الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

المرأة السورية وضرورة الثورة

علي محمد شريف *

غالباً ما كان الرجل يشعل النار ويلقمها الحطب، وكانت المرأة تمتح الماء كيما تطفئ غلّ الحيطان وتبرّد الأرض المصقولة بالبارود والغضب. لم تكن حياة المرأة في سوريا ما قبل الثورة مثالية أو حتى طبيعية، فقد كان نصيبها من المعاناة في ظلّ نظام الاستبداد المافيوي مضاعفاً، فالقهر الذي تعيشه، والحرمان من الحقوق، والعنف الممارس ضدّها بكلّ أساليبه وصوره، كذلك التهميش والتجهيل والاستغلال والإهمال، كلّ ذلك وغيره من أشكال الظلم الواقع عليها كان مزدوجاً ومصدره السلطة والمجتمع في آن.

بالرغم من بوادر نهضة مبكرة في سوريا بدأت ملامحها بالظهور مع بدايات القرن العشرين، وقد تجلت فيها مشاركة نسبية فاعلة للمرأة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي مواجهة المستعمر الفرنسيّ، إلاّ أن المشروع الوطنيّ النهضويّ بُعَيد الجلاء، الواعد والمبشّر بميلاد الدولة الديمقراطية الحديثة، سرعان ما تقهقر وانكفأ معه الوعي المجتمعيّ المتنامي والدور الرياديّ المتميّز للمرأة السوريّة المتنوّرة وذلك بفعل التدخلات الخارجية، والفورة الأيديولوجية، والانقلابات المتعددة التي سادت تلك المرحلة، وآلت نهاية المطاف إلى تولي حزب البعث حكم سوريا صوريّاً، ومن ثمّ، عبره وعلى أنقاضه، إلى استيلاء الطغمة العسكرية الأقلّويّة على السلطة.

لقد سعى الدكتاتور حافظ الأسد إلى إفشال أي مشروع تنويريّ نهضويّ وسحق روّاده وتقويض أركانه، ثمّ إنه لم يكتف بتبديد الإرث الحضاريّ السوري، ونسف مكتسبات المجتمع الذي حقق الاستقلال وإنجازاته المؤسسية على صعيد بناء الدولة، بل عمد في الواقع إلى تدمير الدولة الوليدة ذاتها وتفتيتها، وإلحاقها باسمه وبكنيته المزيّفة كمزرعة، وقل حظيرة، يرتع فيها هو وعائلته وطغمته الفاسدة المجرمة.

لم تكن المرأة السورية بمنأى عن سياسة الإجرام المنظم التي انتهجها نظام المافيا الأسديّ ضدّ عموم الشعب، بل كانت الضحيّة الأكثر معاناة وتضرراً في ظلّ الاستبداد وعسكرة المجتمع، وتكريس القيم السلبية لثقافة ذكورية قروسطية متخلفة، ولم تنج من انتهاكات السلطة المتوحشة المتمثلة بالعنف والقمع والخطف والاعتقال والاغتصاب والتعذيب المفضي إلى الموت، كما أنها استخدمت وسيلة للترهيب والضغط على عائلتها وذويها، ومجالاً لابتزازهم وتهديدهم باعتبارها مجلبة للعار والدنس فيما لو اعتقلت أو تمّ المساس بها..

كما أنّ تقييد الحرية والتمييز الرسميّ المقونن القائم على النوع، والمستمدّ من أعراف وعادات وتقاليد مجتمعيّة بالية مستعادة وسائدة تنظر إلى المرأة كمخلوق دون، وعلى أنها بعض من متاع الذكر المتفوّق، جعل من المرأة عرضة للاضطهاد والظلم المجتمعيّ، ورهينة للخوف المزمن من التعرض للأذى أو الانتقام ما دفع بها للتضحية بالعديد من حقوقها الطبيعية واللجوء إلى الصمت.

نتيجة لما سبق كان اندفاع المرأة السورية للمشاركة في الثورة أمراً متوقعاً، بل وضرورة تلبي حاجتها للتغيير في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يخلق واقعاً طبيعياً تتحقق فيه العدالة للجميع على أسس المواطنة المتساوية، وتستعيد من خلاله كرامتها وحقوقها الإنسانية المهدورة.

كان لوجود المرأة في الثورة السورية أثراً حاسماً أمدّها بالزخم اللازم لاستمرارها، وعزّز طابعها السلميّ الذي أكسبها أبعاداً إنسانية راقية، وساهم في منحها المشروعيّة القيمية الذاتية والموضوعية، وقد كان فادحاً نصيبُها من التضحية والمعاناة في المقتلة التي تعرّض لها السوريون ردّاً على ثورتهم الحضارية العظيمة، فقد تعرّضت للخطف والقتل والسحل والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتهجير والترمّل والتشريد، وللتنكر من قبل الأهل الرافضين لموقفها الأخلاقيّ ومشاركتها في الثورة ..

لقد كانت المرأة السوريّة حاضرة في زمني السلم والحرب، وفي كلّ الظروف لممارسة أدوارها المتعددة كأمّ ومربية وعاملة، وفي صون العائلة وضمان بقائها وتماسكها واستمرارها، فقط في غياب الأم ينتفي وجود الأسرة وينهار المجتمع.

 

* كاتب سوري، رئيس القسم الثقافي في صحيفة إشراق

المصدر: إشراق