الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«أيـــار».. وتحلل النظام العربي والدولي

يبدأ شهر أيار بيوم العمال الذي يعتقد البعض أنه عيد من ابتكارات الشيوعية، ولكن الأمر ليس كذلك، فأول عيد للعمال كان في ٢٤ نيسان/ أبريل عام ١٨٥٠ في أستراليا التي بدأت تحتفل به في 21 نيسان/ أبريل عام 1856، وفي تورونتو الكندية حضر زعيم عمال أمريكي احتفالاً للعمال فنقل فكرة عن احتفالات العمال الأميركيين، فأثمر نضال العمال في كندا عن قانون الاتحاد التجاري الذي أعطى الصفة القانونية للعمال ووفر الحماية لنشاط الاتحاد عام 1872، ثم وفي غمرة نضال العمال من أجل تحديد ساعات العمل بـ ٨ ساعات حدثت إضرابات عام ١٨٨٦ في شيكاغو، وألقيت حينها قنبلة قتلت عدداً من رجال الشرطة، تم على إثرها القبض على قادة العمال وقد حوكموا كمحرضين وليس لأنهم ألقوا القنبلة وقد شُنِقوا، ليتبين أن ذلك كان أمراً خُطط له بليل من أصحاب العمل والسلطات لوقف الإضرابات العمالية، وتكرر الطلب بتخفيض ساعات العمل في ولاية كاليفورنيا، وتكريماً لحادثة إعدام قادة العمال عُقدت لقاءات ومؤتمرات في كندا وأميركا وفرنسا أفضت لتحديد الأول من أيار عيداً دولياً للعمال، فكان أول عيد للعمال في الولايات المتحدة في 5 أيلول/ سبتمبر 1882 في مدينة نيويورك؛ وفي عام ١٩٥٨اعتمد الكونغرس الأمريكي أول أيار عيداً للعمال، ثم تبنته أغلب شعوب العالم؛ أما عالمنا العربي فإن احتفالات عيد العمال جاءت في وقتٍ تعاني فيه الطبقة العاملة العربية من انتهاك وأعلى معدلات البطالة عالمياً، فضلاً عن الجوع والتشريد والطرد والحرمان من الحقوق السياسية والاقتصادية.

ودخل هذا الشهر بجملة من الأحداث، أولها الإطلالة المتواصلة لانتفاضة القدس المستمرة، بأطفالها وشبابها ونسائها وشيوخها، عنواناً لكرامتنا الوطنية والقومية المهدورة والمستباحة، ومُجدداً، شاهدناهم وكأنهم للتو يتعرفون على الأرض والتراب والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وكل نقطة تراب على أرض فلسطين، هذه الانتفاضة وتفاقم المواجهة الفلسطينية مع الصهاينة فرضت تحولات دراماتيكية وقيود إضافية على حركة فريق جو بايدن بالمفاوضات النووية مع إيران الإرهابية!

ثانيها الكشف عن المجزرة المروعة في «حي التضامن» جنوب دمشق، لمعتقلين استجلبوا مكبلين ثم قتلوا وحرقوا، وقد ارتكبت بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2013، والتي حدثت- كما غيرها من المجازر الوحشية- بأيدٍ آثمة ومجرمة تأتمر مباشرة بأوامر من رأس نظام الاستبداد والجريمة القابع بدمشق، إذ سربتها، في وقتٍ واحد، كلٌ من صحيفة الغارديان البريطانية theguardian ومجلة نيولاينز الأمريكية newlinesmag أواخر الشهر الفائت، مع تجاهل تام من جميع وسائل الإعلام العربية الرسمية من تلفزيونات وصحف ومواقع، وهي مجزرة صغيرة موثقة بما لا يقبل الشك من مئات بل آلاف المجازر الكبيرة التي ارتكبها النظام الأسدي المجرم خلال ما ينوف عن نصف قرن بحق شعب سورية وأحراره، وراح ضحية هذه المجازر عشرات الملايين، منهم أكثر من 3 مليون في الـ11 سنة الأخيرة بعد انطلاق الثورة السورية، والفاجعة أن آلاف العوائل تنتظر أكبادها بظنهم أحياء واليوم يشاهدون التصفية لهؤلاء بوحشية سبقت التتار والمغول، ولتكون هذه الوثائق المسربة لـ«مجزرة التضامن» بعهدة المحاكم الدولية وخاصةً محاكم جنيف ولاهاي، ولتُضاف لأطنان من الوثائق التي أثبتت إجرام طغمة العصابة بدمشق، بانتظار الحساب وتغير التحالفات على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، تحالف حثالات الطوائف مع عصابة الحكم الفئوي وتحالفها مع أعداء شعوبنا العربية، والمرتبط بتحالف دولي أخطر مع من لا يريدون خيراً لشعوب منطقتنا وبلداننا، فيومُ الحساب قادمٌ لا محالة، ولا مأمن من العقاب!، إذ أنه لم تشهد البشرية أفظع مما رأيناه- ولازلنا نـراه- على أيدي تلكم الحثالات الطائفية العميلة المترابطة من خلال حلف أخطر تقوده إيران الملالي لتدمير سوريا ولبنان واليمن والشرق كله وروحه عامة بعد تدمير العراق!، ولم يحدث أي شيء في هذه البلدان كلها، بما في ذلك سورية وفلسطين والأحواز، من مجازر وسواها إلا كان الغرب الفاجر على علمٍ بها وبموافقة ضمنية عليها، وهي موثقة عبر أقمارهم الصناعية لحظةً بلحظة.

ثالثها التغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب على أوكرانيا وتبدّل شكل «البايدنية» منذ أن خاضت «البوتينية» مغامرتها المصيرية في ذلك البلد، فتحوّل جو بايدن من هوس إنجاز الصفقة النووية مع إيران كيفما كان إلى الانغماس كليّاً في الأولوية الأوكرانية ومواجهة روسيا وليس فقط مواجهة هذه «البوتينية»، والأهم من كل ذلك أن بايدن نفسه بات مهتماً بالملف الأوكراني عشرات أضعاف اهتمامه بالملف الإيراني، مما يفرض لعبة جديدة بقواعد جديدة، وبأولويات مختلفة، خاصةً أن ما لم يكن في حساب القوات الروسية هو هذه الحرب الطويلة، والتي ستطول أكثر وربما تتطوّر إلى مجهول، والتي تزداد كلفتها على روسيا وقواتها، لأن موسكو كانت تتوقّع الانتهاء منها باكراً قبل أن تلاقي المقاومة الشرسة من أوكرانيا ووراءها الدعم اللوجستي والمعنوي والمادي والعسكري من حلف «الناتو»، مع خيبة الأمل الروسية الشعبية بما فضحته الحرب الأوكرانية حول الجيش الروسي وقدراته الضعيفة واستخباراته الخاطئة، ولا أحد يعرف بنهاية المطاف كيف ستتطوّر هذه الحرب، ولعلّ بوتين يعرف قليلاً أو بايدن يعرف كثيراً، والمشكلة أنهما دخلا نفق المواجهة بلا مخرج أو عودة، مما يجعل العالم يرتجف من عقابيل استراتيجية حافة الهاوية التي دفعت أوربا للمشاركة بكل ما تستطيع لصالح هذه الغطرسة الدولية الخطرة، بمواجهة هذه الفاشية «البوتينية» التي تسعى من خلال سياسة الأرض المحروقة بأوكرانيا، كالتي مارستها في سورية لصالح نظام الجريمة الأسدي، لنصرٍ قد يودي بمستقبل بوتين السياسي أمام الصمود الأوكراني ومنع نصره حتى لو أدى للمواجهة والتهديد النووي.

أخيراً ثمة مؤشرات عدة برزت خلال الفترة الأخيرة عن اتجاه منطقة الشرق الأوسط نحو صفقة شاملة بين الدول العربية المنهارة- التي عملت مجتمعةً على الحد من آثار ثورة 2011- وإيران، على الرغم من التحفظات الكثيرة التي تحدّ من التفاؤل بإمكانية أن تصل مثل هذه الصفقة لنهايتها، بالنظر للتوتر الدائم الذي طبع العلاقات بين الجانبين العربي والإيراني، وعدم الاستقرار الذي تعمل عليه إيران باستمرار، فمن اليمن إلى لبنان وكذلك العراق ونوعاً ما سورية وشعبها في الداخل وبلدان اللجوء، والتي تعتبر الآن بارامتر قياس منعكسات ذلك اللاإستقرار العربي الذي يمكن يتطور إلى وضعٍ فوضوي وانهيار أكثر ينذر ببركان ثوري جديد، ولا أحد يعرف متى سيحدث ذلك، إذ تبدو المعطيات متجهة لمفاوضات ولقاءات تهدئة شاملة، في وقتٍ يغلي فيه العالم بسبب الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الروسية على أوكرانيا، الأمر الذي يبدو متناقضاً مع طبيعة التحالفات التقليدية، بينما يرى فيه البعض أنه متسق والتغيرات التي أحدثته هذه الحرب، وفي وقتٍ تبدو عليه مقوّمات بدء عصر جديد لصعود الصّين رغماً عن أميركا وحلف «الناتو»، صعود علمي وتكنولوجي متسارع، يدفع لضرورة الاستعداد للعواقب المترتبة عليه إقليمياً ودولياً بظل عمالة وتهريج عربي رسمي كامل لا تخطئه الأعين وانهيار القواعد الناظمة للعلاقات الاقليمية والدولية، مع غياب تام لأي تحالفات توازن غير منحازة في مواجهة حالة كسر العظم هذه.