الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«يناير» ثورة لم تكتمل .. ولكن

سامح راشد *

بعيداً عن المواقف المسبقة لمؤيدي الثورة وأعدائها، لا ينكر منصف أن ثورة 25 كانون الثاني/ يناير (2011) في مصر أحدثت هزّة عنيفة، بل زلزالاً في مصر والمنطقة. وإذا كان مركز ذلك الزلزال هو قلب منظومة الحكم، فإن دوائره تتّسع وتمتد، لتشمل النخب والدوائر المحيطة بتلك المنظومة، مؤيدة كانت أو معارضة. كذلك تمتدّ إلى قطاعاتٍ واسعةٍ من الطبقة الوسطى في المجتمع المصري، وهي الطبقة المتأثرة مباشرة بصيرورات السياسة والحكم، والقادرة على لعب دور جوهري من شأنه تغيير المشهد العام. وهو ما يمثل بذاته أحد أهم مؤشّرات تقييم الثورة وقياس نتائجها. أخذاً في الاعتبار أن أوضاع الطبقة الوسطى المصرية خضعت لعوامل كثيرة ليست محصورة في “يناير” وتبعاتها.

تنقسم تداعيات “يناير” إلى شقين متناقضين: أولهما خضعت له القطاعات المجتمعية غير المسيَّسة التي وقفت على الحياد في يناير، علّها تُحقق مستوى معيشةٍ أفضل وحياة أكثر آدمية. وقد أصابها إحباط وخيبة أمل من إمكانية حدوث تغيير جذري، بل واعتبار أي محاولة للتغيير مدعاة للخراب والدمار لا أكثر. والثاني موقف منتفعي كل الأزمان وحواريي النظم الحاكمة بكل الألوان. وهم يعيشون منذ الثورة حالة تحفز شديدة وتربّص بأي بادرة أو حتى مجرد تفكير نحو التغيير الجذري.

في مشهد مجتمعي كهذا، يصعب تصوّر أي تحرّك أو حتى تأييد لتحرّك ثوري في المدى المنظور، من هذه الشرائح الاجتماعية تحديداً. وهي في الواقع الشرائح الأهم والوقود الحقيقي لأي حراكٍ شعبي، حتى وإن توافرت له محرّكات وقوى دافعة، سواء تنظيمات أو قيادات أو مجموعات شبابية متحمّسة كما حدث في ثورة يناير.

في مسار آخر، سلكت منظومة الحكم في مصر كل السبل الكفيلة بمنع أي عمل مشابه لثورة يناير، ولجأت إلى مختلف أشكال تخويف المصريين وأساليبه من مجرّد التفكير فيه. واتخذت كل ما يمكن أمنياً وقانونياً للحدّ من فرص استئناف الثورة أو إكمالها، حتى صارت احتمالات حدوث ذلك قريبةً من الصفر فعلياً. وهنا هامش جانبي لا بد من ذكره، يتعلق بالاعتقاد السائد لدى دوائر الحكم، خصوصاً الأمنية منها، أن السبب الجوهري والمباشر لاندلاع ثورة يناير لم يكن تردّي مستوى المعيشة، ولا التضييق على الحريات، ولا حالة الجمود العامة التي ضربت الحياة المصرية أكثر من ثلث عهد حسني مبارك الذي بلغ ثلاثة عقود، بل قامت الثورة، وفقاً لتلك القناعات، بسبب اتساع هامش الحريات المتاح، خصوصاً حرية التعبير التي تزامنت مع انتشار شبكات التواصل وتصاعد دورها. إضافة إلى الاستقرار المجتمعي وهدوء المجال العام الذي أدخل المجتمع المصري في حالة تطبيع مع الأوضاع القائمة، فتكيّفوا نسبياً مع أعباء الحياة اليومية والكد اليومي لتأمين متطلبات المعيشة. الأمر الذي سمح، وفقاً لتلك الرؤية، بالتفات قطاعات وفئات محدّدة في المجتمع إلى تطلعات سياسية ورفع سقف المطالب والتوقعات. وحسب هذه الإدراكات السلطوية، الحل هو خنق هامش الحريات حتى التلاشي وإغلاق المجال العام بشكل تام، وإرهاق المصريين بأعباء اقتصادية متلاحقة وصعوبات معيشية متصاعدة.

بهذه الوصفة، نجحت السلطة بعد 2013 في دفع معظم شرائح المجتمع المصري تدريجاً إلى قطيعةٍ عمليةٍ ونفسيةٍ مع أي توجّه ثوري أو حتى احتجاجي، ما يوحي ظاهرياً كما لو كانت ثورة يناير قد ذهبت بغير رجعة، إلا أن دروس التاريخ تخالف ذاك الظن، فحق البقاء هو الخط الأحمر لأي شعب، مهما خنع أو يئس، إذ ليس بعده ما يُخشى عليه. ولولا الهامش النسبي من الحرية والقدرة على العيش، ولو بصعوبة، لما بقي مبارك حاكماً حتى 2011. فما أقصر عمر من يهرب إلى الأمام، بحرمان المصريين الحق في التنفس والقضاء بهِمّة وعزم على أبسط مقومات معيشتهم.

* كاتب وباحث مصري

المصدر: العربي الجديد