الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الثورة الثقافية طريق النقد والتجاوز

   نستعير هذا العنوان من مقالة للراحل جمال الأتاسي في الذكرى الثانية والعشرين لرحيله-التي صادفت 30 آذار- هذه المقولة التي أكد عليها مراراً وتكراراً فـ” طريق الحل هو الارتباط بالثورة الثقافية، لأن الثورة الثقافية هي معرفة نقدية تحيط بالواقع من كل جوانبه ولا بد لها في حركة نقدها أن تتناول كل مقوماته وقواه “.

   وعلى حد تعبيره فـ” القوى مطالبة أن تنقد الواقع وتحلله، لا تتناول النظم الحاكمة وحدها بل وأن تتناول حركتها ذاتها- حركة المعارضة- “.

   ولعله الوقت المناسب- وإن كان متأخراً- لقراءة الواقع بعد انقضاء أحد عشر عاماً على بدء الثورة ودخولنا في العام الثاني عشر وخصوصاً وأن العالم في هذه اللحظات يقف على مفترق طرق بعد بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، وبدء فك العزلة ولو جزئيا عن إيران، وبداية ظهور ملامح لتكتلات واصطفافات دولية جديدة، لكن مع قراءة هذه الواقع الدولي والاقليمي الجديد الآخذ بالتشكل، وربما قبله، لا بد لنا من قراءة واقعنا السوري لا قراءة لرفع  اللوم والعتب، بل قراءة نقدية للذات أولاً ثم للآخر ثانياً، ونقد الذات اولاً لأنه الطريق الوحيد لقبول الآخرين بالنقد، ما عدا ذلك سيكون هجوماً وتصيداً لأخطاء الآخرين، وإمعاناً في شق الصفوف وتفتيت المفتت.

   هذا النقد الذاتي مطلوب من الجميع بل هو واجب على الجميع دون استثناء بهدف اصلاح ما يمكن اصلاحه.

   نقد على مستوى التحيزات الأيديولوجية التي أدت إلى اصطفافات  كثيراً ما ضحت بأهداف أو مصالح الثورة لصالح أهداف فئوية ضيقة، وكثيراً ما كان المعيار المصلحي هو الذي يشكل البوصلة بدلاً من المعيار الأخلاقي الملتزم بدماء الشهداء، وتضحيات المعتقلين والمعتقلات.

   ومراجعة ذاتية للأفراد والتيارات على مستوى العمل العام اليومي، حيث تحول العمل بالشأن العام- في بعض مؤسسات الثورة أو حتى بعض أفرادها- إلى عمل روتيني أشبه ما يكون ببعض وظائف الدولة في القطاع العام كإثبات وجود فقط من دون أية انتاجية، وعلى حد تعبير المثل الشعبي ” غيّب شموس واقبض فلوس “.

   ربما هناك مرض آخر فنحن نعرف بالضبط ما لا نريد، ولكن لا نعرف ما الذي نريده، نفكر بالهدم ولا نفكر بالبناء، فجميع السوريين في صف الثورة يعرفون أنهم لا يريدون بقاء الأسد، لكنهم في المقابل لا يعرفون أو لا يتفقون على ماذا يريدون بعدَ ” لا بقاء الأسد “،

   ولعلنا نحمل جميعاً ولو بنسب متفاوتة تلك العقلية الاقصائية التي عبر عنها القذافي إبّان الثورة الليبية ” من أنتم؟ ” فحتى خلال الثورة جرى التمييز بين قوى الثورة والمعارضة، وكأن المعارضة التي قدمت كل تلك التضحيات من عام 1963 إلى حين قيام الثورة هي شيء قبيح ومرذول، هذا ما جعلنا بعيدين كل البعد عن تشكيل جسم يعبر عن الثورة، ويكون ممثلاً شرعياً لها، ليس بتوافق دولي فقط، بل برضى شعبي أيضاً.

   كان حريّ بالتجمع الوطني الديمقراطي، الذي كان من أهم تحالفات المعارضة على مدى أزيد من عشرين عاماً، والذي كان أحد أهم مؤسسيه الراحل الدكتور جمال الأتاسي، أن يلعب دوراً مهماً، بل ومحورياً في الثورة، وهذا أيضاً يستوجب قراءة نقدية لما جرى بعد غياب الدكتور الأتاسي وتناتش الزعامة بين قيادات لم تكن على مستوى اللحظة التاريخية، فوأدوا التجربة مما أفسح المجال للكثير من معارضي الصدفة وممتهني الارتزاق والتبعية لتصدّر المشهد، ومن ثم بيع الوهم وتضحيات شعبنا الحر ودماء شهدائنا، ولازالوا .

   ونختم بمقولة معبرة للراحل جمال الأتاسي ” وكل من وضع أمله في هذه الثورة، أو أسهم فيها بشكل أو بآخر، مُطالب بالمراجعة وبنقد متعمق لنفسه ومساره، بل وللقناعات التي شكلها كمصادر كان يحكم من خلالها على الواقع والأحداث والآخرين . مثل هذه المراجعة النقدية مطلوبة، من كل مفكر ومن كل حركة أو حزب، وبدونها لا يستطيع أحدنا الوصول إلى موقف صحيح في تقييم هذا الواقع والتصدي له، فهو واقع قد شاركنا، ولو بتصوراتنا ونقائصنا وعدم بعد نظرنا ونظرتنا على الأقل، في ضعفه . وتلك مسألة لا بدّ منها للإمساك من جديد ببدايةٍ صحيحة “.