الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

صلاح أبو شريف الأحوازي: النظام الإيراني يمارس سياسة تطهير منهجية بحق الشعب الأحوازي

أحمد زكريا *    

استضاف مركز حرمون للدراسات المعاصرة صلاح أبو شريف الأحوازي، أمين عام الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، الرئيس الدوري للمجلس الوطني لقوى الثورة الأحوازية، مسؤول العلاقات الخارجية في جبهة الشعوب غير الفارسية المحتلة من إيران والمطالبة بالاستقلال من الاحتلال الإيراني، المعتقل السابق لدى النظام الإيراني.

التعريف بالأحواز وقضيتها:

سلّط الأحوازي، خلال الحوار، الضوء على إقليم الأحواز وأهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى النظام في إيران، إضافة إلى الانتهاكات التي ما تزال إيران تمارسها بحق الأحوازيين في الإقليم. وتطرق الأحوازي إلى مواقف الدول العربية والغربية من قضية الأحواز، إضافة إلى علاقة المعارضة الأحوازية بالثورة السورية، والمواقف من المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي والدول صاحبة القرار دوليًا، من نظامي الأسد وإيران.

استهل الأحوازي حديثه بالإشارة إلى تاريخ الأحواز وتفاصيل العشائر العربية هناك، وقال إن “إيران احتلت إقليم الأحواز في 20 نيسان/ أبريل 1925، وتبلغ مساحته 410.000 كم2 بحدوده التاريخية التي قسمتها إيران إلى محافظات مختلفة، منها ما يعرف اليوم بمحافظة خوزستان وعيلام وبوشهرين وأجزاء واسعة من هرزمجان أي بندر عباس (مضيق هرمز)، وفارس وكهكلويه وبوير أحمد”.

وأشار إلى أن الأحواز “أرض شاسعة استراتيجية، تضم أهم الموانئ على الساحل الشرقي للخليج العربي، وفي باطنها الذهب الأسود والثروات الطبيعة الكبيرة”.

وذكر الأحوازي أن “الإقليم يحدّه من الغرب العراق بمحافظاته الثلاث ديالى وميسان والبصرة، ومن الجنوب الغربي الخليج العربي والجزيرة العربية، ومن الشمال والشرق والجنوب الشرقي جبال زاغروس”. وفيما يلي نص الحوار كاملًا:

 دعنا بداية نسلّط الضوء قليلًا على إقليم الأحواز، من حيث تفاصيل العشائر هناك، والثروات التي يملكها؟

بداية، تمتد جذور القبائل العربية الأحوازية في العراق وفي الوطن العربي كله عبر التاريخ، فضلًا عن أقدم حضارة سامية (3400 قبل الميلاد) حضارة عيلام السامية التي عاصرت الأكاديين والبابليين، واستمرت حتى 539 قبل الميلاد، شهدها الأحواز وساهمت في معارك الفتح الإسلامي، وأسست دولًا على أرضها كالدولة المشعشعية 1436 – 1724م وعاصمتها الحويزة، والدولة الكعبية بقيادة زعيمها الشيخ سلمان الكعبي التي بلغت قوتها درجة كبيرة، بسبب أميرها الكعبي الذي ذاع صيته بأنه من أصحاب الشجاعة والمهارة والحنكة العسكرية والدبلوماسية، حتى إن كثيرين وصفوه بأنه رجل دولة وحُكم.

ولا بدّ من الإشارة إلى الرواية التاريخية التي تقول إن (باشا بغداد العثماني) حاول إخضاع الأمير الكعبي بالقوة العسكرية، لكنه عجز عن تحقيق ذلك. وكذلك حاول كريم خان الزند (حاكم ولاية فارس) السيطرة لترويض الأمير الكعبي لصالحه، لكنّه فشل في ذلك أيضًا، في حين حاول الإنكليز بأسطولهم البحري القوي كسر شوكة الأمير الكعبي وفرض مصالحهم عليه، لكنه تمكّن من دحرهم والانتصار عليهم.

ويُعرف عن الأمير الكعبي أنه كان يرسم الخطط السياسية الناجحة للاستفادة من المتناقضات والصراعات التي تدور وتحدث بين القوى العظمى (العثمانيين والفرس والإنكليز) المحيطة بإمارته، من دون أن يخضع أو يتبع لواحدة من هذه القوى المتصارعة.

وبحسب المؤرخين فقد توفي الأمير الكعبي سنة 1767م، وكانت مدة حكمه من 1737 إلى 1767م تعدّ المرحلة الذهبية لقبيلة بني كعب، إذ كان من أعظم شيوخ إمارة بني كعب، وقد ازدهرت عربستان في زمانه ازدهارًا لا مثيل له، وبين عامي 1897 و1925، حكمها الشيخ خزعل الكعبي الذي غيّر اسمها إلى الناصرية، لكنه اعتُقل بعد مؤامرة بين إيران وبريطانيا انتهت باغتياله في سجنه في طهران عام 1936.

أمّا عن السكان في الأحواز، فعلى الرغم من أن دولة الاحتلال الإيراني لا تسمح بالإحصاء السكاني فإنّ تعداد سكان الأحواز وعدد نفوسها 12.000.000 عربي، وفق الإحصاءات التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإيراني في انتخاباتها المزعومة، وهنا نحن لا نحتسب عرب خراسان، وعددهم مليونا نسمة.

وعن الثروة في الأحواز، فهي البترول والبتروكيمياويات، الغاز الطبيعي، الزراعة: النخيل وقصب السكر والرز والقمح، إضافة إلى صيد الأسماك، الموانئ التجارية، وزراعة أنواع الفواكه والخضروات كلها، يضاف إليها توليد طاقة الكهرباء عبر السدود والمنشآت النووية، وهناك ثروات طبيعية أخرى، ويشكل النفط الأحوازي أكثر من 85% من مجمل الثروات النفطية في جغرافية إيران السياسية، والغاز الطبيعي أكثر من ذلك.

وتمتاز الأحواز بموقع إستراتيجي وبممر مائي يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر الخليج العربي وساحل الخليج العربي، على طول الضفة الشرقية للخليج العربي، وفيه مضيق هرمز والموانئ والجزر الاستراتيجية الخليجية كلها من المضيق حتى شط العرب، علمًا أنه ليس لإيران أي حدود مائية إلا من الأحواز وبلوشستان المحتلتين.

ووسط ما ذكر أعلاه، لا بدّ من التنبيه إلى أن الأحوازيين لا يستفيدون ولم يستفيدوا من موارد إقليم الأحواز، لأنها كانت تستخدم ضدهم وضد الشعوب غير الفارسية وكذلك شعوب المنطقة.

 يقال إنّ السلطات الإيرانية كانت تمارس مع الأحوازيين أنواعًا مختلفة من الاضطهاد، إضافة إلى أنها تمارس سياسة تطهير عرقي منهجية، هل يمكن وضعنا في تفاصيلها؟

هذا الأمر صحيح، فهي بدأت أولًا بـ (سياسة التفريس)، منذ الأيام الأولى للاحتلال، حيث عملت على تغيير أسماء المدن والمعالم العربية والتاريخية كلها من العربية إلى أسماء فارسية لا صلة لها بشعبنا، وأوقفت سلطات الاحتلال مدارس الأحواز العربية، وبدأت تدريس اللغة الفارسية وإجبار سكان الإقليم على تعلمها، ومنعت التحدث باللغة العربية في الدوائر الرسمية والمحاكم والسجلات الإدارية، وكذلك منعت تسمية الأطفال بالأسماء العربية، بعد أن وضعت قائمة أسماء معينة، يضاف إلى ذلك اشتراطها تعلم اللغة الفارسية والتحدث بها كشرط أساسي لتوظيف الأحوازيين في المعامل، ومنعت سلطات الاحتلال وجود أي جريدة أو مكتبة أو راديو أو دور نشر أو مركز ثقافي أو كيان سياسي يُعبّر عن الحقوق الإنسانية والهوية الوطنية والقومية للأحوازيين.

وفرضت سلطات الاحتلال الإيراني حكمًا عسكريًا منذ اليوم الثاني للاحتلال، حيث منعت -ببيان رسمي صدر آنذاك من الجنرال زاهدي الحاكم العسكري- تجمع أكثر من ثلاثة مواطنين أحوازيين، إذ يُعدّ ذلك أمرًا مخالفًا للقانون، ومنعت أي تحرك سلمي أو مدني أو إعلان تشكيل سياسي، ما دفع الأحوازيين إلى العمل السري لمواجهة العدو المحتل عبر انتفاضات شعبية، عرفت بانتفاضات القبائل العربية حتى أربعينيات القرن الماضي وشملت أرض الوطن كله. ومع انتشار حركة التحرر المناهضة للاحتلال في المنطقة، بدأ تشكيل التنظيمات السرية الأحوازية وتشكل عدد من التنظيمات التي عدّها العدو الإيراني تعددًا لكيانه في الأحواز، فبدأ بقمعها بكل الوسائل ومنها الاعتقالات العشوائية والإعدامات العسكرية الفردية والجماعية، وهي إعدامات سياسية من دون أي محاكم عادلة، وكان القصد من هذه المحاكم إرهاب الأحوازيين وقمع حراكهم المناهض للاحتلال، وهي سياسة فاشية عنصرية لم تتوقف يومًا في الأحواز، بل أخذت طابعًا آخر، وهو الاغتيالات في الشوارع. وواصل الاحتلال سياسة الإعدامات والقتل في نهج ثابت لإرهاب الشعب الأحوازي وإخماد مناهضتهم للاحتلال، خصوصًا في غياب العامل الدولي والعربي الرادع لهذه الجرائم.

واتبع المحتل الإيراني كذلك سياسة تخدير الشعوب وإدمانها، وهي سياسة قديمة استخدمتها الدول الاستعمارية من أجل الهيمنة على الشعوب، وهناك أمثلة عدة، لكنّ في ما يخص إيران فهي انتهجتها كسلاح خطر لمحاربة الشعب الأحوازي بخاصة، وهي تنتج كل أشكال المخدرات المعروفة والحبوب بكل أسمائها، وخصوصًا الكريستال الخطر، حتى أصبحت هذه المادة في متناول الأطفال قبل الكبار لتدمير البنية التحتية للمجتمع الأحوازي وقتل الآلاف من دون أن يتحمّل مسؤولية قتلهم.

ومنذ عشرات السنين، كانت سلطات الاحتلال الإيراني تصادر أراضي الأحوازيين وممتلكاتهم وتهديها للمستوطنين أو تجعلها من أملاك الدولة الفارسية، وأسقطت الوثائق الرسمية كلها ملكية أي أرض كانت تملكها الدولة الأحوازية أو كان يملكها شيوخ الأحواز، حيث أصبحت هذه الأراضي كلها مشاعًا للدولة الفارسية وبنت عليها مدنًا للمستوطنين والمنشآت العسكرية ولقيادات الحرس والنظام الفارسي والمتعاونين معهم حتى الميليشيات التابعة لهم.

 ما يزال المجتمع الأحوازي يحافظ على هويته العربية على الرغم من محاولة نظام الولي الفقيه المستمرة (تفريسه وقمعه) برأيكم ما الأسباب التي تدفع النظام الإيراني إلى بذل هذا الجهد كله لتغيير هويته وديموغرافيته إلى الشكل الحالي؟

السبب هو الأهمية فوق الإستراتيجية، جغرافيًا واقتصاديًا وأمنيًا، على كل ما تعرف بجغرافية إيران السياسية ووحدة ترابها، وأيضًا ما يتعلق بتنفيذ مشروعاتها التوسعية يرتبط ارتباطًا مباشرًا باحتلال الأحواز وضمه إلى جغرافية إيران السياسية، إذ من دون احتلال الأحواز لا يمكن لإيران أن تصل إلى المياه، ولا يمكن لها أن تملك أي ثروة لتنفيذ سياساتها التوسعية، ولا يمكن لها أن تحتفظ بمستعمراتها داخل جغرافية إيران السياسية أو الجزر والدول العربية التي احتلتها أو أن تتمكن من الهيمنة عليها، لذلك فالإيرانيون يحقدون على كل ما هو عربي، ولديهم عقدة تسمى الكره لكل ما هو عربي، بسبب هزائمهم المتكررة من العرب.

 باستثناء علي شمخاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي حاليًا، اعتاد النظام الإيراني الحالي بتركيبته السياسية تهميش العرب، حيث كانت المواقع القيادية العليا تخلو من المكون العربي، وبشكل خاص لم يحكم إقليم الأحواز أي حاكم من أصول عربية، برأيكم ما نيّات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية؟ وكيف تفسرون هذا السلوك؟ وهل هذا استمرار لسياسة الشاه في الإقليم؟

الاحتلال الإيراني عمد منذ عقود -أي بعد احتلال الأحواز مباشرة- إلى إبعاد الأحوازيين عن إدارة شؤون أمورهم الإدارية، كي لا يتمكنوا من الإبقاء على مكونات الإدارة الذاتية في الأحواز، وإلى حرمانهم من أي مناصب قيادية ليس السياسية فحسب، بل حتى الاقتصادية والثقافية والدوائر التعليمية وغيرها، مهما بلغ الأحوازي من درجات واكتسب شهادات علمية مميزة، ولدينا عشرات من النماذج في المجالات كافة.

أمّا بخصوص شمخاني أو غيره من عرب اللسان الذي يصلون إلى مناصب عليا في النظام، فهم يُرفعون بعد إثبات ولائهم للمحتل، على حساب أبناء جلدتهم وجماجم الأحوازيين ودمائهم، فهم لا يمثلون الأحوازيين، بل هم أشدّ أعداء شعبنا.

الوضع الداخلي الإيراني:

  في العام الماضي، خرج إقليم الأحواز ضد النظام الإيراني بسبب ممارساته غير القانونية وغير الأخلاقية، ودعنا نقول التمييزية مقارنة بباقي مدن إيران، برأيكم لماذا خبت تلك التظاهرات ولم تستمر على الرغم من انتقال عدوى تلك التظاهرات إلى طهران آنذاك؟

الانتفاضات الأحوازية التي تعدّ ثورة منذ عشرات السنين تتصاعدُ وتتكاملُ ولن تخمد، وتنخفض وتيرتها بسبب استخدام النظام الإيراني العنف المفرط والاعتقالات والإعدامات والاغتيالات والعزلة والحصار، وأيضًا بسبب عدم دعم المجتمع الدولي وبخاصة العربي للانتفاضات الأحوازية.

 ما أشكال التمييز التي يعانيها عرب الأحواز؟

تمارس السلطات الإيرانية التمييز والعنصرية بأشكالهما كلها، وأولها عدم السماح لهم بدراسة اللغة العربية وفتح المدارس بلغتهم، وتعمل على تدريس اللغة الفارسية من مرحلة الروضة للأطفال، بغية طمس هويتهم، وتمنعهم من الحديث باللغة العربية في المدارس والدوائر الرسمية، وتمارس ضدهم التمييز في الوظائف والعمل والمناصب الحكومية والإدارية، وتصادر أراضيهم وتسلّمها إلى المستوطنين، وتجفف مياه الأنهار وتنقلها إلى المدن الفارسية، وتنهب ثرواتهم وتبني بها البنية التحتية في المدن الفارسية، وتمنع منعًا باتًا إقامة أي مؤسسة سياسية أو ثقافية أو أدبية أو جريدة أو تلفاز أو راديو عربي مستقل يُعبّر عن الحقوق الإنسانية والوطنية والقومية للشعب العربي الأحوازي أو يمثّلهم.

  من المعروف أن إيران ذات مجتمع فسيفسائي يوجد فيه على سبيل المثالالمكوّن الكردي والعربي والبلوشي إلخهل لديكم تنسيق سياسي بين هذه المكونات لاسترداد إيران من نظام ولاية الفقيه الشمولي؟

اسمح لي أن أشرح لقرائكم الأفاضل ما يُعرف بالفسيفساء في جغرافية إيران السياسية، وهي أعمق من ذلك تمامًا، فهناك شعوب غير فارسية، أهمّها عرب الأحواز وأتراك أذربيجان الجنوبية والكُرد والبلوش والتركمان وغيرهم من الشعوب غير الفارسية، وهي بمجموعها تشكل أكثر من 70 % من سكان إيران السياسية، وجميعهم لا يعترفون بشرعية الوجود الإيراني على أراضيهم، ويعدّون إيران دولة احتلال تغتصب الحكم والثروات على أراضيهم بقوة النار والحديد منذ عشرات السنين.

هذه الشعوب تكافح لطرد الاحتلال الإيراني، ومطالبها واحدة، وأوّلها الحق في تقرير المصير وتأسيس دولها المستقلة، ونحن وإياهم على تواصل وتنسيق يومي، عبر جبهة الشعوب غير الفارسية المطالبة بحقّ تقرير المصير التي أُسست عام 2005، وأترأسها في الدورة الحالية.

 ما العوائق التي تقف أمام المعارضة الإيرانية وتمنعها من استثمار الرفض الشعبي للنظام الحاكم الحالي الذي تجلى في الاضطرابات والاحتجاجات المتكررة ضده؟ وما مستوى تنسيقهم مع باقي هيئات المعارضة الإيرانية؟

أهم مانع للمعارضة الإيرانية خوفها على تفكك إيران وعدم تنسيقها مع ممثلي الشعوب غير الفارسية، وهذا ما يجعلها دائمًا ضعيفة أمام النظام الإيراني بمفردها، ولا تمثل قوة أساسية على الرغم مما تقوم به من مسرحيات إعلامية في باريس أو أميركا الشمالية.

العلاقة مع العالم العربي والثورة السورية:

 في عام 2017، أطلق محمود حسين بشار الكعبي نداء استغاثة للحكام العرب، وهو كما تعلمون الأمين العام الأسبق للجبهة العربية لتحرير الأحواز، وقال إن (وجوه الفرس أكثر سوادًا من الليل)، فإلى أين وصلت هذه الصرخات برأيكم؟

ما طرحة الأستاذ محمود حسين بشار الكعبي، من نداء استغاثة للأشقاء العرب وحكامهم، هو نداء استغاثة يردده الأحوازيون كل يوم، ولكن حتى اللحظة ليس هناك من يسمع هذه الاستغاثة، مع الأسف الشديد، على الرغم من تواصلنا مع الدول العربية الشقيقة كافة، ومن تجاوزات إيران لكل الحدود الحمراء.

 ما الموقف العربي من القضية الأحوازية؟ وهل الأحوازيون راضون عن هذا الموقف؟

الموقف العربي الرسمي خلال العقدين الماضيين -على الرغم من جرائم إيران كلها- مخيب للآمال ولا يُذكر، وأما الموقف الشعبي فهناك دعم إعلامي ومعنوي من النخب والتيارات السياسية والإعلاميين العرب، وهذا الموقف نعتز به، ويُشعرنا بالفخر، ويزيد من إرادتنا وقوتنا في مواجهة الاحتلال الإيراني، ولكن الكل يعرف أننا بحاجة إلى مواقف رسمية تنقل القضية الأحوازية إلى المؤسسات العربية والدولية، وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه.

 هل توجهت المعارضة الإيرانية إلى الدول العربية (السعودية، الإمارات، مصر) التي تحاول الحد من نفوذ النظام الإيراني في كل من لبنان وسورية واليمن والعراق، وتقديم الرؤى لها من قبيل معرفتكم ما هو داخل هذا النظام؟ وإذا كانت المعارضة الإيرانية قد توجهت إلى الدول العربية المذكورة، فمتى كان ذلك؟ وما هي ردات الفعل؟

من المؤكد أنّ المعارضة الإيرانية تتواصل مع الدول العربية المؤثرة التي تعد في حالة مواجهة مع النظام الإيراني، ليس لأنها تعارض مشروع إيران التوسعي وهي تصفق له، بل للحصول على الدعم لتغيير النظام الحالي الذي تتعارض معه في إدارة البلاد ولا تتعارض معه في نهجه التوسعي ضد الدول العربية، وأعتقد هذا ما تدركه جيدًا الدول العربية. أمّا عن التوقيت، فعادة هذه الأمور لا تُعلن، ولكن حضور المعارضة الإيرانية المستمر على القنوات العربية، وكذلك حضور شخصيات عربية في مؤتمرات المعارضة الإيرانية، وخصوصًا في باريس، دليل واضح على التواصل والتنسيق بين بعض الدول العربية والمعارضة الفارسية، وإن كان بشكل غير رسمي.

 ما طبيعة علاقاتكم السياسية بالأنظمة العربية، في الوقت الذي تنشط فيه إيران بسلوك عدواني ومتوحش، كما الحال في سورية والسعودية واليمن؟ وهل تسعون لبناء علاقات سياسية معينة لاستثمار هذه الأزمة وتجييرها لمصلحتكم؟

علاقاتنا مع الدول العربية الشقيقة علاقة الجسم الواحد بأعضائه كلها، على الرغم من عدم تجاوب الأشقاء العرب مع مطالبنا وما نعانيه من جرائم من إيران، ونحن نقدّم كل ما بوسعنا للأشقاء العرب للتصدّي للمشروع الإيراني، وبشكل مستمر نقدّم مقترحات ومشروعات عمل مكتوبة، ونلتقي بالعديد من المسؤولين لشرح توجهاتنا وسبل وقف المشروع الإيراني، من منطلق معرفتنا بسياسات إيران والعقلية الإيرانية، وما لدينا من خبرات وإمكانات ميدانية واسعة يمكن استثمارها بشكل صحيح لوقف المشروع الإيراني الإرهابي.

 كيف تنظر الجبهة الشعبية الأحوازية إلى قضية الشعب السوري وثورته من زاوية تعامل المجتمع الدولي مع ثورته وإسقاط ذلك أيضًا على نشاطكم السياسي هذا من ناحية، باختصار شديد: ما أهمية سورية بالنسبة إليكم؟

الثورة السورية العظيمة ضحية التسويات الدولية وتصفية حسابات بين الدول والمصالح الإقليمية والدولية، وأمّا عن المجتمع الدولي، فقد أصبح واضحًا للجميع أن من يدعون أنفسهم حماة الأمن والاستقرار وحقوق الإنسان يتناسون ذلك كله عندما يتعارض مع مصالحهم، وقد أظهرت الثورة السورية الوجه المنافق والخبيث، وأسقطت كثيرًا من الأقنعة التي كان يتقنع بها ما يُعرَف بالمجتمع الدولي الذي سقط مع سقوط دماء أطفال سورية الأبرياء والمدنيين العزّل الذين لم تكن مطالبهم إلا حياة كريمة وشعبًا سعيدًا.

نظرتنا إلى الشعب السوري هي نظرة شقيق إلى شقيقه، فنحن والشعب السوري شعب واحد، وما أصابه أصابنا، وكل نصر يحققه هو نصر لنا، ولا يمكن لنا إلا أن نكون مع الشعب السوري ومطالبه المشروعة في العيش الحر الكريم وعودة سورية مستقلة حرة عربية وأبية.

 هل هناك تنسيق بينكم وبين المعارضة السورية، باختلاف مكوناتها، باعتبار أن العدو واحد، وهو النظام الإيراني سواء لجهة كيفية التعامل مع النظام الإيراني، أم كيفية تفعيل الأدوات السياسية المناسبة لاستثمار الأزمة التي تمرون بها في إقليم الأحواز، أم التي يمر بها الشعب السوري؟

منذ بداية الثورة السورية والتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية السورية وإدخال الميليشيات الإرهابية، بشقيها الولائية والداعشية، إلى الساحة السورية، أعلنّا دعمنا الكامل لثورة الشعب السوري ومواجهتنا المشتركة للتدخل والاحتلال الإيراني وميليشياته الإرهابية في الشؤون الداخلية لسورية الشقيقة، والمشاركة في قمع شعبنا السوري الثائر وقتله، وتم التواصل والتنسيق مع القوى الوطنية السورية الرافضة للتدخل الأجنبي، والتشاور معها حول سبل العمل، وبخاصة في ما يتعلق بمواجهة الميليشيات الإيرانية الإرهابية التي عملت بشكل أساسي على دعم النظام، وارتكبت مجازر وحشية ضد شعبنا السوري.

 هل ترى أن المعارضة الإيرانية تتقاطع مع قوى المعارضة والثورة السورية، بعدم جدية المجتمع الدولي بمساندتهما (المعارضتين الإيرانية والسورية) كون النظامين الحاكمين في إيران وسورية (الأسد والفقيه) يمثلان أدوات وظيفية للمجتمع الدولي؟ وما أبرز صور هذا الدور الوظيفي لكليهما في المنطقة؟

الطرفان أي المعارضة السورية وما تعرف بالمعارضة الفارسية أي الإيرانية تتقاطعان، ولكنّ المجتمع الدولي خذلهما، واستغلهما استغلالًا كبيرًا جدًا من دون أن يقدم لهما أي دعم حقيقي، لمواجهة نظامي بشار الأسد وولي الإرهاب خامنئي. وكما تفضلت، إن النظامين قاما بخدمة كبيرة للدول الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وما نشاهده من توسع للمعسكرات في الدول العربية كافة للدولتين كلتيهما وغيرهما من الدول هو نتيجة الخدمة الكبيرة التي قدّمها النظام الإيراني بسياساته التوسعية واستفزاز دول المنطقة من جانب، واستجلاب نظام بشار الأسد القوات الروسية لتسليم قواعد عسكرية إلى روسيا في البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى، فكانت النتيجة تخادم هذين النظامين اللذين رفضا تسليم السلطة للشعوب، وسلموها للدول الاستعمارية الكبرى، وهذا التخادم مستمرّ، والشعوب هي من تدفع الثمن بشكل كبير.

العلاقة مع الغرب:

 ليونة مواقف الولايات المتحدة والقوى الأوروبية مع إيران هي بدافع المصالح، كما تعلمون، من خلال مباحثات فيينا والعودة إلى الاتفاق النووي، هل تتوقعون أمام هذه المعطياتأن يكون هناك انزياح في بعض المواقف من القوى العالمية المؤثرة والداعمة لقضيتكم؟

إيران لن تكن نووية، وتوقيعها الاتفاق مع الغرب سيفتح عليها ملفات مهمة للغاية، وأولها ملف انتهاكات حقوق الإنسان الذي لن تتمكن من الهرب منه، وسيكون هذا الملف موجعًا جدًا لها، والسبب الأساسي ليس اهتمام الدول الكبرى بحقوق الإنسان في جغرافية إيران السياسية، بل اهتمامها بالملف الاقتصادي والثروات التي سلّمت إلى الصين وفق الاتفاقية الصينية الإيرانية المعروفة التي سلّمت الثروات النفطية كافة، وبخاصة في الأحواز والموانئ لمدة 25 سنة، وهذا ما يدفع الغرب والدول الكبرى إلى التحرك لدعم حركات التحرر والشعوب غير الفارسية، لخلق حالة من عدم الاستقرار في جغرافية إيران السياسية، وهذا ما نلاحظه بوضوح عبر آخر بيان إدانة للبرلمان الأوروبي الذي أدان الاعتقالات الواسعة في الأحواز والشعوب غير الفارسية .

 أخيرًا، هل يمكن للأوروبيين الانصياع لمطالب النظام الإيراني بوقف دعم الاتحاد الأوروبي للمعارضة الإيرانية، في حال إدراج هذا الملف ضمن مفاوضات النووي؟

هذا غير ممكن، لأن المعارضة الفارسية والشعوب غير الفارسية المناهضة للنظام والاحتلال الإيراني هي الملف الوحيد الضاغط على إيران للحصول على ما يريدون من حصتهم في الكعكة الإيرانية، وهذا ما لا يوافق عليه الصينيون والروس بسهولة، وإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية سيكونون بحاجة إلى وجود المعارضة الفارسية وأبناء الشعوب غير الفارسية بجانبهم، في المرحلة القادمة، خصوصًا بعد المواجهة الأوروبية الأميركية مع روسيا وحلفائها في الغزو الروسي لأوكرانيا، وما ينتج منها، لذا فإن إيران إما أن تكون مع روسيا تمامًا وإما مع الغرب، والواضح أنها مع روسيا والصين .

* صحفي سوري

المصدر: حرمون