الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أوكرانيا… ماذا قبل وبعد؟

سمير العيطة *

مثلما كان فى حالة الغزو الأمريكي للعراق، تبقى الأمم المتحدة هي الخاسر الأكبر فى الصراع الذى انطلق فى أوكرانيا… وعليها. هذا سواءٌ من حيث كونها إطاراً لتنظيم العلاقات بين الدول أو باعتبارها حاضنة للدفاع عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

من الواضح أن أطراف الصراع، وجميعها دولٌ أوروبية، أخذت الأمور استفزازا ثم حربا ثم مواجهة عالمية لا يُمكِن لأحدٍ أن يُخمن نهاياتها. إن خسرت روسيا رهاناتها وانهار نظام حُكمِها فإن المنظومة الأمريكية ــ الأوروبية (المدعوة «غربية») ستنتهى بمحاصرة الصين لجهة الشمال وستبنى تركيا منظومة تمتد فى آسيا الوسطى إلى مسقط رأس الشعوب التركمانية، أي شرق الصين. أما إذا نجحت فى استعادة أوكرانيا ضمن منطقة نفوذها فإن سورا عظيما، عسكريا واقتصاديا وماليا، سيُبنى بين «الشرق» و«الغرب» فى قلب القارة الأوروبية.

كان يُمكِن للخلافات حول أوكرانيا ألا تنتهى بصراعٍ عسكري. إلا أن تناقضات «الاتحاد الأوروبي» الداخلية عملت على استفزاز «الدب الروسي». وحدها الولايات المتحدة كانت قادرة على وقف التصعيد، وعقلنة الرئيس الأوكراني وردعه عن تحويل مسلسله الكوميدي التراجيدي الذى صنع شهرته إلى واقع، وتطمين دول أوروبا الشرقية لوقف المزايدة والاستماع إلى محاذير ألمانيا وفرنسا، ومنح الرئيس الروسي خيارات أُخرى غير الحرب أو الهزيمة المُخزية. كما حدث لصدام حسين ذات يوم.

لكن انفجار الصراع شكل فرصة تاريخية لتناسى الاختلاف فى الحسابات الأوروبية ــ الأمريكية وشد أمريكا لتوحيد «الغرب»، بل كى يتم الضغط على جميع دول العالم للاصطفاف وراءها، دون محاذير أو نقاش. هذا الاصطفاف هو فى الواقع اصطفافٌ وراء حلفٍ عسكري هو حلف الأطلسي (الناتو)، الذى يستمر فى التوسع بعد أن فقد المبرر الأساس لوجوده، أي حلف وراسو الذى كان فى مواجهته. وللإشارة كان هذا الحلف قد عرض على بعض البلدان العربية الانضمام إليه. ضد من؟

وقبل ذلك بكثير، كان يُمكِن إدماج روسيا- وحتى تركيا- كما دول شرق أوروبا فى منظومة أمن وتعاون اقتصادي كُبرى تشمل جميع دول القارة الأوروبية. إلا أن نظرة دول أوروبا الغربية الأساسية كانت ضيقة، خاصة انطلاقا من البُعد الاقتصادي الذى يحرِك جوهر سياساتها. إذ فضلت أن تُهيمِن مصارفها وصناعاتها على موارد ومعامل دول أوروبا الشرقية بسعرٍ بخس ودون مُنافِس، فى حين كانت الغنيمة الروسية أكبر من أن تُبتَلَع بالسرعة ذاتها. لكن جرى هذا الأمر متسارعا على أوكرانيا حتى قبل أن تُضم للاتحاد الأوروبي.

  • ••

بالطبع لا يُمكِن بأي شكل قبول احتلال دولة لدولة أخرى عسكريا. لكن ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تخطى أسس النظام العالمي، الذى تديره افتراضيا الأمم المتحدة، منذ الحرب الكورية وحرب فيتنام إلى عدوان قناة السويس والاحتلالات الإسرائيلية وكذلك الاحتلال السوفييتى لهنغاريا (المجر) ثم تشيكوسلوفاكيا، مرورا بحروب يوغوسلافيا السابقة وغزو العراق وحتى التدخلات العسكرية فى دول «الربيع العربي»، ليبيا واليمن وسوريا. إن ما قوضته هذه الحروب تباعاً من توازنات المنظومة الدولية قد تفجر كلياً اليوم، بحيث لا يُمكن أن يرسى مستقبلا على الأسس الضمنية التي تم الاتفاق عليها فى اتفاق يالطا الشهير ثم بعد انهيار الاتحاد السوفييتى. توازناتٌ كان حق النقض (الفيتو) فى مجلس الأمن هو معيار الحدود التي تضعها الدول العظمى لبعضها البعض.

لكن ها هي روسيا تضع عبر الغزو حدود إمبراطوريتها. وها هي «الإمبراطورية البريطانية»، التي تخلصت من توافقات الاتحاد الأوروبي، تعود إلى مناهضتها التاريخية «للإمبراطورية الروسية» (كما حين دعمها الشركس الذين انتهى بهم المطاف إلى المنافي)، وتطالب بطرد غريمتها من مجلس الأمن. وها هي فرنسا تُبادِر بلفظ تعبير «الردع النووي» صراحة فى حين بقى التعبير ضمنيا فى البداية فى تهديدات الرئيس بوتين.

العالم برمته يواجه اليوم أزمة دولية كُبرى، أوسع من جميع سابقاتها منذ 1945. أزمةٌ لن تعرف نهايتها إلا بإرساء نظامٍ عالمي جديد، ودورٍ جديد للأمم المتحدة. وقد تكون الصين، التي يُمكِن أن تنتهى الأمور بمحاصرتها، والتي بقيت حتى الآن حذرة فى مواقفها، هي التي ستضحى وسيطا أساسيا لتشكيل هذا النظام الجديد.

  • ••

تفجرت الأمور أيضا على صعيد حقوق الإنسان. وظهرت واضحة، فى الإعلام كما فى مواقف وسياسات الدول، تلك النظرة فى الكيل بمكيالين، بين بشر أوكرانيا ذوى العيون الزرق والشعر الأشقر و«الذين يشبهوننا»(!) وبين بشر البلدان العربية وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا. يحق للأولين الهروب من العنف والدمار واللجوء إلى أوروبا وأمريكا دون عائق، أما الآخرون فهم… «مشكلة». «هؤلاء ليسوا عراقيين أو سوريين أو أكراداً… هؤلاء مثلُنا». من هنا يجب إدانة أنظمة الحكم الشمولية والتعدي على الحريات، ولكن أين الأمم المتحدة أيضا من هيمنة المال على السياسة والانتخابات فى «الغرب»، ومن صعود الخطاب «العنصري» فيه، ومن محاولة رئيسٍ أمريكي التعدي على برلمان بلده، ومن ترك شعوبٍ بأكملها تلهث للحصول على لقاحات ضد الأوبئة.

رد الغرب على الغزو الروسي هو «حربٍ شاملة» على صعيد الاقتصاد والمال، رغم تراجع بعض مسئوليه عن هذا التوصيف. وبالطبع سيكون لهذه الحرب تداعياتها الكبيرة على الاقتصاد الروسي، كما على اقتصادات «الغرب». إذ أنهما شديدا الترابط على عكس الأحوال أيام الاتحاد السوفييتى.

الاقتصاد العالمي كان أصلا يواجه أزمة كامنة نتيجة لجائحة الكوفيد 19 وما رماه «الغرب» من نقود أصدرها لتلافى التداعيات الأولية. تضخمٌ نقدى وتضخمٌ فى الديون السيادية لا يُمكن حله إلا بتضخمٍ اقتصادي… أو بالحرب. إن اضطرابات التبادلات الاقتصادية ستزداد وسترتفع أسعار المواد الأولية، ليس فقط النفط والغاز، بل أيضا القمح والمعادن، وستعرف المصارف العالمية مصاعب، خاصة تلك التي انكشفت على القروض التي منحتها لروسيا والدول التي تساندها… لكن دول العالم الثالث هي التي ستدفع الثمن الأكبر، بعد أن غَرِقت فى تداعيات أزمة الجائحة، فى حين لم تكُن أصلا قادرة على الاستدانة وطبع النقود كما فعل «الغرب»…

لا دور للأمم المتحدة على هذا الصعيد، فى حين أن الحروب تُخاض أولا فى هذا العصر على الصعيد الاقتصادي وتُهدِد السلام العالمي المنشود عبر خلق اضطرابات اجتماعية تنتهى إلى معادلات إما الفوضى والإرهاب أو الحُكم الشمولي… هكذا تم تناسى دوافع إنشاء أول منظمة دولية كبرى فى 1919، أي منظمة العمل الدولية، حتى قبل عُصبة الأمم، والقائلة أن التشغيل والعيش الكريم هو أساس السلم العالمي.

أعطت أميرة فينيقية (أبوها مصري وأخوها سوري فى الأسطورة المؤسسة) اسمها لبلاد غرب بحر إيجة، بعد أن اختطفها الإله زيوس واغتصَبها. أوروبا هذه شاخت منذ قرون، وهدمت صراعاتها الداخلية شعوبها وبلدانها والكثير مما حولها. وما زالت تحتاج إلى عقلنة تصنع السلام فى إطارها… وكذلك فى جوارها. ولا ننسى أن أوروبا تضم ثلاثة من الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

* كاتب سوري  ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

المصدر: الشروق