييق عليهم من قبل السلطات، أو معاداة المجتمعات التي تضيق بهم ذرعا في هذا البلد أو ذاك، ويعيشون خوف العودة قسرا وعسرا إلى بلدهم الذي هربوا منه، والعودة إلى المعاناة في المربع الأول.

لا شك أن تركيا تتحمل العبء الأكبر من اللاجئين السوريين الذين وصلت أعدادهم ما يقارب الأربعة ملايين حسب الاحصائيات الرسمية حصل، حوالي ربع مليون منهم على الجنسية التركية، ويساهمون في اقتصاد تركيا بنشاطات تجارية واستثمارية عديدة، وما تبقى فهم في إقامة مؤقتة (الكيمليك)، قسم كبير منهم يعمل في مجالات مختلفة لدى مؤسسات وشركات تركية، وقسم اتخذ من تركيا موطئ قدم للهجرة إلى أوربا. وسيل اللاجئين الجارف لم يتوقف باتجاه تركيا. وزير الداخلية التركي سليمان صويلو يقول: ” لقد منعنا 450 ألف لاجئ سوري من دخول الأراضي التركية العام الماضي. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي تم منع دخول 120 ألفا أيضا. ولو لم نتخذ تدابير حدودية إضافية لكان عدد اللاجئين السوريين وصل إلى 10 ملايين لاجئ اليوم. ومازال عشرات الآلاف على الحدود ينتظرون اللحظة المناسبة للدخول إلى تركيا”..

هذا الوضع بشكل عام لا يواجه بترحيب كبير من قبل أحزاب المعارضة التركية التي تريد أن تتخذ من ملف اللاجئين السوريين ورقة ضغط على حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتطلع إلى الفوز بالانتخابات المقبلة والمحافظة على الحكم في تركيا. وبدأت تتعالى أصوات تطالب برحيل السوريين كما حصل في لبنان التي يذكر الرئيس ميشيل عون بكرة وأصيلا أن على السوريين العودة إلى بلدهم الذي أصبح “آمنا”، وكذلك الدانمارك.

إزاء ضغوط المعارضة التركية التي أصبحت كسيف ديموقليطس على رقبة نظام حزب العدالة والتنمية، وتهدده في شعبيته بدأت الحكومة في تركيا عملية تضييق على اللاجئين. إذ وجد بعض ممن كانوا قد سجلوا على موعد للعبور نحو سوريا لقضاء إجازة عيد الفطر هناك، رسائل تفيد بإلغاء موعد العبور من خلال بوابات الجمارك التركية، وهذا يعني أن الحكومة التركية عازمة على منع السوريين من الانتقال إلى سوريا لقضاء الإجازة خلال عيد الفطر. وزير الداخلية سليمان صويلو أكد ما أشيع بقوله:” ألغينا قرارات السماح للاجئين بالدخول إلى سوريا خلال عطلة الأعياد والعودة مجددا إلى تركيا. من يغادر سيبقى في المناطق الآمنة داخل الأراضي السورية”. وكان زعيم “حزب الحركة القومية” التركي، دولت باهتشلي أول من أثار هذه القضية بقوله إن “اللاجئين السوريين الذين يمكنهم الذهاب إلى بلدهم خاصة في الأعياد، غير مضطرين للعودة”، وهذا فيه تحول واضح في السياسية التركية تجاه اللاجئين السوريين، فخلال إجازة عيد الأضحى الماضي دخل عبر المعابر الثلاثة (باب الهوى، وباب السلامة، وجرابلس) أكثر من 90 ألف لاجئ سوري. وهذا يخالف تماما الثوابت التي شدد عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عندما قال: “لسنا من يبعد اللاجئ السوري رغما عنه. أنفقنا المليارات وبمقدورنا أن ننفق مليارات أخرى طالما أننا قررنا احتضان اللاجئ كأنصار نستقبل المهاجرين”. الخطوة التركية هذه ستفسح المجال واسعا أمام الدول الأخرى التي تستقبل لاجئين سوريين وخاصة لبنان والأردن اللتين أشارتا أكثر من مرة رغبتهما في التخلص من اللاجئ السوري، ولكن كيف؟ هل يجرون السوريين كالقطعان ويرمونهم خلف الحدود؟ المسألة ليست بهذه السهولة وستعطي ورقة رابحة للنظام السوري الذي سيطالب فورا برفع العقوبات ليتمكن من استيعاب عودة اللاجئين إلى ديارهم المدمرة أصلا، وهناك يضيف شرطا آخر وهو بدء إعادة الإعمار، وباختصار عودة النظام إلى منظومة المجتمع الدولي ويساعده في ذلك ضغوط بعض الدول العربية.

على هامش ملف اللاجئين السوريين في تركيا الذي يشهد تحولا في الموقف التركي تجاهه، نشهد في الآونة الأخيرة تحولا آخر تجاه نظام الأسد نفسه الذي ظلت تركيا توصد بابها في وجهه، وتدعم المعارضة السياسة والعسكرية ضده. هذا التحول جاء بعد التطبيع مع دول أخرى كانت تركيا في قطيعة معها وهي دولة الإمارات، وإسرائيل بعد أن قام محمد بن زايد، وإسحق هرتزوع بزيارة أنقرة، والنظامان في أبو ظبي وتل أبيب يسعيان في تعويم نظام الأسد، وبالطبع لم يرشح عن طبيعة المحادثات بين قادة الدول الثلاث سوى التصريحات المعهودة للاستهلاك الإعلامي ولكن يمكن التكهن. فتصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بأنه يمكن لبلاده أن تتعاون مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، في قضايا الإرهاب بقوله: ” نرى أنه من المفيد التعاون مع نظام الأسد من دون الاعتراف به”. وأكد أوغلو، أن بلاده تدعم وحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى أن الجيش السوري بدأ، في الفترة الأخيرة، بمحاربة “وحدات حماية الشعب”، أكبر مكونات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي قال إنها “تخطط لتقسيم سوريا. وأن هذه الموضوعات تُعنى بها أجهزة الاستخبارات، ولذلك فقد جرت لقاءات على مستوى استخباراتي بين البلدين في الماضي”. بمعنى آخر هناك تبادل في المصالح، فالنظام السوري وخلال سنوات لم يشتبك مع ( قسد) بل هو الذي كان يدعم وجودها للضغط على تركيا من جهة، ومنع المعارضة السورية المسلحة من الاستيلاء على المنطقة، وعملية تقسيم سوريا بدأها النظام بنفسه برفضه كل القرارات الأممية الخاصة بسوريا والجلوس على طاولة مفاوضات مع المعارضة للوصول إلى حل سياسي قائم على قرارات جنيف وخاصة القرار 2254، والتوقف عن تسويف اجتماعات اللجنة الدستورية لإنهاء الأزمة السورية. لكن المسألة ليست بهذه السهولة بوجود الحامي الأمريكي “لقوات سوريا الديمقراطية” وغير مسموح لتركيا، أو المعارضة المسلحة، أو لقوات النظام بالتمدد في الأراضي التي تقع تحت سيطرتها. ويبدو أن الجميع يلعب بالورقة السورية والوضع الراهن مرشح حاليا بالاستمرار، خاصة وأن المعارضة السورية لم تقنع أحدا من الفاعلين إقليميا ودوليا أن تكون طرفا في المعادلة وهذا ما اكتشفته مؤخرا وقامت بمحاولة “تنظيف” البيت الداخلي للائتلاف الوطني السوري وهذه العملية جاءت متأخرة جدا بعد أن فات القطار.

* كاتب سوري

المصدر: القدس العربي