الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عرابي ورفاقه.. أسرى حرب في «جنة آدم»

محمد سعد عبد الحفيظ *

«جنة آدم» المقصودة هنا، هي الجزيرة التي شهدت مهبط أول الخلق سيدنا آدم عليه السلام، وفقا لما رواه الرحالة العرب الذين زاروا الجزيرة قبل قرون ليتتبعوا آثارها ويدونوا أحوال أهلها وأساطير أسلافهم. تقع  هذه الجزيرة، التي كانت تعرف بـ«سرنديب»- سريلانكا حاليا- وأطلق عليها لفترة طويلة اسم «سيلان»، في شمال المحيط الهندي، جنوب شبه القارة الهندية.

ويقول الرحالة ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» عن واقعة هبوط أبي البشر بـ«سرنديب»: «فيها جبل هبط عليه آدم، ويُقال له الرهون وهو ذاهب في السماء (أي شاهق الارتفاع)، وفيه أثر قدم آدم، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر طولها نحو سبعين ذراعاً، ويزعمون أنه خطا الخطوة الأخرى في البحر وهو منه (أي من الجبل) على مسيرة يوم وليلة».

مهبط أبي البشر:

يصف أمير الرحالة محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي المعروف بـ«ابن بطوطة» أهم معلم من معالم الجزيرة في كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، فيقول: «وفى قمة جبل سرنديب توجد أثر القدم الكريمة لسيدنا آدم عليه السلام، وهى فى صخرة سوداء مرتفعة بموضع فسيح، وقد غاصت القدم الكريمة فى الصخرة حتى عاد موضعها منخفضا وطولها أحد عشر شبرًا، وأتى إليها أهل الصين قديمًا، فقطعوا من الصخرة موضع الإبهام وما يليه، وجعلوه فى كنيسة بمدينة الزيتون يقصدونها من أقصى البلاد».

وتشتهر تلك الجزيرة بغاباتها الاستوائية الكثيفة وأشجارها العالية وشواطئها الساحلية الخلابة ،ومناخها الاستوائي، لكن إحاطة البحر بها لطّف من درجة حرارتها. ومن أشهر مدنها كولومبو وهي عاصمة البلاد وأهم ثغورها. وتكثر فيها أشجار الفاكهة والخضر وجوز الهند، ويُزرع فيها الشاي والبن والأرز والقطن والتوابل والطباق، ومن حيواناتها الفيلة والنمور والدببة والجاموس والغزلان. ويدين نحو 70 % من أهلها بالبوذية، والباقون موزعون ما بين الإسلام، والهندوسيّة، والمسيحية.

هزيمة ثورة:

وأما عرابي، فهو الأميرالاي أحمد الحسيني عرابي، الذي قاد ثورة الضباط الوطنيين ضد الاستبداد والتدخل الأجنبي في الشأن المصري، وطالب هو ورفاقه الخديوي توفيق بإقامة حياة دستورية، ولاقت حركته تأييدا واسعا، والتف حولها عموم الشعب المصري.

حاصر عرابي بقواته سراي الحكم في عابدين، وواجه الخديوي توفيق وأملى عليه مطالب الشعب المصري، فرضخ الخديوي، واستجاب لمطالب الأمة، إلا أن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، وانهزم العُرابيون ليس عن ضعف أو جُبن، بل عبر سلسلة من الخيانات شارك فيها ساسة وزعماء قبائل وقادة جند سلموا أنفسهم للعدو الغازي وللخديوي المتآمر، وانتهى الأمر باحتلال الإنجليز لمصر بتواطؤ توفيق ورجاله، وسيق قادة الحركة إلى ثكنات العباسية وتمت إحالتهم إلى المحاكمة العسكرية التي قضت بإعدامهم في 3 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1882، بتهمة العصيان استنادا إلى المادة 96 من القانون العسكري العثماني، ثم تم تخفيف الحكم إلى النفي مدى الحياة في جزيرة «سرنديب» أو «سيلان».

وعن مشهد النفي يقول الدكتور محمود الخفيف في كتابه «عرابي الزعيم المفترى عليه»: «أُخرج عرابي من مصر مغلوبا على أمره وأسدل الستار على حركته، ومهما يكن من حقد خصومه عليه ومن محاولاتهم المتصلة النشطة لتشويه حركته منذ أن ذاع صيته في حادث عابدين، فإن شيئا واحدا هو حسبه من المجد والفخر سوف يبقى على الرغم من كيدهم وسوف تزيده الأيام وضوحا ورسوخا، ألا وهو أن عرابي كان الزعيم القومي الأول في مصر، فهو أول فلاح من أعماق القرى هتف بحرية مصر واستخلص لها الدستور وآنف أن يخضع لحكم الفرد»، ويؤكد على هذا المعنى أحد خصوم الثورة العرابية وهو اللورد كرومر المعتمد السامي البريطاني في مصر، فيقول: «إن حركة عرابي أكثر من أن تكون مجرد فتنة عسكرية، لقد كان فيها إلى حد ما طبيعة الحركة القومية الحقيقية، ولم تكن هذه الحركة موجهة كلها أو في جوهرها ضد الأوربيين والتدخل الأوربي في الشؤون المصرية ولو أن النفور من الأوربيين والتجني عليهم كانا يسيطران على عقول قواد هذه الحركة، إنما كانت هذه الحركة إلى مدى عظيم موجهة من المصريين ضد الحكم التركي».

نهاية منسية:

معظم الكتابات التي تناولت الثورة العرابية ،اعتبرت أن القصة انتهت بنفي عرابي ورفاقه إلى جزيرة سيلان، بعد أن تم تخفيف حكم الإعدام بحقهم. لكن  هناك بعض الكتابات والدراسات القليلة التي تتبعت ما جرى لقادة الثورة في المنفى.. «كيف استقبلهم أهل سرنديب، وكيف تعاملت معهم سلطات الاحتلال في تلك الجزيرة النائية؟، ولماذا اختلفوا وتنازعوا؟، ومن منهم كسرته الغربة فاُضطر إلى استعطاف الإنجليز ليسمحوا له بالعودة إلى الوطن؟، ومن منهم نال منه المرض فمات في المنفى غريبا؟».

«أصوات أونلاين» تتابع تفاصيل تلك المساحة الغامضة  والمنسية من حياة عرابي ورفاقه في المنفى، استناداً إلى عدد من المصادر والمراجع المعتبرة، أولها مذكرات عرابي نفسه التي ضمنها مراسلاته إلى أصدقائه وأهله في مصر، وكتاب الدكتور محمود الخفيف «أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه» الذي رصد فيه مسيرة عرابي من النشأة حتى العودة إلى مصر، وأخيرا الدراسة الهامة التي أعدتها الدكتورة لطيفة سالم  أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في ثمانينيات القرن الماضي، وأعادت نشرها مرة أخرى عن دار الشروق عام 2009 ، تحت عنوان «عرابي ورفاقه في جنة آدم».

الطريق إلى سرنديب:

«إني أخرج من مصر بستان الدنيا.. لأذهب إلى سرنديب جنة آدم»، قالها عرابي قبل أن يخرج من مصر منفيا، وهو يحدث صديقه مستر ويلفرد بلنت، وأخذ يذكره بقصة هبوط سيدنا آدم، وكيف أنه حل بهذه الجزيرة فصارت تعرف بـ«جنة آدم»، وظل الزعيم الذي نجا من حكم الإعدام يعدد مزايا الجزيرة التي سيكمل فيها حياته، أهلها وساحلها وفواكهها وتوابلها، فقد حاول القائد العسكري المهزوم أن يقنع نفسه بأن الحياة لم تنته، وسعى عبر حديثه المصطنع مع صديقه الذي داوم على زيارته في السجن إلى صناعة صورة ترضيه عن ذلك المكان المجهول الذي سيقضي فيه بقية عمره.

في كتابها «عرابي ورفاقه في جنة آدم» رصد الدكتورة لطيفة سالم، رحلة عرابي ورفاقه «محمود فهمي، ويعقوب سامي، وطلبة عصمت، وعبد العال حلمي، ومحمود سامي البارودي، وعلى فهمي»، في المنفى، من خلال أربعة فصول، تناولت الواقع الذي عاشه المنفيون غرباء عن وطنهم، بعيدا عن أهلهم، فهي تلتقط الخيوط من حيث انتهى المؤرخون لتنسج صورة دقيقة أبرزت فيها المعالم الرئيسية».

اعتمدت لطيفة سالم في هذا الكتاب المهم على ما أطلعت عليه، خلال مهمة علمية لها في انجلترا، من المجلدات والدوريات والوثائق والمخاطبات، التي تسرد قصة رفاق الثورة العرابية في سيلان، ومنها كتاب «المنفيون المصريون في سيلان.. عرابي ورفاقه».

وتقول سالم إن الحكومة البريطانية كانت ترغب في إعدام عرابي على يد الخديو «بناء على محاكمة شكلية» وأن الصحافة البريطانية أيدت هذا الأمر ،لكن التقارير القادمة من الهند سجلت التفاعل الاسلامي تجاه المحاكمة ،كما لعبت المعارضة في البرلمان البريطاني دورا في التراجع عن توجيه المحكمة نحو إعدام عرابي الذي دافعت عنه صحافة حزب الأحرار «باعتباره من أبطال الحرية» وأدت الضغوط الى أن يطالب الرأي العام البريطاني بمحاكمة عادلة.

تتبعت سالم خطا عرابي ورفاقه صوب هذا الطريق، والاتجاهات المصرية والإنجليزية نحو العقوبة وكيف تحول مجراها من الإعدام إلى النفي، وتعدد الآراء حول مكانه، إلى أن رسا المطاف على جزيرة سيلان المعروفة بـ«سرنديب» أو «جنة آدم»، وخلال المداولات ظهر اقتراح بتفريق المنفيين ما بين «سرنديب» و«هونج كونج»، إلا أن الضغوط على الخارجية البريطانية ووزارة المستعمرات نتج عنها صدور قرار بجمع قادة الحركة في «سرنديب».

وقد ظهرت أزمة جديدة قبل الرحلة إلى «سرنديب»، حيث أسهم وقوف الحكومة المصرية أمام رغبات المنفيين، في مفاقمة تعاستهم، فعند سفرهم لم يصطحب إلا ثلاثة منهم زوجاتهم، وتُركت باقي الزوجات في مصر، إما لكون الحالة الصحية لبعضهن لم تكن تسمح بالسفر، وإما لأنهن لم يعرفن كيف تكون الإقامة في سيلان فرفضن، وإما لأنهن فضلن انتظار ما سيتم بخصوص أملاك أزواجهن. وعندما استقرت الأوضاع بهم في منفاهم، لم تنقطع طلبات المنفيين لإحضار زوجاتهم، وهو ما أخذ وقتًا طويلًا وعشرات المراسلات، وكان أحد منغصات حياة عرابي ورفاقه.

استقر الرأي على أن يبحر المنفيون ومن يصحبهم على الباخرة ماريوتيس الإنجليزية لنقلهم إلى كولومبو، وبعثت لندن إلى لونجدن الحاكم البريطاني لسيلان، لتُعلمه أن عرابي ورفاقه لا يعتبرون معتقلين -أي تحت الحجز- ولكن في الوقت نفسه تطلب إخطارها عند رحيل أي منهم من الجزيرة أو عند مخالفة أي منهم لتعهداته، وأن يختار ضابطا على درجة عالية من الذكاء للإشراف على الحرس المعين لخدمتهم، وأن تُراقب تحركاتهم، مع التعرف جديا على كل من يتصل بهم من مسلمي سيلان أو المتعاطفين معهم عقب وصولهم. كما أبلغت وزارة المستعمرات البريطانية  حاكم سيلان، بأن الحكومة المصرية قررت لكل المنفيين ثلاثين جنيها مصروفا شهريا، وأنها مستعدة لزيادة هذا المبلغ بناء على تقديره عندما يرى أنه لا يفي بحاجتهم وراحتهم.

يتذكر عرابي دراما لحظة فراق مصر وقت أن بدأت الباخرة مغادرة الميناء قائلا: «بعد قيامها ولينا وجوهنا شطر مصر ننظر إلى جمالها وحسن منظرها ونودعها بقولنا «يا كنانة الله صبرا على الأذى، حتى يأتى الله لك بالنصر.. ومازلنا ننظر إلى جوها وجبالها حتى توارت عن أعيننا».

أولياء الثورة في كولومبو:

وما أن رست السفينة التي تقل المنفيين على ميناء كولومبو، حتى تجمعت حشود من المسلمين من سكان سيلان، لاستقبال عرابي ورفاقه، وانضم إليهم أوربيون. وعندما نزل عرابي إلى الشاطئ ارتفعت الأصوات بالصياح والهتاف وأسرع البعض ليقبل يده، ثم نزل باقي المنفيين.

لم يشأ حاكم سيلان الإنجليزي أن يغير مكان إقامة المنفيين، وفقا لما تذكره لطيفة سالم في كتابها، فقد «اعتبر أن مدينة كولومبو تلائمهم، نظرا لارتفاع نسبة المسلمين بها، فهي تبلغ 13,3 % من مجموع السكان، ويتوفر فيها أماكن العبادة، حيث ضمت سبعة مساجد، بالإضافة إلى أن موقعها قرب الجنوب يجعلها أقل تأثرا بالتيارات الهندية، وأخيرا فإن التغيير ربما يترك البصمات السيئة على المنفيين الذين هيئوا  أنفسهم للإقامة فيها».

ويتذكر عرابي تلك اللحظة قائلا: «تقدمت لنا العربات فركبنا وتوجهنا إلى البيوت المذكورة، وكان قد خصص لنا بيت عظيم يسمى «ليك هاوس»، ومساحة بستانه 14 فدانا، ومعظم أشجاره من جوز الهند والموز وغيره، فتوجهنا إليه والناس مزدحمون على جانبي الشوارع من الميناء المذكور، يهتفون لنا بالترحيب والإكرام، إلى أن وصلنا إلى المنزل المذكور، وأخذنا معنا طلبة باشا عصمت وعبد العال باشا حلمي لإقامتهما معنا، حيث إنهما تركا عائلتيهما فى مصر، وكذلك توجه محمود باشا سامى مع محمود باشا فهمى، لإقامتهما فى منزل واحد، لكون الأول ترك أهله وأولاده فى مصر أيضا، وانفرد كل من على باشا فهمى ويعقوب باشا سامى فى بيت على حده لوجود عائلتيهما معهما. ويضيف عرابي: «لما دخلنا البيوت المعدة لنا أخذت تلك الطوائف تتوارد علينا للسلام بوجوه باشّة، وقلوب طافحة بالمحبة والحنان ليلا ونهارا».

وبعد ثلاثة أيام من وصول الزعماء المنفيين إلى الجزيرة أقام لهم كثير من أعيانها وتجارها الولائم، واشترك في ذلك المسلمون وزعماء الطوائف الأخرى، واستمرت تلك الولائم عدة أيام. ورغم أن عرابي ورفاقه كانوا ضيوفا على أهل الجزيرة، إلا أن الأصل الشرقاوي لعرابي نضح عليه، فقرر إقامة وليمة كبيرة لزعماء الطوائف وكبار المدينة، «أقمنا وليمة جامعة لأعيان المسلمين والإنجليز والتاميل والسنهاليز (المجموعتان العرقيتان الرئيسيتان في الجزيرة)، وكان عدد المدعوين إليها 200 شخص من مختلف الأجناس والمذاهب والمعتقدات.. شكرنا فيها لهم حسن حفاوتهم بنا» يقول عرابي في مذكراته.

ويصف عرابي في خطاب أرسله إلى صديقه السير برودلي في 24 كانون الثاني/ يناير من عام 1883 الحفاوة التي استقبله بها أهل سرنديب قائلا: «وقد لقيتنا السلطات هنا في الجزيرة بالحفاوة، وأعدوا بيوتا لراحتنا، وزودونا بقدر كبير من الأطعمة الدسمة التي كفتنا وأسرنا بضعة أيام، ونجد الجزيرة ملائمة لسكنانا كل الملائمة، ونعتزم أن نرسل أبناءنا  إلى المدارس المحلية، وأن نتعلم نحن الإنجليزية».

أسرى حرب:

وتوضح لطيفة سالم أن عرابي ورفاقه بعد أيام من استقراراهم في الجزيرة أقروا بأنهم «أصبحوا أسرى حرب»، فالحاكم لونجدن كان «يستشعر خطراً في امكانية قيام حركة إسلامية في الهند وسريلانكا»، وتخوف من النظرة للمنفيين على اعتبار أنهم «أبطال ومخلصون لوطنهم وأن عرابي يُعد قائداً من قادة المسلمين» الذين كان عددهم في الجزيرة آنذاك 200 ألف شخص يتكلمون اللغة العربية «كما يتكلمها المصريون»، لهذا فرض الرقابة على تحركاتهم ولم يسمح للجمهور بالاتصال بهم أو دخول منازلهم، كما تلقوا تحذيرا ألا يغادروا الجزيرة إلى الهند.

ومن التحذيرات التي تلقوها «ألا تكون لهم صلة بالسياسة أو الاتصال بمصر»، ففرضت الرقابة على مراسلاتهم مع ذويهم في القاهرة وأبلغهم بذلك حاكم الجزيرة بعد معرفته بإرسالهم خطابات لشركائهم في الثورة، وكان وزير المستعمرات يشتبه في أن تكون بين عرابي «وبين المهدي في السودان» خطابات متبادلة.

وفي مأساة تراجيدية، تحولت حياة الزعيم أحمد عرابي قائد الثورة الذي حاصر بقواته سراي الحكم في عابدين، وواجه الخديوي توفيق وأجبره على الاستجابة لمطالب الأمة، إلى سلسلة من الانكسارات والهزائم بعد أن سيق هو ورفاقه إلى محاكمة هزلية قضت بإعدامهم في 3كانون الأول/  ديسمبر من عام 1882، بتهمة العصيان بعد هزيمتهم أمام الإنجليز في التل الكبير، ثم تم تخفيف الحكم إلى النفي مدى الحياة في جزيرة «سرنديب» أو «سيلان».

اكتملت الدراما لتتحول تلك الجزيرة التي يطلق عليها أصحابها «جنة آدم» إلى «الجحيم»، فرفاق الثورة الذين تمردوا لرفعة الوطن وتحريره اختلفوا على توزيع المنحة الحكومية الشهرية المقررة. نال منهم المرض والعجز المبكر، وحلق الموت فوق الرؤوس ليحصد الأرواح، ولم يبق منهم سوى عرابي ورفيق السلاح محمود سامي البارودي، عادا إلى الوطن بعد نحو 20 عاما كهلين، ليكتشفا أن ثورتهم ضاعت، وأن نضالهم أهيل عليه التراب ،ليس من الإنجليز أو السرايا فقط، بل من أبناء جلدتهم الذين بدأوا حركة جديدة على أنقاض هزيمتهم.

مأساة الحصار والإبعاد:

أمضى عرابي ورفاقه في «سرنديب» أسوأ أيام حياتهم، فقد كانوا «يعيشون فى حصار دائم، وانقطعت السبل بينهم وبين مصر، ولا ترد إلا أخبار السوء والجو رطب وموحش وكئيب، ولا أحد يدرى متى يعودون مرة أخرى، وتمتلئ القلوب التي عاشت معا أروع نبضات العمر بالأسى، وتتسلل إليها عواصف تزكم الأنوف، ويتزوج عرابي جاريتين كانتا تخدمان ابنه، وتتضاءل الأهداف الكبرى، ويعيش الرجال مأساة الحصار بكل أبعادها، فيتشاجرون كأطفال صغار حول أشياء لا معنى لها، وكأنهم ما وقفوا يوما معا يقاتلون من أجل انتصار الحياة، ومن أجل هزيمة الخبائث والتفاهات»، هكذا يصف الكاتب والمؤرخ صلاح عيسى دراما حياة عرابي ورفاقه (محمود فهمى باشا، عبدالعال حلمي، طلبة عصمت، يعقوب سامى، محمود سامى البارودي، على فهمى) بالمنفى في كتابه «الثورة العرابية»، متسائلا: كيف يقتل الحصار نقاء القلوب، وكيف تتسلل إليها عفونة الموت فى غفلة عن أصحابها؟. ويجيب: ذلك شيء لا يفهمه إلا من كابده من الرجال.

أما الدكتورة لطيفة سالم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، فقد تناولت الواقع الذي عاشه عرابي ورفاقه في المنفى غرباء عن وطنهم بعيدا عن أهلهم، ووثّقت تفاصيل ما جرى في جزيرة سرنديب في كتابها «عرابي ورفاقه في جنة آدم». وقالت: «بعد مضي 4 أشهر من وصولهم إلى سرنديب قدم عرابي ورفاقه لحاكم الجزيرة عريضة موقعة منهم بينوا فيها أنهم يعترفون بما أقروا به، ويؤكدون تمسكهم بكلمة الشرف التي أعطوها، لكنهم أكدوا أن ذلك صدر منهم للحكومة البريطانية التي يمثلها مبعوثها «ديفرن»، الذي هو ليس مبعوث الخديوي توفيق، وبالتالي فهم في حل من هذا الوعد بالنسبة للحكومة المصرية، ثم أشاروا إلى انتصار الإنجليز على مصر، وأنهم أصبحوا أسرى حرب وعلى بريطانيا أن تبر بوعدها لهم والذي بناء عليه أقروا بعصيانهم خلافا للواقع».

رد «ديفرن» على المنفيين ودحض قولهم وبيّن أن الأمر لا يختلف سواء بالنسبة للحكومة البريطانية أو الحكومة المصرية، ومن ثم فشلت تلك المحاولة وأن اعتبرت نوعا من التمرد لم يكونوا ألفوه أثناء النفي.

وفي آذار/ مارس 1884 انتشرت شائعات تفيد بأن عرابي وصديقه محمود فهمي يستعدان للعودة إلى مصر، وعلى الفور كتب كامبل مفتش البوليس العام بالجزيرة للحاكم وصرح بأنه لاحظ نشاطا غير معتاد بين المنفيين، فدائما ما يجتمعان في منزل عرابي، وأن لهما زائرين كثيرين ويتردد عليهما بحارة فرنسيون وبعضهم يبقى لوقت متأخر من الليل ومن الممكن اصطحابهما معهما بسهولة، وانتهى المفتش إلى قراره بأنه سيقبض على كل من يحاول الهرب.

الحج إلى منزل عرابي:

مع ذلك لم تتمكن بريطانيا من تحويل المنفيين إلى أفراد عاديين خاصة عرابي، وكُسرت سياسة العزلة، وبدأت تفد على عرابي مراسلات من بعض حكام ممالك جنوب شرق آسيا (سيام، وسنغافورة، والملايو)، تفيض بالفخر به، وبعضها يشيد به ويركز على نسبه الذي يصل إلى ابن عبد مناف.

وكان من الصعب على شرطة سيلان منع الزيارات إلى منزل عرابي خاصة بعد أن اتسعت صداقاته وتوافد عليه الكثيرون فقد أصبح مسلمو الهند يمرون عليه أثناء رحلة الحج إلى مكة، وتعلق أحد الصحف على ذلك «أنهم جاؤوا ليعبروا عن تقديرهم للرجل الذي يعتبرونه بطل الوطنية المصرية، والذي ساقه القدر ليكون أحد سكان هذه الجزيرة، تلك التي تمتعت بمكانة دينية لهبوط آدم عليها».

ومما لا شك فيه أنه كان للمسحة الدينية التي كانت ترتسم على وجه عرابي أثرها، فارتباطه بالمساجد ومداومته على قراءة القرآن الكريم مسحت عليه طابعا دينيا خاصا لدى الناس فأقبلوا عليه وتقربوا منه، فكان له في قلوبهم مكانة كبيرة، حتى أن عددا كبيرا منهم أسلم على يديه، وتعلموا بعض الطقوس والاحتفالات الدينية مثل الاحتفال بليلة النصف من شعبان والمولد النبوي وليلة القدر.

ولمكانة عرابي الكبيرة في قلوب أهل الجزيرة كانوا يطلقون عدة طلقات من مدفع بجوار المسجد الذي كان يؤدي فيه صلاة الجمعة كل أسبوع، وبعد مغادرته سرنديب وعودته إلى مصر قاموا بتشييد مسجد ومقام بإسمه لا يزال باقياً إلى الآن.

أنشأ عرابي هناك كلية «الزاهرة» لتعليم أصول العقيدة الإسلامية وتعليم اللغة العربية لأول مرة فى الجزيرة بجانب تعليم اللغة الإنجليزية، وكان عرابي أول من أدخل الطربوش للجزيرة فسرعان ما قلده المحليون فى إرتدائه.

شاي ليبتون ومانجو هندي:

وفي «سرنديب» التقى عرابي ورفاقه الكبار بالسير «توماس ليبتون» صاحب مزارع الشاي الشهير، فدعاهم ليتناولوا معه مشروب الشاي لأول مرة، فاستساغوه وأعجبهم وأصبح الشاي مشروبهم الأول فى المنفى، فأرسل عرابي باشا بعض هدايا من الشاي إلى بعض أصدقائه وأهله فى مصر ليجربوه، فأعجبهم الشاي كثيرا.

ويقول عرابي في مذكراته: «أرسلنا إلى صديقنا المرحوم أحمد باشا المنشاوي تقاوي لزرع 20 فدانا حتى يعم انتشاره، كما أرسلنا لهذا الغرض أحسن أنواع المانجة والموز الأحمر والأصفر المضلع أيضا وغيره من الأصناف المتعددة من الفاكهة الزكية الرائحة اللذيذة الطعم مما رجوت انتشاره في مصر، وبعثنا إليه بأنواع الحبهان “حب الهال” والقرنفل والمنلا الطيبة الرائحة، ثم زرنا مصنع صديقنا السير ليبتون بجهة بيراسيا ومكثنا بها شهرا أيضا».

مساومة عرابي:

واستقبل عرابي صديقه الإنجليزي مستر بلنت، وكان من أشد المدافعين عنه، وكان له دور مهم في تخفيف الحكم الصادر ضده وضد رفاقه من الإعدام إلى النفي. وأخبر بلنت عرابي أن الخديو توفيق ضعيف ولن يبقى أكثر من سنتين وفي هذه الحالة ستخمد المعارضة ويعود المنفيون إلى بلادهم، وتوقع لو حدث ذلك أن يتولى عرابي رئاسة الوزراء.

وأبلغ بلنت عرابي في خطاب بعث به إليه في نيسان/ أبريل 1884، بأن الأمل في العودة للوطن أصبح أكبر منه في أي وقت مضى، والسبب في ذلك يرجع إلى أن «الحكومة البريطانية وجدت نفسها في مصر أمام صعوبات كبيرة، وفي مقدمتها اضطراب الحالة المالية، ثم مسألة المهدي في السودان، وبالتالي أصبحت شديدة الميل إلى الجلاء عن مصر، وترى أنه لابد لها قبل تلك الخطوة من أن تقوم في مصر حكومة ثابتة وأمير يستطيع أن يكون على اتفاق مع ثائر السودان، ولهذا فمن المحتمل أن تتخلى عن توفيق لعدم قدرته على الحكم لتضع زمامه في يد غيره قبل جلاء قوتها عن مصر».

وبين «بلنت» لعرابي الخطر المحيط بـ«جوردون» في الخرطوم، والمتمثل في الهزائم التي تتعرض لها القوات البريطانية على أيدي رجال المهدي، والذي قد يجبر حكومة بريطانيا على اتخاذ قرار سريع، وأنه اقترح عليه أن يذهب كمبعوث للمهدي للحصول على السلام، ولإنقاذ حياة جوردون، وفي حالة قبول اقتراحه لابد من موافقتها على خطته بشأن وجود حكومة صالحة في مصر.

ويضع «بلنت» أمام عرابي عدة تساؤلات واستفسارات، فيطلب منه صراحة الشروط التي تمكنه من العودة إلى مصر ،وأنه يعلم أن في استطاعته قبول العمل مع الأمير حليم باشا، ويتطرق إلى مدى موافقته على العمل مع الخديوي إسماعيل في حال عودته إلى العرش، وأشار إلى موافقة إسماعيل على أن تكون قيادة الجيش من نصيب عرابي.

ويأتي رد عرابي على «بلنت» بعدها بأسابيع، ليسجل له أن إسماعيل شخص مخادع وصاحب سمعة سيئة لانعدام أمانته، وأنه السبب فيما حاق بمصر من انهيار، وأن الدين الذي يخنقها يرجع إلى أفعاله، وأنه لا يوجد في أسرة محمد علي من لديه المؤهلات المطلوبة لتولي العرش، لكنه يشير إلى إمكانية تولي حليم باشا الحكم، ويحلل أحقيته بأنه الوريث المباشر لمحمد علي، كما أنه يلقى الترحيب من المصريين، وتعرض لمحن جسيمة ووقع عليه الظلم، وأخيرا يصل إلى بيت القصيد، أنه بامكانيته عقد معاهدة بين المهدي والحكومة المصرية. غير أن كل هذه الترتيبات ذهبت هباء بعد ذلك، فمع انتهاء المواجهة مع الثورة المهدية، أُغلق باب التفاوض مع عرابي، واقتصرت مجهودات بلنت على عودة عرابي ورفاقه إلى مصر واستصدار قرار بالعفو عنهم.

خلافات الفقر:

ونظرا لقلة المبالغ التي كانت ترسلها الحكومة المصرية للمنفيين، اضطر عرابي ورفاقه إلى التقدم بمذكرة لرفع المبلغ ونجحت وساطة الإنجليز في إقناع الحكومة بإرسال مبلغ 500 جنيه إضافية إلى حاكم سيلان على أن يقوم بتوزيعها علي عرابي ورفاقه وفقا لما يراه.

ونشأت مشكلة بعد إرسال تلك المنحة الجديدة، وتعقدت الأمور بخصوص توزيعها، ومما يلاحظ أن عرابي حصل على نصيب الأسد منها، «فهل كان هناك حرص على إرضائه بمنحه هذا المبلغ دون الآخرين رغم أن غيره كان يعول أكثر منه؟.. وهل جاء ذلك نتيجة لتوصية؟»، تتساءل لطيفة سالم في كتابها.

ويذكر حاكم سيلان أن مسألة التوزيع لم تكن سهلة لأن المنفيين يشكون من الفقر ومصادرة أملاكهم، وأن من معه عدد صغير من أسرته تبين أن وراءه عددا آخر مسئولا منه في مصر، ثم يعرض عليه المعلومات التي جمعها وهي توضح أن زوجتيْ محمود سامي وعلي فهمي لهما ممتلكات تسمح لهما بالعيش، وأن يعقوب سامي ميسور الحال، أما محمود فهمي وطلبة عصمت وعبد العال حلمي فليس لديهم الا معاشاتهم وعليه فقد خصص لهم المبلغ المتبقي بعد أن حجز منه 17 جنيها للطوارئ.

وولّد هذا الوضع مرارة بينهم وتظلم يعقوب سامي معتمدا على أساس أنهم جميعهم في المنفى سواء، وكلهم يعتبرون فقراء ولابد من معاملتهم بالتساوي وتبعه من شعر أن الظلم وقع عليه ورفع الأمر إلى لندن، فأشارت بأنه بعد تخصيص المبلغ المقرر لعرابي من المنحة، تطبق المساواة على الباقي ما عدا محمود سامي حيث لا يستحق رفع معاشه لأن إيراد زوجته في مصر 3000 جنيه وأنه إذا تظلم أحد من الخمسة فعليه اثبات دخل الباقين حتى يمكن تمييزه عنهم.

وانتهى الأمر بأن تمتع بالزيادة ثلاثة منهم فقط، لكنهم عادوا ووافقوا على التنازل عن مبلغ من الروبيات لزملائهم ليتساووا معهم، ورفض عرابي إعطاءهم جزءا من الزيادة التي خصته.

وفي 1891 توفى عبد العال حلمي وقررت الحكومة صرف معاش لزوجته قدره 30 جنيها بناء على التماس الزوجة.

واتسع نطاق المشاحنات وبديهي أن يتعرض عرابي لنقمة البعض حيث دبت الغيرة بسبب تلك المكانة التي يتمتع بها في سيلان وهذه الشعبية التي أغدقت عليه، ووقع الخصام بينهم، وانتشرت أصداؤه داخل سيلان وخارجها، وأن جرت في البداية بعض المحاولات للصلح وآتت أكلها حينا، وجاء زواج عرابي ليخلق بعض الحساسية وترتب عليه حدوث مقاطعة، ونصح عبدالله النديم صديقه عرابي في رسالة بالارتباط كي إذا عادوا لوطنهم لا تساء بهم الظنون وتميل عنهم القلوب «فائتلفوا قبل الإياب، واقتلوا الضغائن بالعقاب، وحققوا لمن عندكم ترك العدوان حتى تتركوا لكم ذكرا جميلا في سيلان».

الموت يلاحق المنفيين:

في 19 آذار/ مارس 1891 توفى عبد العال حلمي نتيجة إصابته بحساسية في صدره، ودفن في كولومبو، بعد أن فشلت توسلات المنفيين في إقناع الحكومتين البريطانية والمصرية بالعودة نظرا لظروفهم الصحية.

تسببت وفاة حلمي في لفت الرأي العام البريطاني إلى الأزمة التي يمر بها المنفيون، وتقدم عضو بمجلس العموم البريطاني بسؤال لوزير المستعمرات عما إذا كان أثار انتباهه أن المتوفي قد شكا من معاناته لأزمة صدرية، وأنه كان يتألم كثيرا ويتوسل لنقله من المكان الذي يعيش فيه، وأن عرابي يعاني من الروماتيزم، ولفت نظره أيضا إلى حالة طلبة عصمت الذي لم يفارقه الربو، وأخيرا سأل عما إذا كانت الحكومة تعتبر أن الحاجة إلى نقلهم لمناخ جاف قد أصبحت أمرا ملحا.

عودة مهزومة:

وفي مقابلة مع صحيفة إنجليزية طالب عرابي الرأي العام الإنجليزي بتبني موقفهم، «عشر سنوات في المنفى ضاعت فيها صحتنا وأصبحنا لا نصلح لأي شيء، وانا شخصيا غير قادر على الخيانة أو الإخلال بكلمة الشرف»، يقول عرابي، مشيرا إلى أن عينيه غطاهما السحاب الذي سيحجب عنهما رؤية الضوء إلى الأبد.

وعندما سأله الصحفي عن نظرته للمستقبل، أجاب أنه يريد الموت بين ناسه، ويشاهد مصر قبل أن تأتي ساعته الأخيرة، وفي حالة سماح الحكومة البريطانية بعودته فسيذهب كصديق لبريطانيا لا كعدو، وأنه يوافق على وضعه تحت رقابة البوليس، وأكد تمسكه بوعده الذي أعطاه بألا يتدخل في السياسة بطريقة أو بأخرى، وانتهى به الحال إلى أنه طلب العفو والرحمة وأشاد بالإنجليز.

ودلت هذه المحاولة، بحسب الدكتورة لطيفة سالم، على الخضوع والاستسلام لكنها كانت أحد الأبواب التي طرقت.

وازدادت حالة عرابي ورفاقه سوءا بوفاة محمود فهمي في 17 حزيران/ يونيو 1894، وكشف التقرير الطبي الخاص بفهمي أنه أصيب بشلل في جنبه الأيسر وثقل في لسانه وجرت محاولات لعلاجه. وبذلك سقط اثنان من المنفيين، وأصبح كل واحد من الباقين ينتظر دوره حاملا فوق أكتافه مشقة التفكير في الموت بعيدا عن الوطن، وهكذا نطقت صورة حياة عرابي ورفاقه في جنة آدم بالعذاب الذي تجرعوه ظلما وبهتانا، لا ذنب اقترفوه سوى أنهم أرادوا الخير لمصر.

ومن المفارقات أنه بعد صدور تصريح لطلبة عصمت بالعودة إلى مصر في كانون الثاني/ يناير من 1899 نظرا لسوء حالته الصحية، وفيما يستعد الرجل للعودة توفى رفيقه يعقوب سامي بسبب الإهمال الطبي، و«هكذا سقط الواحد تلو الآخر ودفن ثلاثة في أرض سيلان بعد أن أعياهم المرض وقضت عليهم الغربة».

عاد طلبة باشا عصمت إلى مصر وتدهورت حالته الصحية حتى لقى ربه بعد شهور من وصوله للقاهرة ودفن بمدافن الإمام الشافعي. وبعد أن ضاع بصر محمود سامي البارودي تقريبا إثر إصابته بـ«جلوكوما» صدر الأمر العالي بالترخيص له بالعودة إلى مصر.

ولم يعد في «جنة آدم» سوى عرابي وعلى فهمي، وقد حدث في 12 أيار/ مايو سنة 1901 أن زار الجزيرة دوق كورنول يورك ولي عهد بريطانيا- (الملك جورج الخامس فيما بعد)- فاستقبل عرابي ورحب به وسأله عن صحته وعن حاله، وكانت هذه الزيارة سببا في عودة عرابي.

ووصف عرابي ظروف عودته إلى مصر قائلا: «عرضت على سموه أني أعتبر تشريفه للجزيرة فكاكا من الأسر، فتكرم علينا بأنه سيسعى لدى الخديوي في تحقيق أمنيتنا، ثم دارت المخابرة بين سموه وبين الحكومة الإنجليزية والحكومة المصرية في هذا الشأن».

وفي 24 من أيار/ مايو، والكلام لا يزال لعرابي، جاءنا تلغراف من حاكم الجزيرة يقول فيه: إنه قادم إلينا ليبلغنا شخصياً بصدور أمر الخديوي بالعفو عنا وعودتنا إلى وطننا العزيز، وعند حضوره توجهنا إليه وشكرناه على سعيه وعرضنا عليه أن لنا الحق في السفر على نفقة الحكومة التي حملتنا إلى تلك الجزيرة.

وفي آب/ أغسطس بارح علي فهمي باشا جزيرة سيلان، وبلغ القاهرة في أول سبتمبر من السنة المذكورة. ولحقه عرابي بعدها بشهر، «أما احتفال أهل الجزيرة بوداعنا فقد كان عظيما حتى أن أرصفة الميناء غصت بالمودعين».

هكذا قضى عرابي ورفاقه سنوات المنفى، أما عما جرى بعد العودة فلهذا حديث آخر.

المراجع:

1). «الثورة العرابية» – صلاح عيسى

2). «عرابي ورفاقه في المنفى» -لطيفة سالم

3). «أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه» محمود الخفيف

ــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب صحفي مصري

المصدر: أصوات أونلاين