الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

هل يمكن الرهان على هزيمة روسيا في أوكرانيا؟

معقل زهور عدي

تتردد في أوساط المعارضة السورية فكرة انتهاز الفرصة في غوص روسيا في المستنقع الأوكراني كون الدعم الروسي للنظام يشكل إحدى أهم مرتكزات بقائه واستمراره . ماهو مطلوب هو فحص تلك الفكرة من مختلف الجوانب, قبل الانسياق وراء الشوق العارم للتغيير والذي يجعل الرغبات تحل أحيانا مكان الوقائع, وللتذكير فقد كان الانسياق في بداية التحركات الشعبية عام 2011 وراء الاعتقاد بالتدخل الغربي لإسقاط النظام كما حصل في ليبيا الخطأ الأكبر الذي قاد لعسكرة الثورة السورية باعتبار أن المواجهة مع النظام ستكون مجرد مرحلة قصيرة ريثما يبدأ التدخل العسكري الغربي .

وفي الوضع الراهن فإن أي مراهنة متسرعة على هزيمة روسية وانكفائها ربما تصبح إجهاضا للحركة الشعبية حين تأتي قبل أوانها في الوقت الذي مازال الشعب السوري يداوي جراحه العميقة . أجل هناك احتمال لهزيمة روسيا في أوكرانيا, ولكن ليس الآن, بل ربما تكون بعد استنزافها عسكريا في اوكرانيا واقتصاديا بالعقوبات الاقتصادية الشاملة . وذلك سيحتاج لوقت ليس بالقصير . مع ذلك فلا يمكن الجزم بتلك الهزيمة, لكن يمكن القول مع شيء من التفاؤل إنها الاحتمال الأكبر . أما الآن فأمام روسيا فرصة واضحة للانتصار العسكري, ولا يحتاج ذلك لكثير من التفكير في ظل توازن القوى بين الجيش الأوكراني والجيش الروسي . وليس واضحاً ومؤكداً كيف ستسير الأمور بعد ذلك, صحيح أن المقاومة الشجاعة والفعالة الأوكرانية تؤشر إلى أنها ستستمر بأشكال مختلفة بعد الاحتلال . لكن ذلك يبقى في خانة التوقع والتقدير, وهناك احتمال التوصل إلى اتفاق بين روسيا وحكومة أوكرانية تضم فريقا مختلطا من الحكومة الحالية وشخصيات أوكرانية قريبة من روسيا, وربما تشجع بعض الأوساط الغربية مثل ذلك الاتفاق لتهدئة اندفاع الدب الروسي, ريثما تبدأ آثار العقوبات الاقتصادية التي تشبه الحرب الاقتصادية بالظهور داخل الدولة والمجتمع في روسيا . وفي حالة التوصل لمثل ذلك الاتفاق فربما تسير الأمور باتجاه التهدئة واعادة اللاجئين وإعمار ما تهدم بدلا من أن تسير باتجاه الاستمرار في المعارك ضد الآلة العسكرية الروسية التي لا تتصف بأي قدر من الرحمة ولا يقيد يدها قانون أو أعراف . ولاشك أن بقاء الغرب بعيداً عن المواجهة المباشرة الآن مع روسيا يعني بالنسبة للشعب الأوكراني الخذلان وأنه ترك وحيدا عندما جد الجد, ومثل ذلك الشعور قد يدفعه لاختيار طريق السلامة بالتفاهم مع روسيا رغم مرارة ذلك الخيار على نفس كل أوكراني . إذن لا يمكن الرهان لا على هزيمة عسكرية عاجلة لروسيا في اوكرانيا, ولا على استنزافها بحرب عصابات طويلة الأمد رغم وجود مثل ذلك الاحتمال بالتأكيد . أما العقوبات الاقتصادية فلاشك أنها ستترك أثراً هاماً على الاقتصاد الروسي, لكن ذلك العنصر بمفرده لا يمكن أن يوصل روسيا للانهيار أو الهزيمة الحاسمة , كما أنه سيستغرق وقتا طويلا, وهناك تساؤل أيضا حول مدى تحمل أوربة لنتائج المقاطعة الاقتصادية خاصة في حقول مثل النفط والغاز .

لست أريد إحباط المتفائلين, لكن عندما يتعلق الأمر بحسابات سياسية قد تقود إلى أخطاء كبيرة لا يمكن تجاهل الحقائق القاسية . يمكن للمعارضة السورية أن تفعل الكثير في التحضير للمرحلة القادمة, ولا شك أن لديها فرصة أكبر في تفهم ودعم الغرب من خلال مواجهته مع روسيا . لكن ذلك لا يعني أنه مستعد اليوم لمواجهة روسيا في سورية.

وباختصار: فلابد من الانتظار لمعرفة كيف ستسير الأمور في أوكرانيا بعد السيطرة العسكرية الروسية شبه المؤكدة .

هل ستغرق روسيا في حرب عصابات مدعومة من الغرب في أوكرانيا مع تصاعد العقوبات الاقتصادية وحملات المقاطعة بحيث يصبح أي اتفاق بين أوكرانيا وروسيا مجرد حبر على ورق؟

أم سنشهد اتفاقاً يؤدي للتهدئة وتراجع الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا مع الابقاء على العقوبات الاقتصادية؟

وحين تتضح الصورة لما بعد الاحتلال الروسي سيكون بالإمكان التفكير باستراتيجية ذات أسس واقعية ليست مبنية على الرغبات والحماس العاطفي .

أما التسرع في المراهنة على احتمالات قد تنسفها الوقائع بعد وقت قصير, فهو لن يحمل معه الخلاص لسورية بل انتكاسة جديدة لا سمح الله .

المصدر: صفحة الكاتب على وسائل التواصل