الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

هل ينهار النظام العالمي على وقع حرب أوكرانيا؟

داود عمر داود *

بعد بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا، بات واضحاً أن (النظام العالمي) القائم أصبح في مهب الريح. فخلال التحضيرات التي قام بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لابتلاع أوكرانيا، قام بعقد اجتماع موسع لكبار القادة العسكريين في جيشه، قبل شهرين.

وجاء الاجتماع ضمن إجراءات التعبئة المعنوية، وبث الروح القتالية في نفوس قادة الجيش الروسي وهذا أمر معتاد. أما المنطق الذي اتبعه في تبرير شن الحرب على أوكرانيا فهو من غير المعتاد.

ففي الجانب الذي تم نشره من الخطاب، أمام العسكريين الروس، نجد الرئيس بوتين يعيب على الولايات المتحدة  تدخلاتها  العسكرية، في كل من يوغسلافيا والعراق وسوريا، دون الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الأمن الدولي.

وتساءل (من أعطى الحق للولايات المتحدة) في التدخل في تلك البلدان. واختتم بالقول (إنهم يتصرفون حسب أهوائهم).

هذا يدل على أن لسان حال بوتين يقول: إذا كانت الولايات المتحدة تتدخل عسكريا في أي مكان حسب أهوائها، (فلماذا لا تتدخل روسيا في أي مكان حسب أهوائها)؟ وهنا مربط الفرس.

البلطجة على المستوى الدولي:

العذرُ هنا أقبح من الذنب، كما يقال. فإذا كان من المعيب لأمريكا أن تتدخل عسكرياً دون موافقة مجلس الأمن، فلماذا تفعل روسيا الشيء ذاته في أوكرانيا، دون الحصول على موافقة المجلس؟ وكيف يقبل لدولته أن تقوم بعملٍ يعيب أمريكا عليه؟

فما قامت به أمريكا من قبل، وما تقوم به روسيا الآن في أوكرانيا، وما قامت به باقي الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، هو نوع من أنواع البلطجة الدولية، التي تستند فيها إلى التفاهمات فيما بينها، كونها كانت المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. فمحور تلك التفاهمات كانت الهيمنة على العالم وإقتسام النفوذ والثروات فيه، بحجة (إنشاء نظام ما بعد الحرب).

أصل فكرة النظام العالمي:

جاءت فكرة (النظام العالمي الجديد) أولاً من الرئيس الأمريكي، ودرو ويلسون، طرحها بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الدولة العثمانية. لكن الكونغرس أحبط فكرته ورفض حتى الانضمام إلى عصبة الأمم، بذريعة أن سياسة أمريكا يجب أن تستند (إلى الطبيعة البشرية كما هي، وليس كما ينبغي أن تكون). بمعنى أن لا تتقيد الولايات المتحدة في سياساتها بأي قيم أخلاقية، وأن تبقى سائرة بعقلية الكاوبوي المتوحشة.

النظام العالمي نسخة 1945: أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد كان الوضع مختلفاً، إذ نجح المنتصرون في وضع ترتيبات لنظام عالمي جديد قائم على ركيزتين: الأولى، إنشاء منظمة الأمم المتحدة كبديل عن عصبة الأمم. والثانية، إنشاء نظام مالي عالمي.

لقد أعطى ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن (المسؤولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين. وهو مكون من 15 عضوا. وتلتزم جميع الدول الأعضاء بالامتثال لقراراته). لكن المشكلة تكمن أن هناك خمس دول دائمة العضوية في المجلس، تمتلك كل منها حق النقض (الفيتو). وكثيراً ما استُخدم (الفيتو) لتعطيل إصدار القرارات.

وعليه فقد خسر مجلس الأمن دوره، مع مرور الزمن، بسبب تضارب مصالح الدول الكبرى.  ولذلك يمكن القول إن منظمة الأمم المتحدة فقدت أهميتها وفاعليتها على الساحة الدولية، وربما فقدت مبررات وجودها أيضاً.

أما الركيزة الثانية للنظام العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، فكانت إنشاء نظام مالي عالمي، تقرر خلال (مؤتمر بريتون وودز) للنقد الدولي، في أمريكا، منتصف عام 1944،  بحضور 44 دولة. وقد منح هذا النظام الولايات المتحدة الهيمنة على الاقتصاد العالمي، بأن جعل من الدولار الأمريكي بديلاً للذهب، كعملة تداول في التجارة الدولية.

وقد تم تحديد سعر أونصة الذهب بـ 35 دولاراً أمريكيا، وكان بإمكان الدول الأعضاء تبديل الدولار بالذهب.

خديعة نيكسون الكبرى:

ولمدة ربع قرن، التزمت الولايات المتحدة بتبديل ما لدى الدول من دولار بالذهب، لغاية عام 1971، عندما تلاعبت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون  ببنود إتفاقية (بريتون وودز) وأوقفت إمكانية تبديل الدولار بالذهب. فكانت (صدمة نيكسون)، كما سميت، عبارة عن خديعة كبرى لنهب ثروات الشعوب والدول، كان أبرز ضحاياها الدول المصدرة للنفط.

إذ أن سعر برميل النفط كان آنذاك 7 دولارات، مما يعني أن كل خمسة براميل كانت تساوي 35 دولاراً، والتي تساوي بالتالي أونصة من الذهب. ولو بقي مبدأ تبديل الدولار بالذهب قائماً، لكانت قيمة البراميل الخمسة تساوي بسعر اليوم أكثر من 2000 دولار. فيكون البرميل الواحد بسعر اليوم 400 دولار، وليس أقل من 100 دولار، كما هو فعلياً.

ويمكن للمرء أن يتخيل حجم الخسارة الفادحة التي تسببت بها خديعة نيكسون للدول المصدرة للنفط. وهي الخديعة التي ابتلعها العربُ وغيرهم، وأفقدتهم ثروات ربما لا يمكن تقديرها، على مدى أكثر من خمسين عاماً مضت.

نظام عالمي آيل للسقوط:

وبهذا يمكن القول أن ما يسمى بـ (النظام العالمي) هو نظام فاشل يفتقر إلى العدل والمصداقية، ولم يعد له وجود على أرض الواقع.

إذ فقد الركيزتين اللتين استند إليهما. فقد تلاشى نظامه المالي قبل نصف قرن، بإلغاء إتفاقية (بريتون وودز). كما أن مجلس الأمن الدولي، المفترض أن يكون القلب النابض للأمم المتحدة، أصبح الآن أداة مشلولة ومعطلة تماماً. فهو لا يقوى على حل قضية واحدة، ناهيك عن حل خلاف بين دولتين كبريين، أو إيقاف حربٍ كالتي تجري في أوكرانيا.

فماذا بقي من هكذا نظامٍ عالمي متهالكٍ آيلٍ للسقوط؟  ألا يكفي الغرب مئة عامٍ من الهيمنة؟ وأين هي الأمم التي ترنو إلى المجد والعلياء لتأخذ دورها وتتبوأ مكانتها؟ وأين العرب والمسلمون من كل هذا؟

* كاتب أردني

المصدر: القدس العربي