الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

المفكر الناصري الدكتور جمال الأتاسي: الأنظمة القُطرية دمرت المرتكزات الاستراتيجية لنهوض الأمة(1/2)

أحمد مظهر سعدو

  • الحقبة الإسرائيلية ومستقبل هذه الأمة، وأسس إعادة نهضتها، وما يدعى بالتسوية العربية- الإسرائيلية، وكيفية الحد من الهيمنة الصهيونية مقابل الذل العربي هي المحور الأول للقاء الدكتور الأتاسي والذي قال فيه:

ما من أحد يستطيع أن يماري في أننا نعيش حقبة مظلمة من تاريخ أمتنا العربية. وأياً ما ساعدت تطلعات البعض المستقبلية فيما مضى، فما كنا نتصور أن هذه الأمة وبكل تاريخها وكل ما تحمله من إمكانيات، يمكن أن تصل إلى مثل هذه الحالة التي وصلت إليها من الضياع وانعدام الوزن، بحيث أصبح أعداؤها هم المتحكمون في مصادرها وأقدارها.

إنها حقبة بلغ فيها التراجع العربي أقصى مدى، أو هذا ما يبدو للعيان، فبعد حقبة من النهوض القومي، مهما قيل اليوم عن مصاعبها وعثراتها، كانت بحق حركة نهوض وتقدم لشعوب الأمة، لحركة التحرر العربي، شقت بها طريقاً نحو أهداف الأمة في الاستقلال والوحدة، وأعطتها مقومات استراتيجية ومرتكزات في مواجهة أخطر التحديات وهي حركة ما استطاعت هزيمة الجيوش في حرب حزيران عام 1967، في مواجهة الحلف الصهيوني- الأمريكي، أن تأتي عليها وعلى مشروعها وعلى صمود شعوبها وعلى مقومات تجددها: لولا أن أخذتها بعد ذلك حركة الردة والثورة المضادة من داخلها، لتدشن بعد ذلك، وبعد فك الاشتباك في حرب تشرين، والمناداة بإنهاء الحرب، دون أن تحقق أهدافها كحرب تعبأت لها الأمة لإزالة آثار عدوان حزيران (والتي قال عبد الناصر فيها، إنها معركة لا بديل فيها للعرب عن النصر): لتدشن التراجع عن هذا الهدف وعما يأتي بعده من أهداف الأمة، ولتعمم ضياع هذه الأنظمة القطرية السلطوية والسلطانية في أقطار الوطن العربي والتي كان لها، ومن حيث النهج التي سارت عليه في الانفتاح والتابعية للخارج وفي الانغلاق والتسلط في الداخل، أن دمرت المرتكزات الاستراتيجية لنهوض الأمة الواحد تلو الآخر، وأولها حرية شعوبها وإرادة المقاومة والتحرير لشعوبها والتماسك الوطني لمجتمعاتها الشعبية، وحفظ النهوض والتقدم على طريق الاستقلال والوحدة لحركة شعوب الأمة.

كما كان لها أن دمرت أول ما دمرت دور مصر القومي وموقعها القيادي كمرتكز لمقاومة الأمة، وكضرورة من حيث بناء كيانها الوطني ككيان يتماشى مع الأمة العربية ومصالحها الكبرى وأهدافها في النهوض والوحدة.

إن محمد حسنين هيكل كشاهد عصر، وكقارئ نافذ للتاريخ وحركة التاريخ- كما يطيب له أن يقدم كتاباته وأفكاره- يقول بأننا وفي هذه المرحلة من تقهقرنا التاريخي، نمر بحقبة إسرائيلية، لهيمنة إسرائيل ومعها شريكها الأمريكي الكبير، على مسارات هذه المنطقة من العالم وعلى المصالح فيها وتوجيه حركة الأحداث، بينما الأمة العربية في انقسام وغيبوبة شبه تامة عن الإمساك بمقاديرها وأهدافها.

ولكن هيكل في قراءته للتاريخ ومتابعته لحركة الأحداث في هذه المنطقة وفي العالم يضعنا أمام ثلاث حقب تعاقبت، فهناك حقبتان سبقتا هذه الحقبة أو هذا ((الزمن الإسرائيلي)) الذي يتقدم على حساب مشروع نهوضنا القومي ويتحدى وجودنا العربي والفلسطيني، ولقد جاء مصطلح الأستاذ هيكل على تسمية الحقبة الأولى التي بدأت في الخمسينات بحقبة ((الثورة)) وصعود حركة الثورة، وهي حقبة النهوض الناصري التي جسدت ثورة حركة الشعوب وعودة العرب كاملة إلى مسرح التاريخ والفعل.. الحقبة التي أخذت فيها مصر الثورة، مصر عبد الناصر دورها العربي والإقليمي، بل والعالمي، في قيادة حركة تقدم الأمة نحو أهدافها. وأعطت القدوة لقيام الدولة الوطنية على صعيد القطر كدولة قومية أي كدولة للأمة، ولكل الأمة العربية، وكمرتكز نهوض جديد لهذه الأمة وتقدمها على طريق أهدافها، وفي مواجهة أعدائها، تلك الحقبة، سادت فيها حركة وعي قومي وتطلع للاستقلال ولوحدة شعوب الأمة، وتقدمت في حركة الشعوب قيم الثورة الوطنية والديمقراطية لمهماتها السياسية والاجتماعية والتنموية المستقلة. ولكن حقبة الثورة هذه تراجعت وانحسرت في السبعينات لتُخلي الساحة لما يسميه هيكل بحقبة ((الثروة)) أو ((الحقبة النفطية)) وصعود دور أنظمة النفط والثروات النفطية المتزايدة، وقيم الاغتناء والمال المتدفق على الحكام، لتغطي على قيم الحرية والاستقلال والنضال، ويصبح دور الدول والدويلات النفطية هو المؤثر والمتقدم والذي يعطي القدوة والمدد لإعادة تشكيل أنظمتنا القطرية وطبقاتها الحاكمة المغتنية على حساب إضعاف مجتمعاتها وسلطتها على حركة شعوبها وإفقارها.

فحقبة الثروة والنفط تلك والتي خرجت بالأمة عن طريق الثورة الوطنية والتحرير والوحدة هي الحقبة التي نسميها نحن الناصريين، بحقبة التراجع والردة أو حقبة الثورة المضادة.. والتي تميزت أول ما تميزت بالارتداد في مصر ضد النهج الناصري، وتخلي مصر السادات عن دورها القيادي العربي والتزاماتها القومية وانخراطها في مسار التابعية للهيمنة الأمريكية ومسار كامب ديفيد، كما تميزت أيضاً بعجز القطار المشرق العربي التي تحمل شعارات الثورة والتحرير والوحدة، عن أن تقدم بتضامنها وصوتها مرتكزاً بديلاً يستنهض تجمع قوى الأمة، بل حل الانقسام وحلت الفرقة، وتعمم نمط الأنظمة القطرية والآخذة بالتراجع عن التزاماتها القومية، والمتكفلة إلى قطريتها وسلطويتها القطرية والمنخرطة في مسمار التابعية للخارج وللمركز الرأسمالي العالمي.. مسار إخضاع مجتمعاتها وقهر شعوبها.

إن تلك الحقبة الثانية المرتدة والتي أوهنت قوى الأمة وأوقعتها في التشتت والعجز، هي التي فتحت كل الثغرات في جسد هذه الأمة أمام الحملة الأمريكية- الإسرائيلية المركزة لقهر أمتنا والهيمنة على المنطقة، ولتحل بنا وبمنطقتنا العربية هذه ((الحقبة الإسرائيلية)). وبمقدار ما أخذت تتراجع المقومات والمرتكزات الاستراتيجية لمشروع نهوضنا القومي على طريق الاستقلال الوطني والتحرير والوحدة والتنمية المستقلة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري والانكفاء لمواقع القطرية والتابعية.

أخذ المشروع الصهيوني الإمبريالي يتقدم في المنطقة ويتعمم تحت عنوان هذا النظام الشرق أوسطي الجديد، بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتدمير كل  ما يمكن أن يعترض سبيله من مقومات للتضامن العربي والأمن القومي، ومن مواقع وقوى أو تحصينات عربية في حرب الخليج الثانية والرهيبة وما جرّته من نتائج مدمرة لتضع بعد ذلك العديد من أنظمتنا الحاكمة في هذا المسار الاستسلامي، المسمى بمسار التسوية السلمية الذي حيكت أواصره ومقدماته انطلاقاً من ((مؤتمر مدريد)) ووصولاً إلى ما وصلنا إليه من اختراقات لأنظمتنا ومجتمعاتنا، باسم السلام والتسوية والتطبيع وفتح الأسواق والتنمية الاستهلاكية، ولترتفع نجمة داوود علماً في سماء عدد من العواصم العربية، وفي الوقت الذي أصبحت فيه واشنطن هي المرجع والموئل ((الحميم)) لقادة الأنظمة والحكومات العربية، وكأنها تكرس بتراجعها المُهين ((حقبة إسرائيلية)) فحلقات السقوط والتراجع العربي تتوالى . بينما يتقدم المشروع الصهيوني الأمريكي هذا الشرق أوسطي الهادف إلى إلغاء وجودنا كأمة عربية وقطع طريق مستقبلنا.

ما هذا إلا استعراض أو قراءة لحقب توالت، ولكن السؤال يبقى فيما إذا كنا نُمسك بعدَ هذا برؤية للمستقبل وآمال المستقبل، وبعد السقوط في شراك هذه ((الحقبة الإسرائيلية)) والسيطرة الأمريكية ما السبيل بعد هذا التراجع والانقطاع، إلى إعادة تأسيس نهوضي أو تجديد لمسار نهوض أمتنا؟

إن واقعنا العربي بائس اليوم والإحباطات كثيرة والتحديات خطيرة، ومستقبل هذه الأمة، أمتنا المستباحة من أعدائها والمكبلة بقيود أنظمتها ((القطرية)) تلك الأنظمة التي ضغطت كثيراً واستكانت في مواجهة الأعداء والاختراقات الخارجية، بينما قويت وتغطرست واشتدت كثيراً ضد شعوبها، بحيث وصل بعضها إلى أن يشن حرب إبادة ضد شعوبها أو فئات منها، هذا المستقبل مرهون بتجدد يقظة حركة شعوبها، وقدراتها على الدفع بحركة التغيير الحقيقية لساحة الفعل والتأثير، وما قويت أمتنا في حقبة غير بعيدة على المواجهة والتصدي إلا بنهوض حركة شعوبها، ومن هنا يأتي التركيز اليوم على الطلائع والقوى المهتمة بمصير أمتها ومستقبلها،  للدفع بحركة التغيير، الديمقراطي لأنظمتها ومجتمعاتها، بحيث تسترد الشعوب كرامتها وإرادتها الحرة لمجتمعاتها باستقلاليتها وحداثتها ومقومات نهوضها ووحدتها.

ولكي نتطلع للمستقبل أو لكي نستطيع طرح تصور للتحرك نحو المستقبل وأهداف المستقبل، لا بد لنا من التحكم في هذا الحاضر المأزوم لأمتنا وأنظمتنا ومجتمعاتنا، ومن الوقوف على مرتكزات لإيقاف هذا التراجع والسقوط الذي تتوالى حلقاته، للخروج بالأمة من ((حقبة إسرائيل)) ومسيرة الاستسلام، ومن الوقوف على خط ناظم بحركة تقدم شعوب هذه الأمة ونهج استراتيجي وبرنامج يجمع قواها، لردّ العدوان وللتحرك نحو المستقبل وليس من مستقبل إلا في وحدة هذه الأمة وفي أن يكون لها الاستقلال والسيادة في أرضها ومنطقتها، وأن يكون لها دورها في العالم.

لستُ بالباحث الذي يطمح للتحقيق في السيناريوهات التي ترسم احتمالات للمستقبل والتوقعات إنما في مواجهة هذا العناد الكبير، لا بد من تحري كل الوسائل والأسباب لاستنهاض حركة الشعوب، لكي تستعيد حركة الشعوب عنفوانها وإرادتها الحرة في صنع مستقبلها وثمة مشروع ومشاريع أو بالأحرى عناوين متداولة لمقومات نهوض الأمة، أو مبادئ عامة لأسس إعادة هذا النهوض وأنا لا أرى تصوراً في تأسيس جديد لحركة نهوض أمتنا العربية، أو من أسس لإعادة نهضتها إلا في التواصل مع ما انقطع من مسار نهضوي كانت فيه مصر الناصرية، مصر الثورة القدوة والنبراس، ومن تطلع لكل الدوائر والأهداف التي كان يتطلع بها للمستقبل، وكان نهوضاً في المواجهة وليس في الاستسلام أمام الحلف الأمريكي الصهيوني الذي يقوم اليوم بمنطقتنا، بل ويخرجّنا كأمة عربية وكمقاومة عربية لمشاريعه من التاريخ.

فالرئيس كلينتون عندما وقف خطيباً ليبارك توقيع الاتفاق الأردني الإسرائيلي قال ها نحن بصدد إعادة كتابة التاريخ، وإذا به لا يرى من بداية لتاريخ المنطقة إلا منذ وقوع مصر في مسار كامب ديفيد بعد أن بدأ سجله بزيارة قبر السادات، ليقف بعد ذلك في وادي عربة مندداً بالذين يقاومون التطبيع مع إسرائيل ومسيرة السلام، ولينادي كما نادى بعد ذلك وبعد كل حادث مقاومة، أنتم الماضي ونحن المستقبل!!

أما شمعون بيريز، وزير خارجية إسرائيل الحالي ذلك المهندس ((للحقبة الإسرائيلية)) ولصهينة المنطقة فقد سطر في كتابه ((شرق أوسط جديد)) حكّمه وهي ((علينا أن نعرف كيف ومتى نتجاهل التاريخ فنحن لا نستطيع أن نسمح للماضي بصياغة تصورات راسخة يمكن أن تُفشِل قدراتنا على بناء طرق جديدة في التفكير والتصرف..)) وليضيف بعدها، ((إن الانسلاخ عن الماضي يعطي ميزة خاصة تتمثل في عنصر المفاجأة..)) فأي طرق جديدة وبأية مفاجآت، إلا محاولة سلخنا عن ماضينا وقطع طريق مستقبلنا وإلغاء هويتنا الثقافية والحضارية ووضع مشاريع إسرائيل والإمبريالية الأمريكية في الاقتصاد والهيمنة محل كل القيم الوطنية والقومية وفي معاداة العروبة والإسلام؟؟ ونحن نعيش اليوم حقبة من الانهيارات الكبرى في العالم وكل الأمم والقوى ترصد التغيرات وتعيد حساباتها، والكثير يتطلع إلى يقظة إنسانية جديدة لحركة الشعوب، وأمتنا المأزومة في حاضرها والتي تفتش عن مرتكز للتجمع والمواجهة لتخرج من حقبة الردة والضياع ولتتحرك نحو أهدافها المستقبلية، لا بد لها أن تصل ما انقطع من مسيرة نهوضها وتقدم حركة شعوبها على طريق الثورة الوطنية والتحرر والوحدة، كما لا بد لنا أن نتعلم من التجارب التي مرت بها أمتنا في مواجهة المخاطر والأزمات التي مرت بها.

وأعود هنا لأستشهد بوقفة كانت لأمتنا وبمواقف كانت لمصر ولقيادة عبد الناصر في مواجهة أزمة قومية كبيرة ونكسة من أخطر النكسات التي مرت بها أمتنا، والتي ما زلنا نرزخ تحت أعبائها حتى اليوم، عندما ضربتنا الهزيمة في حرب حزيران عام 67، وكاد كل شيء يسقط لولا أن وقفت جماهير الشعب المصري وقفتها المجيدة في التاسع والعاشر من حزيران، ووقفت معها شعوب الأمة . تحركت مقاومتها لتوقف الانهيار وترد على العدوان فثورة شعوبنا لم تسقط إرادتها بعد انكسار الجيوش في معركة حزيران، وإنما أسقطتها بعد ذلك، وبعد حرب تشرين التي كادت أن تكون مجيدة، لولا أن ضربتها الردة والأنظمة القطرية المرتدة بعدها.

لم تستسلم الأمة وقامت حركة مواجهة ونقد وعاد عبد الناصر ليجدد بناء قوة الأمة ومرتكز مقاومتها كما لم يفعل من قبل. وسكت عبد الناصر أشهراً قبل أن يقدم في 30 مارس (آذار) بيانه للأمة ومنهاج مواجهته لآثار الهزيمة والتحرك على طريق التحرير وطريق المستقبل.

وفي بيان عبد الناصر للأمة في 30 مارس وقف ليقول: ((الآن يصبح في إمكاننا أن نتطلع إلى المستقبل… وقبل الآن فإن مثل ذلك لم يكن ممكناً إلا بالاستغراق في الأحلام أو الأوهام، وكلاهما لا تستسلم له الشعوب المناضلة فضلاً عن أن تقع فيه، بينما هي عند مفترق الطرق الحاسمة وأمام تحديات المصير.. قبل الآن لم يكن بمقدورنا أن ننظر إلى أبعد من مواقع أقدامنا، فلقد كنا على حافة جرف معرض للانهيار في أي وقت، وكان واجبنا يحتم علينا قبل كل شيء أن نتحسس طريقنا إلى أرض أصلب تتحمل وقفتنا، وأرض أرحب تتسع لحركتنا، ولقد كانت جماهير الشعب بموقفها يومي 9 و 10 حزيران، هي التي جعلت ذلك قابلاً للتحقيق بفضل ما أظهرته من تصميم يرفض الهزيمة ويثق في النصر…)) وبهذا قدم عبد الناصر لبرنامجه الذي استفتى عليه الأمة، برنامجه الوطني والقومي في بناء الأمة وقوة الأمة، ((برنامج للتغيير يستجيب للآمال العريضة التي حركت جماهير شعبنا إلى وقفتها العظيمة يومي 9 و 10 حزيران.. برنامج يكفل وصولنا إلى الأهداف القريبة لنضالنا، يقرب منا يوم الوصول إلى الأهداف البعيدة..))

وتحرك عبد الناصر بمصر وشعب مصر، وبالأمة وما تعطي شعوب الأمة على طريق معركة ((إزالة آثار العدوان))، وتحرير الأرض، كل الأرض التي احتلها العدوان الإسرائيلي في حرب حزيران، معركة صمم عليها وعلى أن لا بديل فيها عن النصر، ليرفع نكسة عن كاهل هذه الأمة لتعود وتتقدم بالديمقراطية، وبثورة ديمقراطية ومراجعة نقدية، ثورة ثقافية بعد ذلك على طريق الأهداف الكبرى والنهوض الحضاري بالأمة. ولكن القيادة الساداتية بعد عبد الناصر، توقفت بحرب تشرين عام 73 منذ يومها الثالث عن أن تكون هذه الحرب حرب تحرير وإزالة لكل آثار عدوان حزيران، ليوقفها دون ذلك وليمولها إلى حرب ((تحريك)) وليتحول عن أهداف النضال الوطني القريبة والبعيدة لينادي بالاستسلام أمام القوة ((الأمريكية)) التي لا قدرة له وللأمة على مواجهتها، حيث وضعته أمريكا في مسار كامب ديفيد، لتتوالى بعد ذلك حلقات التراجع والردة ولتنخرط بعد ذلك في هذا المسار المهين لتسوية ((الصراع العربي الإسرائيلي)).

مسار سقفه الأعلى اليوم ((كامب ديفيد)) الماضي.. تسوية، لا بل هي صهينة، للمنطقة، وهي تسوية لم تعد على الأبواب بل هي أخذت تخترق الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر، وتخترق الحدود والمجتمعات، لنعود ونفتش عن أرض صلبة ومرتكز مُحدَد لإيقاف السقوط أرض تتحمل وقفة قوية في المواجهة، للحد من هذه الهيمنة على مقدراتنا وللتصدي للمشاريع الغازية، ليكون لنا بعد ذلك أن نتحدث عن المستقبل.

فليسّمح لنا إذن بوقفة عند مسار التسوية، قبل استكمال الحديث عن أسس النهوض وعن المواقع والمرتكزات التي يمكن التحرك منها للنهوض، والتي تضع قوى الأمة وطلائعها أمام مهمات ثورة قومية ديموقراطية عربية جديدة. ولننتقل إلى الموضوع الثاني ((والسؤال الثاني)) عن تلك التسوية الداخلة علينا، وعن إمكانية التصدي لها والخروج من إسارها فمنظورنا للمستقبل ولنهوض جديد للأمة العربية، ولوحدة هذه الأمة، إنما يتوقف على حركة شعوب الأمة وقدرات طلائعها وقواها، على إيقاف هذا المسار العربي المتراجع والساقط في إسار الخضوع للهيمنة الأمريكية الإمبريالية، والذي يفتح الأبواب أمام المشروع الصهيوني والهيمنة الإسرائيلية، ويكرس امتداد هذه ((الحقبة الإسرائيلية)) كما يسميها هيكل.

يتبع.. غداً (2/2) بعنوان: (المطلوب إعادة تأسيس القضية الفلسطينية كقضية قومية مركزية)

المصدر: المجد الأردنية نشرته في يوم الاثنين 13 شباط/ فبراير 1995