الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أحمد الخطيب.. رابع أربعة

صقر أبو فخر *

في صيف عام 1951 التقى في مقهى محيو في بيروت أربعة طلاب: جورج حبش ووديع حداد (من فلسطين) وأحمد الخطيب (من الكويت) وهاني الهندي (من سورية)، ومعهم أربعة آخرون: صالح شبل (من فلسطين) وحامد الجبوري (من العراق) وحمد الفرحان (من الأردن) وثابت المهايني (من سورية)، وأقرّ الثمانية تأسيس منظمة الشباب القومي العربي التي تحوّلت في سنة 1956 إلى حزب سياسي اتخذ في 1958 اسم حركة القوميين العرب. وكانت الحلقة القيادية مؤلفة من جورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد وأحمد الخطيب، علاوة على صالح شبل وحامد الجبوري. والواضح أن حبش وحداد والخطيب كانوا أطباء، فيما كان الهندي دارساً للعلوم السياسية. وقيل آنذاك، تندراً، إن حركة القوميين العرب كانت مريضة منذ البداية، لأن ثلاثة أطباء تولوا قيادتها. ومهما يكن الأمر، فقد اتخذت منظمة الشباب القومي شعاراً مثلّثاً، “وحدة، تحرّر، ثأر”، وكانت صرختها الحربية “دم، حديد، نار”، ما دعا رئيس وزراء لبنان، سامي الصلح، إلى مفاكهتهم بلسان تركي، قائلاً: “بابا، هيدي ثورة ولّا شاورما؟”. ويروي بعض قدامى حركة القوميين العرب أنهم اتفقوا على عدم الزواج قبل تحرير فلسطين، وعدم ارتياد أماكن اللهو، بما في ذلك المقاهي، وحتى عدم التبسّم. ويضيف أحمد الخطيب، في مذكّراته “الكويت من الإمارة إلى الدولة… ذكريات العمل الوطني والقومي” (المركز الثقافي العربي، بيروت، 2007) أن القواعد السلوكية لدى ذلك الرعيل كانت تنصّ على عدم التدخين في الاجتماعات، وتحريم الجلوس في مقهى “الأنكل سام” ومنع شرب الخمر، والامتناع عن الاختلاط بالفتيات. وظل كثيرون، حتى آخر يوم في حياتهم، يرفضون تقبّل التهاني في الأعياد، ويقولون: “عيدنا يوم عودتنا”. وقد اختبرتُ ذلك بنفسي مع الراحلَين رفعت النمر وأحمد اليماني. ويروي أحمد الخطيب أن زواج جورج حبش في دمشق في عام 1961 “أحدث استياءً كبيراً عند كثير من الشبان”. ويقول أيضاً عن حبش إنه كان يتمتع بصوت جميل.

التقيت الراحل أحمد الخطيب في بيروت مرتين، في سنة 2006 على الأرجح، برفقة الصديق حسن ياغي الذي كان يدير المركز الثقافي العربي آنذاك. وكثيراً ما تساءلت عن مصائر ذلك الجيل الذي وُلد في عشرينيات القرن المنصرم، وكانت لهم أدوار لامعة هزّت سكون العالم العربي، وأيقظت الناس من إغفاءتهم، هؤلاء هم نفر نادر، أمثال ياسر عرفات (1929) وجورج حبش (1926) ووديع حداد (1927) وأحمد الخطيب (1928). حتى إن الشعراء المولودين في ذلك العقد أحدثوا ثورة في الشعر وفي شكل القصيدة وفي مضمونها أمثال بدر شاكر السياب (1926) ونازك الملائكة (1922) وعبد الوهاب البياتي (1926) ونزار قباني (1923)، وأدونيس (1930).

ولد الخطيب في أحد الأحياء الفقيرة في مدينة الكويت في 1928، وعاش طفولة مُعسِرة بعدما فقد والده ساعده الأيمن في واحدة من المعارك التي لم تكن تتوقف مع قبائل المنتفق. وبفقدان ساعده، فقد الوالد راتبه الشهري، وراحت الأحوال المالية تتدهور، حتى اضطر ابنه أحمد، فيما بعد، إلى العمل في حياكة الطاقيات، وذاق مرارة الجوع أحياناً. ولعل هذه الحادثة أثارت في نفسه عوامل الغضب، وفتحت عينيه على غياب العدالة في بلده. وتطوّر لديه حسّ المغايرة، والشعور بالتمايز الطبقي، منذ التحق بالمدرسة؛ فهو لم يكن يعرف ما هو المصروف اليومي (الخرجية)، وثياب العيد تُستعمل لجميع الأعياد والمناسبات، ولم يستطع أن يجاري أقرانه في نشاطهم مثل الانضمام إلى الفرقة الكشفية المدرسية، ولم يمتلك درّاجة هوائية قط. وزاد الاحساسَ بالنقمة لديه مشهدُ إعدام محمد المنيّس، وهو أحد قادة الحركة الديمقراطية في الكويت. وهذه الحوادث جعلته يتطلع إلى الأفكار التي من شأنها أن تزوّده بوعود من العدالة والمساواة. وفي تلك الحقبة، بدأ يتعرف إلى الفكرة القومية العربية وإلى قضية فلسطين على أيدي المعلمين الفلسطينيين في المدرسة المباركية. وهؤلاء كان المفتي الحاج أمين الحسيني قد أرسلهم إلى الكويت للمساهمة في ميدان التعليم.

اختير للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت في 1942، وكان في الرابعة عشرة، فسافر إلى البصرة، ثم إلى بغداد بالقطار، ثم إلى دمشق بالحافلة، حتى وصل إلى بيروت. وفي بغداد شاهد السينما أول مرة، لكنه لم يتمكّن من مشاهدة الفيلم جرّاء الإنهاك. وفي دمشق، شاهد كائناً عجيباً دُهش له أيما دهشة، وهو الترام. أما في بيروت، بعد التحاقه بالمدرسة الاستعدادية ما قبل الجامعة، فتعرّض للمضايقة من بعض الطلاب اليهود القادمين من فلسطين الذين تذرّعوا بإساءة استعمال الحمامات في أثناء وضوئه. ومع ذلك، كانت سنوات الدراسة في الجامعة الأميركية أجمل أيام عمره، وفيها اكتشف تعدّد الاتجاهات السياسية، وتعرّف إلى بعثيين وقوميين سوريين وشيوعيين وبعض المنتمين إلى حزب الكتائب اليميني.

وفي رحاب الجامعة، تعرّف أحمد الخطيب إلى الأمين العام لعصبة العمل القومي، علي ناصر الدين. وحين نظم الشباب القومي العربي ندوة لناصر الدين في طرابلس كان عنوانها “الثأر”. وحين أراد أعضاء المنظمة إصدار نشرة إعلامية جعلوا اسمها “الثأر”. وفي تلك الأثناء، انضم إلى حلقة قسطنطين زريق في نطاق جمعية العروة الوثقى مع صديقه وديع حداد. وفي الجمعية تعرّف إلى جورج حبش وهاني الهندي وصالح شبل وعماد الحراكي وناجي الضلّي، والأخيران من سورية. وكان الجميع يلتقون في بيت فتاة سورية تدعى أسماء الموقّع في رأس بيروت، وأطلقوا عليه اسم “بيت الأمة”. وأسماء الموقع من دمشق، التحقت بمجموعة الشباب القومي العربي، وكرّست حياتها في بيروت ودمشق للنضال في صفوف حركة القوميين العرب. ومن طرائف تلك الفترة أن كامل مروة اتصل ببعض أعضاء منظمة الشباب القومي، ومنهم أحمد الخطيب، واقترح عليهم تأسيس حزب قومي عربي، لكنه لم يلبث أن انصرف إلى إصدار صحيفة الحياة، وطوي موضوع الحزب. ومن الطرائف الأخرى أن أحمد الخطيب ووديع حداد طُردا من الجامعة الأميركية غداة مشاركتهما في تظاهرةٍ صاخبة، وكانا في السنة النهائية من دراستهما. وعند ذلك، تحرّكت جموع طالبية للاحتجاج على قرار رئيس الجامعة، بنروز، القاضي بطردهما. وجاءت مجموعة من الشباب القومي في طرابلس، قوامها معن كرامي وأنيس السراج ومصطفى زيادة وطلعت كريّم، ومعهم ديناميت يُستعمل في صيد السمك، وهدّدوا بنسف منزل بنروز. واضطر رئيس الجامعة إلى التراجع عن قراره بحسرة وهو يردّد: “مَن هو رئيس الجامعة؟ أنا أم أحمد الخطيب؟”.

بعد نكبة عام 1948 بات أصدقاؤه الفلسطينيون بلا وطن وبلا أموال. وكانوا يذهبون في كل يوم إلى الحدود ليفتشوا عن أهاليهم اللاجئين، أو ليسألوا اللاجئين عنهم. وقد شارك أحمد الخطيب أصدقاءه في ذلك. ودأب على الذهاب معهم إلى المخيمات المؤقتة. وبما أن الموارد المالية انقطعت عن جورج حبش ووديع حداد، فقد تشارك معهم بما لديه من أموال قليلة. وفي إحدى الفترات، ظل الثلاثة أياماً لا يأكلون غير سندويش “فستق العبيد”، كما كان يُسمى حينذاك، وكانوا يشترونه من بائع صومالي في ساحة البرج، حتى أصيبوا بالغثيان. ويقول جورج حبش في حواره مع جورج مالبرينو “الثوريون لا يموتون أبداً” (دار الساقي، بيروت، 2009) إن أحمد الخطيب كان يتقاضى في الكويت، بعد عودته إلى وطنه، مئة دينار شهرياً، يدفع منها 90 ديناراً لحركة القوميين العرب. وبعد النكبة مباشرة، انخرط الراحل في العمل الاجتماعي والإغاثي في عين الحلوة، وتعرّف إلى المناضل ابراهيم أبو دية الذي أُصيب في معارك فلسطين في عموده الفقري، وكان يتردّد عليه في مستشفى الجامعة الأميركية.

بعد التخرّج من كلية الطب في سنة 1952 عاد أحمد الخطيب إلى الكويت، وذهب وديع حداد وجورج حبش إلى الأردن، وغادر حامد الجبوري، في الفترة نفسها، إلى العراق، وشرع كل منهم في العمل تحت اسم “الشباب القومي العربي”. أما أحمد الخطيب، فلم يطل الأمر به حتى أسّس مع نفر من رفاقه “النادي الأهلي”، ثم مجلة “الإيمان” الشهرية (1953)، ثم مجلة “صدى الإيمان” التي أوقف الأمن العام الكويتي إصدارها بعدما نشرت رسالة من طالب فلسطيني في مدرسة الشويخ الثانوية يدعى بلال الحسن، يحتجّ فيها على أوضاع الفلسطينيين في الأردن والكويت. وكانت رسالة بلال الحسن قد رُميت في سلة المهملات. لكن مخرج المجلة احتاج إلى ملء مساحة بيضاء في إحدى الصفحات، فأخذ رسالة بلال الحسن ونشرها في المساحة الفارغة.

كان أحمد الخطيب أول طبيب في بلده، لكن السياسة في الكويت غمرته مثلما تسربل بها في بيروت. وكانت له اليد الطولى في إضراب عمال ميناء الأحمدي المطالبين بقطع النفط عن الدول المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر في سنة 1956. ومنحه الرئيس السوري شكري القوتلي وسام الاستحقاق السوري لدوره في كشف التجار المتعاملين مع إسرائيل وطردهم من الكويت. وساهم في صوغ دستور بلاده في سنة 1962، وصار نائباً في مجلس الأمة ورئيساً للمجلس التأسيسي في الكويت. وفي غمرة التحولات المتسارعة التي عصفت بالبلاد العربية، كان له شأن في إعلان الثورة في جنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني. وجرّاء معارضته الدائمة السلوك السياسي الرسمي في دولة الكويت، تعرّض لأكثر من محاولة ترهيب، منها إطلاق النار على المنزل الذي كان يصطاف فيه في بلدة بحمدون اللبنانية، وتفجير عبوة ناسفة مرتين بالقرب من جدار ذلك المنزل. ولم يُسفر التحقيق اللبناني عن أي شيء، مع أن السيارتين اللتين نفذتا التفجير الثاني شوهدتا تقفان عند مخفر الدرك، وأمكن تسجيل رقميهما. لكن كمال جنبلاط قال له: “في لبنان لا يمكن معرفة الجناة حتى لو قُبض على القاتل والمسدّس في يده”.

كان أحمد الخطيب واحداً من قلةٍ انتقدت بجرأة الفكر القومي العربي وتجربة حركة القوميين العرب، فقد جهر بأن الفكر القومي السائد آنذاك كان في معظمه عنصرياً فاشياً متعالياً يحتقر الطبقات الشعبية، ويضمر العداء للأقليات غير العربية، الأمر الذي سبّب النفور من الفكر القومي، وأدّى إلى التجاء تلك الفئات إلى الأحزاب الشيوعية (المذكرات، ص 312)، وها هي اليوم تلوذ بالأحزاب الدينية. ولم يتردّد فوق ذلك في نقد حركة القوميين العرب نفسها بقوله: “لعلنا كحركة قوميين عرب، في غمرة المواجهة مع العدو، نسينا الأهداف الأخرى، فلم يكن برنامجنا يتضمن أي مشروع نهضوي وتنموي يراعي مصلحة أغلبية المجتمع المسحوقة. بل إن قضية الوحدة التي كانت المدخل إلى تحرّرنا لم تجد الاهتمام الذي تستحقه، فلم يكن عندنا مشروع وحدوي يجيب عن مشكلات الاختلافات الإقليمية ومشكلة الأقليات (المذكّرات ، ص 311).

* * *

لم يتردّد أحمد الخطيب في اعتزال العمل السياسي في عام 1996 بعدما فجعته الحياة السياسية بفسادها، وظل يرقب تلك الحال بحسرة، إلى أن أراح ركابه ورحل عن هذه الدنيا في 6 مارس/ آذار الجاري، مجللاً بالاحترام الرفيع وبتاريخه النقي وصفائه السياسي وقامته الشامخة.

* كاتب وباحث سياسي فلسطيني

المصدر: العربي الجديد