الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

رسالة الى الرئيس الأميركي.. بلدكم سيخسر الحرب

ميشال كيلو *

ـــــــــــــــــــــــــ

{ في ذكرى مرور عام على رحيل المفكر والكاتب ميشيل كيلو يعيد موقع «الحرية أولاً» نشر هذه الرسالة- الوثيقة أدناه- لأنها ولا شك وثيقة تاريخية، وأكثرها دلالة على حركة التاريخ واستشراف مستقبله، إنها رسالة موجهة لرئيسٍ أمريكي، لم يحفل بها سدنة البث الإعلامي العربي أو الغربي حينها؛ ولكنها ستبقى شاهداً كلما توغلت الأيام والأحداث، وستبقى رائعةْ ميشيل كيلو منارة في ظلام الفكر العربي والعلماني عموماً؛ رسالة من كاتب عربي- كما يقول ويُحب ” تقول شهادة ميلاده أنه مسيحي “- نشرتها جريدة النهار اللبنانية بعد أسابيع قليلة من أحداث أيلول/ سبتمبر 2001 (في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001)؛ وعبقرية الرسالة تأتي من كونها قراءة مستقبلية لأكثر منعطفات التاريخ تعقيداً، وها هي بعد هذه السنوات تؤكد صحة ما كتب ميشيل كيلو! }

ـــــــــــــــــــــــــ

رسالة الى الرئيس الأميركي.. بلدكم سيخسر الحرب

ميشال كيلو *

السيد الرئيس، تحية واحتراماً وبعد،

لا أعرف إن كنتَ ستجدُ الوقت لقراءة ما أكتبه في رسالتي هذه، لأنك، كما أعتقد، في وضعٍ صعبٍ وعصيب تستولي معالجته على وقتك، فضلاً عن أن مكانك كقائد للعالم يحوُّل بينك وبين قراءة كل ما يوجه إليك، بما في ذلك رسائل ربما تكون صادقة كهذه الرسالة، التي يخطُها مواطن عربي تقول شهادة ميلاده أنه مسيحي، كَرِهَ طوال السنوات الأربعين المنصرمة سياسات بلادك، وانتقدها دون هوادة، ورأى في انفرادها بقيادة العالم، منذ تسعينات القرن الماضي، مصيبة كونية كارثية الأبعاد، ستنعكس نتائجها بدرجات وأشكال كثيرة على مناطق العالم المختلفة، الغنية منها والفقيرة، قبل أن ترتد على أميركا ذاتها، وقد ارتدت يوم 11 ايلول/ سبتمبر، حين انقضت طائرات ركاب مدنية مختطفة على موقعين يحتلان قيمة رمزية فريدة في أميركا والعالم، هما مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، وزارة دفاعك.

هل تود أن تعرف كيف علِمتُ بالهجوم على بلدك، وما المشاعر التي انتابتني والأفكار التي راودتني، حين رأيت المركز مشتعلاً وهو يتهاوى؟ كنتُ  مستلقياً على أريكة أتفرج على أخبار محطة الجزيرة. يبدو أنني غفوت للحظات، قبل أن أصحو فجأة وأرى المركز يشتعل. سارعتُ، عندئذ، إلى إيقاظ زوجتي، التي كانت قبل عامين في أميركا، وأنا أقول لها: ثمةَ شيءٌ محزن إنسانياً وفائق الخطورة سياسياً يحدث في أميركا، تعالي وشاهدي ما يجري في الدولة التي لم تنزل فيها قذيفة واحدة في جميع الحروب، وينهار في هذه اللحظات نظامها الأمني والعالمي.

تلك هي المشاعر التي أحسست بها، والكلمات التي قلتها. كنت أشعر بالضيق والحزن، لأن أبرياء يموتون في المركز الهائل، وأشعر، في الوقت نفسه، أن احتراقه والبنتاغون هو بداية انهيار نظام أميركا العالمي الجديد، وبداية خضوعها للقوانين والممارسات التي لطالما أخضعت هي الآخرين لها، خصوصاً في العالم الفقير، حيث اعتادت أن تضرب دون أن تُرد لها الضربات، وتُقرر مصير غيرها كي لا يتأثر مصيرها بأقدارهم البائسة والمُهلكة. كنت أشعر، إذاً، بالأسى على المواطنين الأميركيين، الذين يحترقون أو يلقون بأنفسهم إلى الموت من طوابق المركز العليا، وأتمنى لو أنهم لم يتعرضوا لهذا المصير المؤلم والمثير للحزن. وكان شعورٌ بالشماتة يجتاحني، في الوقت نفسه، لأن رجال البنتاغون يموتون بالطريقة التي كثيراً ما استخدموها في قتل الآخرين. وأصارحك أنني تمنيت لو أن الهجمات وفرت المركز واستهدفت البنتاغون وحده، ولو أدت إلى قتل عدد كبير من “موظفيه” ودمرته وجعلته أثراً بعد عين.

بعد قليل، كان الغبار يغطي نيويورك، درة إمبراطوريتك، والتي تريدون لنا أن نرى فيها مدينة المدن، وعاصمة العالم. وكنتَ أنت تنتقل من موقع إلى آخر، لأنك لم تكن تعلم، كما يبدو، ما يحدث، أو لأن جنرالاتك ورجال أمنك ظنوا أنك ستكون عُرضة للهجوم، الذي كان يتواصل بطائرات لم يخطر ببالهم أبداً أنها يمكن أن تتحول أداة حرب على وطنك، الذي خالوه حصيناً وغير قابل للاختراق. وحين قررتَ، بعد ساعات، إلقاء كلمة من التلفاز كنتَ تبدو حائراً مشتتَ الذهن، وكنتَ تبحث عن كلمات تشحن مواطنيك بقوةٍ بدا أنك تفتقد أنت نفسك إليها، فخلقَ هذا كله الانطباع بأنك مشوش وحزين، لأنك تعرف جيداً حقيقة ما يجري، وما يحمله من معانٍ بالنسبة إلى نظام أرادت استراتيجيات بلدك فرضه على العالم، فانهار بانهيار مبنيين يرمزان إلى مصدري قوته: رأس المال والقوة المسلحة.

ومع أنك لم تتطرق في حديثك إلى هذه النقطة، فقد كان واضحاً أنها موضوعهُ الرئيس، إذ كيف يمكن نظاماً عالمياً أن يقوم، بينما يتعرض مركزه لهجوم عجزت أجهزته عن كشفه، ولم تعرف كيف توقفه أو ترد عليه، مع أنه طاول عاصمتها: درة إمبراطوريتها العالمية، التي أعلن والدك قيامها، وجئتَ أنت تستكمل أسسها ومقوماتها، فشاهدتَ بأم عينك تهاوي رمّزيها، ولم يبق لك غير أن تحاول، من الآن فصاعداً، تأكيد سيطرتها وفرادتها، في شرطٍ عالميٍ لم يسبق لك أو لأي رئيس أميركي آخر أن واجه ما يماثله في الصعوبة.

السيد الرئيس،

دعني أخبرك كيف أفهم، أنا المواطن العربي، مشكلتك، التي بدأت مع الهجوم على أميركا، والتي أعتقد أن بلادك لن تنجح في التصدي لها، خلال ما بقي من زمن في قرننا الحادي والعشرين هذا. كنتَ، ببساطة، تعتقد أن الدرع الصاروخية ستقيم هوة تقدم بين بلدك وبقية العالم تمتد لخمسين عاماً، على أقل تقدير، وأنها ستمكنه من أن يكبّر إلى أبعد حد عرفه التاريخ البشري قدرته على تقرير مصائر الآخرين واقدارهم. وكنت تظن ان هوة التقدم الجديدة ستمكنه من التحكم بمشكلات العالم، دون ان ينغمس في تفصيلاتها الكثيرة وتعقيداتها المنهكة، بما انها ستقيم، لأول مرة في التاريخ، نظام تحكم عن بعد، يستحيل على أحد في العالم تحديه أو العيش خارجه، تمّسكُ أنت بمفاصله ومفاتيحه، وتقرر أموره بطرق وكيفيات ستمتص النتائج المريعة التي ستنجم عنه، وستحول بينها وبين أن تنعكس على مركز الامبراطورية أو مكانتها أو قيادتها، وستتيح له إدارة أزمات الكون بالطريقة التي تخدم مصالحه وتعزز تفوقه.

فإذا بالهجوم يطيح هذا كله، وإذا بك تجد نفسك مجبراً على التعامل مع وضع جديد كل الجدة، يُكرِه بلدك على تغيير أسلوب إدارته للعالم، ولشؤونه الداخلية والخارجية، ويفرض انغماسه في تفاصيل لا حصر لها، تُغطي مختلف زوايا البسيطة ومجاهلها، وقيامه بمطاردة أشخاص ومجموعات سرية وعلنية، ومقاتلة عشائر وقبائل وفئات وزمر، يُعرف بعضها ويُجهل معظمها وبالتعامل مع دول لطالما افتقرت إلى أية أهمية بالنسبة إليه، فضلاً عن أنه سيُجبره على صعود جبال شاهقة والخوض في صحارى مهلكة، لأن إرهابياً واحداً يمكن أن يلجأ إليها، وسيكرهه على الصراع ضد نظم فكرية ومذهبية ودينية كنتم تؤمنون بأن الحكومات الأخرى، والمحلية، تكفلت تحييدها ومنعها من التأثير في سياساتكم وحساباتكم الدولية الكبرى، يتطلب نجاحكم فيها محاربة الاستبداد تارة والديموقراطية تارة أخرى، على جبهة السياسة حيناً وجبهات الاقتصاد والمجتمع والثقافة أحياناً، مثلما يتطلب خوض حروب معقدة وطويلة، قد تكون تلفزيونية وعلنية اليوم، سرية وخفية غداً، وقتل بشر ومهاجمة شعوب مختلفة الألوان والمعتقدات والأوطان، وتكبُد خسائر في مناطق نائية لم يسبق لأميركي أن شاهدها أو فكر في احتمال أن يكون لها وجود.

باختصار: بعدما كنتم تخططون لزيادة قدرتكم بطريقة غير مسبوقة على التحكم بالعالم، وعلى ضبطه وتقرير مصائره، وتعتقدون أن تقدم بلدكم وقوته يتيحان له البقاء بعيداً عن مشكلاته الكثيرة والمتشعبة، ونفض يديه من مشكلاته المُعقدة، وجدتم أنفسكم فجأة في وضع معاكس، يُحتم وجودكم في كل زاوية وشبر منه، وسط أقوام لا يعرفون كيف تؤثرون في طريقة حياتها وتفكيرها، وكيف تَسوقونها إلى حيث تريدون، تتمرد عليكم لألف سبب وسبب، بينها أن نظامكم الرأسمالي لم يُبقِ لها شيئاً تعيش عليه أو منه، وأنه قتل آمالها أيضاً.

كيف ستواجهون وضعاً كهذا، كان تحاشيه هدف جمع استراتيجياتكم وسياساتكم، قبل صباح يوم 11 ايلول/ سبتمبر، فصار هدفها الرئيس الانغماس فيه والسيطرة عليه، منذ ذلك الصباح الرهيب؟ لا شك في أنكم وضعتم سيناريوات مواجهة، تحدثتْ عنها أوساطكم ومصادركم، وإن كنتم لم تحددوا بعد خياراتكم بصورة نهائية، لأسباب بينها أنه لم تتوافر لكم بعد معطيات كافية حول طبيعة المشكلات التي ستواجهونها، والردود التي يجب أن تطوروها، في سبيل السيطرة عليها، وهي مشكلات لا حصر لها، يصعب معرفة التعقيدات التي يمكن أن تنجبها، حتى بالنسبة إلى قوة عظمى كبلدكم.

السيد الرئيس، ثمة، من الناحية النظرية، خيارات ممكنة، تقول الصحافة أن مستشاريكم يحددونها على الشكل الآتي:

تعبئة الشمال ضد الارهاب، واستخدام قواه العسكرية والاقتصادية والسياسية ونمط حضارته المتفوق في الحرب ضده. في هذه الحالة، يجب عليكم أن تحددوا ما هي قوى الشمال وما هو الإرهاب، وهل تخوض قوى الشمال الحرب من أجل أميركا أم من أجل نمط الحضارة الغربية، وهل تخوضها كحرب تهم أميركا، الدولة التي تقوده، فتكون حرباً سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية، أم تخوضها دفاعاً عن نمط حضارتها، فتكون حرباً حضارية /ثقافية/ دينية بالدرجة الأولى، من ذلك النوع الذي تنبأ به هنتنغتون وقال بحتمية وقوعه بعدما تفرد النظام الرأسمالي بالعالم وانتهى صراع النظم بسقوط الاشتراكية؟ ما طبيعة الانتصار الذي يمكن ان يحققه نمطـا الصراع هذان، إن هما حققا أي انتصار؟ وماذا يعني انفراد نمط الحضارة الغربية بالعالم بعد انفراد نظامه الرأسمالي به؟ هل لديكم أجوبة عن أسئلة معقدة وخطيرة كهذه؟ وهل تكفي، برأيك، قوى الشمال لخوض حرب حاسمة ونهائية ضد الإرهاب، هي جزء من حرب الحضارات، إن بقي العالم على ما هو عليه، واستمر نظامكم الدولي في إنجاب ظروف تلد إرهاباً معمماً ومتفاقماً، يتنطح للقضاء عليه عبر حرب لا جبهة فيها ولا حدود، لا تعرف عدواً محدداً أو زمناً تُخاض فيه وتُكسب؟ بأية سبل ووسائل يمكن للشمال خوض حرب كهذه، عدوه الرئيس فيها ليس البشر، بل ظروف وشروط يجبرهم على العيش فيها، تحولهم بالضرورة أعداء له، فلا يرى غير القوة وسيلة على خطب ودهم؟ وهل يتوحد الشمال حقاً حول أميركا، رغم تباين نظرات دوله الأوروبية عن نظرتها إلى مشكلة الإرهاب وأسبابها؟ وهل يبقى ملتفاً حولها، إن تكاثرت خسائره البشرية، وانعكست نتائجها على بلدانه، وبينت مجريات الحرب عبثية طريقة التصدي الأميركي له؟

اعتبار الإرهاب ظاهرة عنف يجب أن تقابل بعنف أشد، مثلما اعتُبرت ظاهرة حروب العصابات، في حينه، عنفاً صرفاً يكفي للقضاء عليه استخدام عنف أشد ضده، فكانت النتائج مفزعة، سواءٌ على صعيد الخسائر التي نزلت بالبشر والدول والبيئة والحضارة والعلاقات الدولية، أم على صعيد الهزائم التي تعرض لها الغرب: من فيتنام الخمسينات إلى الجزائر إلى كينيا إلى اليمن الجنوبي إلى فيتنام السبعينات. لستم اليوم، سيادة الرئيس، إزاء عنف صرف. أنتم تواجهون عنفاً أنجبته مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وحضارية، وتراكمات تاريخية، ومعضلات تتعلق بالهوية والعقيدة… إلخ، أنتجها نظام دولي نذرتم أنفسكم وسخرتم إمكاناتكم وقُدراتكم الخلاقة للدفاع عنه، ولتوسيع انتشاره العالمي، من المحال معالجتها بالعنف، خاصة ذلك الذي يفوق في قدره وشدته عنف الإرهابيين، ويستهدف مجموعات بشرية كبيرة من خارج دائرتهم. ألا تلاحظون كم تتفوق إسرائيل على الشعب الفلسطيني في استخدام العنف، وتدركون معنى فشلها في التخلص من المشكلة الفلسطينية وإخفاقها في حلها بالطريقة التي تناسبها، رغم لجوئها إلى عنف مفتوح ومتصاعد، امتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم، دون أن ينقطع لحظة واحدة خلال قرن بأكمله؟ فأي وعدٍ يمثله العنف بالنسبة إليكم، وما المشكلات التي يمكن أن يساعدكم على حلها، وهل تصدقون فعلاً أنه دواء الداء الذي أنجبه نظامكم؟

اعتبار الحرب ضد الإرهاب مسألة تقنية، يتوقف النجاح فيها على الوسائل المستخدمة، وعلى طريقة استخدامها. تقول هذه النظرة: من الضروري منع الإرهابيين من اختراق الشمال عامة وأميركا خاصة. لذا، من الضروري القيام بإعادة نظر جدية في أسلوب عيش العالم الغربي ونمط حضارته المفتوحة، وتعزيز دور الدولة فيه ومنحها صلاحيات قد يتعارض بعضها مع طابعها الليبرالي القائم. كما يجب القيام بعمل مكثف ومنهجي ينشر هذا النمط الحضاري- السياسي خارج الشمال، وخاصة في أوساط الطبقات الوسطى، التي تقود الاقتصاد والثقافة والسياسة والمجتمع في البلدان غير الغربية. الحل هو، إذن، تعجيل غربنة العالم ورسملته، عبر المنظمات التجارية والمؤسسات المصرفية والمالية الدولية، ونشر تقنية الغرب ومعلوماته لتنشيط اندماجه في العالم المتقدم وتعجيله، وتجفيف مصادر الإرهاب المذهبية والمجتمعية والثقافية، التي توجد أساسا في الأوساط الشعبية والفقيرة.

لا أود تذكيرك، سيادة الرئيس، أن هذا الحل لعب دوراً مخيفاً في تدمير العالم غير الأوروبي، وأنه لم يغربنه، بل جعل نُخبه غريبة عن مجتمعاتها، وحال بينها وبين ممارسة أدوار إيجابية داخل أوطانها، وأظهرها بمظهر نُخب تابعة أو عميلة لكم، وسهل ظهور تيارات سياسية ومذهبية وفكرية برز بين صفوفها الإرهابيون، الذين شارك بعضهم في الهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، باعتبارهما رمزين للغرب ولهيمنته على بقية العالم. فهل تفكرون بدواءٍ هو الداء، وتأخذون بطريق أدت إلى إغلاق جميع طرق التفاهم والتعاون بين عالمكم والقسم الأكبر من البشرية، وكان لها قسط وافر في إنجاب الإرهاب؟

خوض حرب ضد العرب والمسلمين، بقوة الغرب مجتمعاً، بعد عزله عن بقية شعوب الجنوب وفرض ما يشبه الحجر الدولي عليهم. هذه الحرب لها في عقلكم سيناريوان قديمان، يقوم أولهما على اعتبار العرب قاعدة الشمال وقيادة الجنوب، فلا بد من كسبهم كقاعدة وكسرهم كقيادة. ويقوم ثانيهما على اعتبارهم ممثلي ثقافة وهوية تاريخية محددة هي الإسلام، سيتقرر بموقفها مصير الصراع بين الحضارات، فلا بد، أيضاً، من كسبها أو كسرها، يبدو، سيادة الرئيس، أنكم يئستم من كسبها، وأن ضربات نيويورك وواشنطن جعلتكم تقررون كسرها، بالتدريج: بلداً بعد بلد، وجزءاً أثر جزء، وعلى مدى زمن طويل، مستغلين أحوال العرب والمسلمين المزرية، وأوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة، وقياداتهم العاجزة، وتأخرهم التقني وضعف حكوماتهم وتشتتها، وتناقض مصالحها، وتهافتها الذليل على كسب رضاكم وخوفها من إسرائيل ومنكم، وحاجتها إلى معونتكم ومساندتكم، وأخيراً العداء المُشين الذي يُكنه معظمها للإسلام، الدين الذي ترون- ويرون- فيه مصدر العنف والإرهاب، وتعزون إليه التخلف والتعصب، وتعتقدون أنه يهدد السلام العالمي ويحرض الشعوب الفقيرة عليكم، وأن الإيمان به يؤدي إلى اعتناق طرق لاعقلانية في التفكير والعيش، تتعارض مع طرقكم وتقود بالضرورة إلى الاصطدام بكم، وتالياً إلى الإرهاب.

سأكون صريحاً معك إلى أبعد حد في هذه النقطة، لأن النتائج التي ستترتب على ما تسمونه “صراع الحضارات أو الثقافات” ستكون وخيمة على البشرية بأسرها، وكارثية بالنسبة لكم، ولنا، إلى درجة يستحيل تصورها. لو قرأت، سيادة الرئيس، التاريخ، أو كلفت أحد مساعديك بقراءته، لاقتنعت أن هزيمة الإسلام والمسلمين مستحيلة، ولوجدت أن أحداً لم يتمكن على مر التاريخ من إنزال هزيمة حاسمة ونهائية، كالتي تريدها أنت، بهما: سواءٌ تعلق الامر بالفرس والروم، إمبراطوريتي الشرق القديم، أم بالصليبيين والمغول، قوتي العصر الوسيط الرئيسيتين أم بالقوى الاستعمارية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد هَزَم الإسلام إمبراطوريتي العالم القديم فور ولادته، وهزم المغول والصليبيين لحظة بدأت إمبراطوريته تنحدر، وهزم إمبراطوريتي العالم الغربي وهو في عز تأخره، فماذا تفهم من ذلك؟ وهل يمكنك، كسياسي مسؤول، القفز عن الحقيقة، وهي أن الإسلام كان على مر التاريخ عصياً على الهزيمة؟

دعني أقول لك شيئاً آخر، هو أن شعوراً من الزهو يجتاح كياني، لأنني ابن هذا التاريخ، الذي اكتشفَ أجدادهُ وأباؤهُ واخترعوا جميع المفردات التي قامت عليها الحضارة البشرية: من اختراع النار، إلى اختراع العمل وأدواته، إلى صهر المعادن، إلى الزراعة، إلى تدجين الحيوانات إلى التفكير المجرد، إلى اللغة، إلى الأرقام، إلى الدين، إلى الكتابة وبناء القرى والمدن… إلخ. فهل تصدق أنني يمكن أن أتعلم الحضارة على يدي السيدين برلوسكوني وروبرتسون: أمين عام الحلف الاطلسي، أنا الفخور بأنني ابن الدين الإسلامي والحضارة التي أنجبها، وابن اللغة العربية والثقافة العربية- الإسلامية الفريدة، التي تجعلني مواطناً عربياً ملأ نفسه الإسلام وقيمه الإنسانية والأخلاقية، وملأ نفسه كذلك التاريخ المشترك الذي صنعه مع المسيحية، وقام على التسامح الديني، الذي مكن المسيحيين العرب من حفظ دين آبائهم وأجدادهم، وعلى تفاعل العروبة التاريخي داخل حاضنة الدينين الشقيقين، التي كونت روحه، وحددت هويته، وجعلت منه عدواً لمن يعاديهما، لن يُحجم عن القتال ضدكم، وعن الموت دفاعاً عن الحضارة العربية- الإسلامية التي أنجباها.

أنتم، سيادة الرئيس، لا تعرفون استحالة فصل ما هو مسيحي عما هو إسلامي في تكويننا، ولا تدرون كم امتزج هذان الدينيان في نفوسنا، وكم طبعت مسيحيتنا الإسلام بطابعها وانطبعت بطابعه. وتجهلون أن مسيحيتكم غريبة عنا، لأنها أيديولوجيا سوغت نهب الشعوب وظلمها، وتنكرت، في نظرنا، لذلك الناصري العظيم، الذي عاش على المبادئ والقيم، ومات من أجلها ومن أجل البشر.

دعني أطلب إليك، الآن، التفكير بحقيقة أن مسلمين عاديين، ليسوا إرهابيين وليسوا متعصبين، تركوا أندونيسيا وطنهم الأصلي، وجاؤوا إلى فلسطين لمقاتلة الصليبيين، وأن بعضهم سار خمسة عشر عاماً قبل أن يبلغ ميدان المعركة. دعني أخبرك أيضاً أن المسيحيين العرب رأوا في الإسلام عقيدة حررتهم من الرومان، المسيحيين مثلهم الذين كانوا يشبعونهم اضطهاداً وظلماً. وأنهم شاركوا في فتوح إخوانهم المسلمين وغزواتهم، وخاصة ضد الفرس، وقاتلوا الصليبيين، الذين ذبحوا منهم عشرات الآلاف في أنطاكية والرها والقدس واللاذقية وطرابلس ودمشق… إلخ. كما قاتلوا الاستعمار الحديث إلى جانب إخوانهم المسلمين، ويقاتلون اليوم وسيقاتلون غداً الصهيونية في فلسطين، مثلما سيقاتلون جنودكم، إن وطأت أقدامهم أرض العرب.

إذا قرأ مساعدك التاريخ الحديث، سيُخبرك أن المسلمين كانوا يفتحون مساجدهم للصلاة على موتى المسيحيين، في المدن السورية التي لم يكن يوجد فيها كنيسة، وأن هؤلاء كانوا يرفعون الصليب في المسجد ويُنشدون تراتيلهم الدينية بحرية، باعتبار أن المسجد كان، في تلك اللحظة، كنيستهم. سيُخبرك مساعدك أيضاً أن شيوخ المسلمين يسيرون اليوم، مثلما ساروا دائماً، وراء موتى المسيحيين، وأنهم يتقبلون مع ذويهم العزاء فيهم، ويقرأون الفاتحة على أرواحهم، ويُسمون قتلاهم في الحروب شهداء. سيقولُ مساعدكَ لك أيضاً أن فارس الخوري، المسيحي الدمشقي، مندوب سوريا اللاحق في الأمم المتحدة ورئيس وزرائها ومجلسها النيابي، كان يقف على منبر الجامع الأموي بدمشق، ليلقي خُطباً وطنية ضد الفرنسين تحضُ مواطنيه على النضال ضدهم وإخراجهم من سوريا. سأخبرك، عند هذه الوقفة، بشيء لا يعرفه مساعدك، هو أن الصهاينة لن ينجحوا في الانتصار على العرب والمسلمين، وأن وجودهم في فلسطين مؤقت، وأنهم سيغادرونها، في النهاية، وذيولهم بين سيقانهم.

دعني أحكي لك قصة ذات معنى: كنتُ ألعب ذات مرة مع طفلي، وكان في الخامسة من عمره، داخل منزلي الصغير. قلتُ خلال اللعب: سأخذ أنا دور العربي وتأخذ أنت دور الإسرائيلي، فشتمني وقال والدموع في عينيه: أنت الإسرائيلي وأنا العربي. ألا تقول لك هذه القصة أن لا مستقبل لإسرائيل في منطقتنا، مهما اعطيتموها من سلاح وقدمتم لها من عون، وأنها ستُهزم، في النهاية، وإن فلسطين ستعود عربية وإسلامية، ولو هلكنا عن بكرة أبينا، جيلاً بعد جيل.

دعني أخبرك أيضاً أن فلسطين هذه، التي تعتقدون أنها صارت إسرائيل، لم تكن حاضرة مثلما هي حاضرة اليوم في نفوس المسيحيين والمسلمين العرب وعلى امتداد دار الإسلام، وأن احتلالها من جانب غرباء لم يجعلها لهم ولن يجعلها، وأنكم ستعانون الأمرين لأنكم تساندون محتليها، ولأن أطفالنا يفضلون الموت كإرهابيين، في نيويورك وواشنطن وتل أبيب، على التعايش مع فكرة ضياعها أو وضعها الراهن. فلا تتوهم أنك تستطيع محاربة الإرهاب وأنت تدعم إرهابيين يهوداً يحتلون جزءاً من وطننا. وإياك أن تعتقد للحظة أننا نتعاطف، أو يمكن أن نتعاطف يوماً مع حربك ضد إرهاب استهدفك، إن لم تتعاطف أنت معنا ضد إرهاب إسرائيلي يستهدفنا منذ نيف وقرن. أقول هذا وأكرر أنني تعاطفت بصدق مع ضحايا مركز التجارة العالمي، وتمنيت لو كان فارغاً لحظة أطاحته الطائرتان.

–  ثمة سيناريو أخير هو الحرب الطويلة التي تُعدون أنفسكم والبشرية لها، وتعتقدون أنها ستكون حربها، لمجرد أن أميركا، التي كانت هدف الإرهاب، ستشنها. هذه الحرب تقف على رأسها، لأنها تعالج نتائج سياساتكم ولا تتصدى لأسباب الإرهاب، الكامنة فيها بالذات. ماذا ستفيدون من قتل الشيخ أسامة بن لادن، إن بقي العالم عرضة لليبراليتكم المتوحشة، التي تُجوعه وتُفقره وتُفقده استقلاله وقدرته على تقرير شؤونه بحرية؟ هل تعتقدون حقاً أن الشيخ أسامة سيكون آخر الإرهابيين، إن بقيت أوضاع القسم الأكبر من البشرية على ما هي عليه اليوم؟ ليس الشيخ أسامة سبب الإرهاب، إنه نتيجة وحسب من نتائج إرهاب كوني يتواصل منذ قرون، يتخذ في حالات كثيرة شكل ما تسمونه تمديناً لنا، فلا خلاص لكم من الإرهابيين بغير الخلاص منه، مع أنه نتاج سياساتكم وعقلياتكم، التي ولدتهُ ورعتهُ، وها هي تحاول البقاء عليه والاستعاضة عن قتله بقتل أشخاصٍ تنسبون إليهم الإرهاب، وتنسبون إرهابهم إلى غير أسبابه الحقيقية، وتزعمون أنه نتاج معتقدهم الإسلامي وأصلهم العربي ونمط حضارتهم المتأخر، بينما هو، في حقيقة الأمر، نتاج حضارتكم، التي بنت بلدانكم ودمرت بلداننا، ومنحتكم الحرية وفرضت علينا الاستعباد، وأعطتكم التقدم وتركت لنا التأخر، وجاءت بكم إلى العالم وأخرجتنا من التاريخ، ومنحتكم تفوقاً رأيتم فيه امتيازاً عرقياً وعنصرياً لكم، ونرى فيه موتنا، ولا نجد سلاحاً يحمينا منه غير الإسلام  والعروبة، الهدف الحقيقي لحربكم ضد ما تسمونه الإرهاب، الذي تعزون إليه ما يجري، كي تتجاهلوا أنكم أنتم أصلُ كل بلاءٍ وسببه.

فهل تعتقد أنكم ستنتصرون بحسابات خاطئة كهذه تقلب الأمور رأساً على عقب، وتجعل النتائج أسباباً والأسباب نتائج، وتضع البريء في كرسي المجرم، والمجرم في كرسي القاضي، وتَكِلُ علاج مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية إلى السلام، تستعرض به عضلاتها، علها تخيفُ قوماً قاد بعضهم طائرات مدنية إلي مركز التجارة العالمي والبنتاغون وهو يعرف أنه سيتلاشى تماماً، وسيتحول إلى نتف لن تترك أثراً وراءها! يا لافتقاركم إلى الفطنة!

سيادة الرئيس، عندما تهاجم أفغانستان، من أجل قتل فرد هو الشيخ أسامة بن لادن، فاعلم أنك لا تهاجم شخصاً، بل بلداً وشعباً وديناً وأمة ينتمي إليها مليار ومئتا مليون إنسان ينتشرون في أربع اقطار الأرض، وأنك تهاجم شركاءهم المسيحيين في الحضارة والتاريخ والثقافة والمصير، ومنهم كاتب هذه الرسالة. ليست معركتك الحقيقية ضد الشيخ أسامة، ولن تبقى عنده، متى بدأت. أراهنك أنك ستواجه مئات ملايين الناس، الذين يعرفون ما تعرف: أن الحرب ليست ضد شخص، وليست ضد إرهابيين، وأنها حربُ حضارات وأديان وثقافات وهويات ومصالح وسياسات ودول وأمم وشعوب وقبائل، لذلك لن تكون كغيرها من الحروب: من حيث طبيعتها وزمنها ونتائجها. ولا أبالغ إن قلت: أن أميركا لن تخرج منتصرة منها، إن بقيت بعدها ما هي اليوم: دولة- عالماً، متقدمة ومتفوقة. صدقني أن بلدك سيخسر الحرب، وأنه لن يتمكن من هزيمة الإسلام وقهر عالم يقاتل منذ ألف وخمسمئة عام، يعتقد أن الموت في سبيل الحق خيرٌ من الحياة في الباطل والذل، وأن الإنسان هو القوة التي تهزم أية قوة أخرى، إن كان مؤمنا بأهدافه ومصمماً على الانتصار. هل أذكرك هنا. مرة أخرى، بفشل الصهيونية في كسب الصراع على فلسطين، رغم دعم الغرب بقضه وقضيضه لها، بالتتابع والتوالي، على امتداد قرن ونيف؟

سيادة الرئيس، أنصحك أن توقف هجومك على أفغانستان، وأن تمتنع عن مهاجمة غيرها من ديار الإسلام، وأن لا ترى في الشيخ أسامة بن لادن شخصاً يكثف الإرهاب، في موته موت له. كن منطقياً وفكر بالأسباب التي جعلت رجلاً معزولاً، مجرداً من جنسيته وملاحقاً، ينجح في تجنيد متعلمين ومثقفين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وفي كسبهم لقضية تعدهم بالموت. هل تعتقد أنه أغراهم بالنقود؟ ما نفع النقود لشاب قرر جعل موته وشيكاً؟ أم هو الهوس الديني والتعصب؟ هل تعتقد أن آلاف العلماء والفيزيائيين والكيميائيين والمهندسين والمحامين والأطباء والبشر العاديين بحاجة إلى رجل كالشيخ أسامة بن لادن، كي يقتنعوا بقضية يموتون من أجلها، وهم في مقتبل العمر وعز الشباب والعطاء؟ فكر جيداً بما تراه عيناك، وإلا غرقتَ في حربٍ ستلدُ حروباً، وهلك الأميركيون في مجاهل الدنيا بلا طائل.

ليس الإسلام وحضارته من أنجب الإرهاب، وليس الشيخ أسامة بن لادن من يجعل آلاف البشر اليوم وملايين البشر غداً إرهابيين. أنتم سيادة الرئيس سبب الإرهاب وأصله، وفي يدكم علاجه ودواؤه، فاختر الحكمة والتعقل، وصارح أمتك العظيمة بالحقائق، وافتح صفحة جديدة في تعامل دولتك مع البشرية، تقوم على احترام حقوق الآخر ومصالحه وهوياته وحضاراته، وعلى التعامل معه كندٍ له الحق في الحرية والاستقلال والديموقراطية. عندئذ، ستنتهي سياسة الكيل بمكيالين، وسياسات دعم الاستبداد والمستبدين، وسينتهي الارهاب بانتهاء أسبابه، ولن يوجد من يذكركم بوجوده وحقوقه بواسطة الطائرات المختطفة، والمباني المدمرة، والأشلاء البشرية المبعثرة، وستعيشون ونعيش في حريةٍ وسلام.

 

* كاتب وباحث ومحلل سياسي سوري راحل، رحمهُ الله

المصدر: النهار في يوم الجمعة 2 تشرين الثاني 2001