الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أزمة أوكرانيا فرصة للاستغلال الإيراني… والإسرائيلي

عبدالوهاب بدرخان *

عندما تكبر القضايا الدولية وتصبح حرباً تصغر القضايا والنزاعات الإقليمية مهما كانت أهميتها الجيو- ستراتيجية. الاجتياح الروسي لأوكرانيا أطلق أزمة مفتوحة في أوروبا وعاث بأمنها واستقرارها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وسيطول الوقت قبل تلمّس نهايةٍ ما لهذه الأزمة التي بدأتها أطرافها وهي جميعاً خاسرة بفعل العقوبات، أعادت الى الأذهان ليس فقط الحرب الباردة، بل أيضاً الحربين العالميتين. ومن الطبيعي في هذه الحال أن يتراجع الاهتمام بالقضايا الأخرى، ومنها ما يشهده الشرق الأوسط والخليج، وأن تتأثّر بالحدث الأكبر سواء الاستقطابات التي ستحصل وما تجرّه من تطوّرات أو بالتداعيات الاقتصادية.

لعل من النتائج المباشرة أن إيران متعجّلة الآن للحصول على “اتفاق نووي” يرفع عنها العقوبات على مراحل وخلافاً للشروط التي حاولت فرضها على المفاوضات. بقي عليها أن تقدّم تنازلاً سياسياً أخيراً لتبلغ مرادها، وهي ستجد الإخراج العقائدي الملائم له، تجنّباً لضياع قضيتها أو تأجيلها في سياق البلبلة الاوكرانية. ولا شك أن اتفاقاً من دون قيود على برنامجها الصاروخي وسياسة “تصدير الثورة” في المحيط العربي يعدّ انتصاراً لها، أما رفع العقوبات لقاء إعادة تجميد برنامجها النووي فقط فيعني بدء استعادتها عافيتها المالية، وعلى الرغم من أن اقتصادها الداخلي بات أولوية تفرض نفسها حتى على حكومة المحافظين المتشدّدين إلا أن العقل السياسي للمرشد و”الحرس الثوري” سيدفعها أكثر الى التفرّغ بارتياح لتثبيت عناصر قوّتها وإزالة أي عوائق من أمام الاحتلالات ومراكز النفوذ التي زرعتها مباشرةً أو بواسطة ميليشياتها.

ما يساعد إيران الملالي في حساباتها الاقليمية المقبلة هو ما ساعد روسيا فلاديمير بوتين للإقدام على مغامرته الأوكرانية، من الانكفاء الأميركي المبرمج للتركيز على مواجهة الصين الى انكشاف الانقسام والضعف الغربي عموماً، ومن الإخفاق الأميركي في أفغانستان والانسحاب الفوضوي منها الى حاجة أوروبا للطاقة التي تستخدمها روسيا سلاحاً ضدّها. لكن إيران تنفرد آنياً بجملة أسباب تشجّعها على الاستقواء، ومن أهمها أنه إذا كان عصر القطبين الدوليين، الروسي والصيني، قد بدأ فعلاً على حساب أميركا والغرب، فإنها تموقعت الى جانبهما كـ “شريك” ثالث من خلال اتفاق استراتيجي موقّع مع بكين وآخر ينتظر التوقيع مع موسكو، تكمن “ميزة” هذين القطبين في أنهما لا يعترضان مطامع طهران ولا يمانعان دعمها للإرهاب وتخريبها في البلدان العربية الأربعة، بل يبحثان عن مصالح في سياساتها المبرمجة لتحدّي أميركا ومناوأة الغرب عموماً.

من الأسباب الأخرى المساعدة لإيران أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية معها تدفعها الى مهادنتها، وصولاً الى إطلاق يدها في ما تعتبره مناطق نفوذها (العراق، سوريا، اليمن ولبنان، وحتى في البحرين)، كما سبق أن فعلت إدارة باراك أوباما. أما الدول الأوروبية الأساسية فكانت تسابقت لعقد صفقات معها بعد اتفاق 2015 ولم تخفِ ضيقها من العقوبات الأميركية التي عطّلت العقود المبرمة معها. أي أن لدى إيران أوراقاً تلعبها للإبقاء على ميوعة مواقف أميركا وأوروبا تجاه توسّعاتها الإقليمية. وللتذكير، فإن هذه الدول التي أبدت اهتماماً متفاوتاً بأزمات الدول الأربع لم تحرص على تظهير خطورة الدور الإيراني فيها، وحتى حين تحالفت في الحرب على إرهاب تنظيم “داعش” أتاحت لإيران تسويق نفسها على أنها “شريكة” في تلك الحرب ولم يُفتح ملف مساهمة النظام الإيراني في تصنيع ذلك الإرهاب إلا في الأيام الأخيرة من ولاية دونالد ترامب، لكن إدارة جو بايدن تجاهلت الأمر على الرغم من أنها لم تُلغِ تصنيف ميليشيات “الحشد الشعبي” و”حزب الله” كمنظمات إرهابية، كما فعلت بالنسبة إلى حوثيي اليمن.

ستجد إسرائيل وإيران فرصاً لاستغلال العالم بأزمة أوكرانيا، إذ أن دول الاحتلال تتشابه في التفكير والتخطيط. كانت السلطة الفلسطينية أول من نبّه الى ذلك، لأن الفلسطينيين خبروا ارتدادات الأزمات الكبرى على قضيتهم خصوصاً بعدما انتهزت إسرائيل تفجيرات 11 ايلول/ سبتمبر والحربين اللتين تلتهما لتُجهز عملياً، بذريعة الإرهاب، على اتفاقات أوسلو وتقلب كل طاولات التفاوض وتقوّض كل أساس ممكن لأي تسوية سلمية.

كذلك ستفعل إيران، وإذا حصلت على اتفاق في فيينا فإنها ستدخل في هدنة مع الولايات المتحدة والغرب لكنها ستواصل تحدّيهما ميدانياً في سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين (غزّة). فالأموال المجمّدة التي ستستعيدها وتلك التي ستباشر جنيها ستمكّنها من تدعيم ركائز تدخّلاتها وتوسّعاتها كافة. ففي سوريا ستعمل على تطوير البنى التحتية لاحتلالها أجزاء واسعة من سوريا فضلاً عن وقوفها وراء نظام الأسد لمنع أي حل سياسي. وفي العراق ستعيد إنعاش الميليشيات التابعة لها بعدما برهنت الانتفاضة الشعبية ثم الانتخابات أنها فقدت الكثير من مبرّرات وجودها. وفي اليمن ستحرص على أن يبقى الحوثيون في مواقعهم الحالية على الأقلّ، لأنها تعوّل عليهم استراتيجياً في استهداف دول الخليج. والأكيد أن إيران تريد أن تحافظ على “المكاسب” التي حصّلها حزبها في لبنان الذي أصبح الدولة الوحيدة التي تسيطر عليها بالكامل، بدليل أن مؤيّديها وأعداءها يقولون اليوم إن استعادة الدولة اللبنانية قرارها الحرّ وإعادة بنائها وحفاظها على العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة، وبالتالي خروج لبنان من أزمته الشاملة، لم تعد ممكنة ما دام “حزب إيران/ حزب الله” على سطوته واستقوائه.

تعتبر طهران أن “إنجازاتها” في البلدان الأربعة باتت ثابتة ولا تحتاج سوى الى تدعيم وتطوير، لذلك فهي ستلتفت أكثر في المرحلة المقبلة الى استكمال الجزء الرئيسي من استراتيجيتها: استهداف الدول الخليجية وحسم مسألة أمن الخليج. فما أطلقته ميليشياتها في اليمن والعراق (بمساهمة من حزبها “اللبناني”) من صواريخ ومسيّرات لم يكن حتى الآن سوى عيّنة محدودة من نموذج التصعيد المحتمل الإيراني المتوقّع.

* كاتب ومحلل سياسي لبناني

المصدر: لبنان الكبير