الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

“سويفت”.. سلاح الغرب للإطاحة ببوتين!

هبة خليل *

منذ الساعات الأولى للحملة العسكرية الروسية في أوكرانيا، بدأ التلويح بعقوبات غربية ضد روسيا، بينها عزل بنوكها عن نظام سويفتالعالمي، لكن يبدو أن دون ذلك محاذير أبرزها إمكان تضرر الشركاء التجاريين في أوروبا وغيرها من هذا العزل. ماذا يعني نظام سويفت؟

أصدر موقع بلومبرغ (https://www.bloomberg.com/news/articles/2022-01-26/why-swift-s-global-payments-are-sanctions-pain-point-quicktake) تقريراً يتمحور حول الطريقة الأكثر فعالية التي تستعملها الدول الكبرى للسيطرة على اقتصاد الدول الأخرى، ألا وهو نظام “سويفت SWIFT”، وهي خاصيّة تستعمل في المعاملات المالية في معظم دول العالم، وتكاد تكون شبيهة بخاصية البريد الإلكتروني (Email) التي تتيح طريقة تواصل خاصة وآمنة بين الأفراد في المؤسسة الواحدة وكذلك بين المؤسسات.

(Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunications) تترجم بالعربية “جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك”، وتختصر بـ”SWIFT” (سويفت). هي منظمة عالمية مؤلفة من مجموعة مؤسسات مالية ومقرها بلجيكا. تأسست في العام 1973 عندما اجتمع 239 مصرفاً من 15 دولة بدعوة من البنك المركزي البلجيكي لإيجاد طريقة موحدة للتحويلات المالية العابرة للحدود، سرعان ما تم التوسع بها في النصف الثاني من السبعينيات الماضية.

تربط سويفت أكثر من 11.000 بنك ومؤسسة مالية في أكثر من 200 دولة. يوميّاً، تتيح سويفت حوالي 40 مليون رسالة، منها الطلبات المالية، تأكيد الدفع، مبادلات الفوركس، وتجارات الأصول. سويفت هي ليست أداة لتحويل أو حفظ الأموال فحسب، بل هي تلعب دوراً كبيراً كبنى تحتية لأدوات التواصل لتمكين التحويلات المالية العابرة للحدود بطريقة آمنة ومشفرة.

في روسيا وحدها، يخضع أكثر من 400 بنك ومؤسسة مالية حاليّاً للتعامل بنظام سويفت.

إذاً، لماذا هي في دائرة الأضواء حالياً؟

على الرغم من أنها ليست منظمة سياسية، إلا أن سويفت تعتبر أداة جيوسياسية تستعملها الدول النافذة كجزء من العقوبات الاقتصادية على الدول الأخرى، وبالتالي يعيق قطع خدمة سويفت عن البنوك في دولة معينة كل المعاملات المالية القادمة والخارجة من هذه الدولة، مما يؤدّي إلى أوضاع اقتصادية صعبة ليس فقط على المؤسسات، بل حتى على الأفراد.. ولنا فقط أن نتخيل الغضب الجماعي الذي ستواجهه القيادة الروسية في الشارع الروسي، وهو ما تُعوّل عليه أميركا ودول حلف شمال الأطلسي، أي الرهان على إسقاط النظام من الداخل.

يُعتبر قطع خدمة سويفت بمثابة تطور خطير للاقتصاد المؤسّسي والفردي، لذلك، فإن مجرد التلويح بقطعها هو مادة مهمة للتفاوض بين الأمم. وقد حدث ذلك في عام 2012 كجزء من العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على إيران رداً على تخصيب اليورانيوم (أدى ذلك إلى خسارة طهران أكثر من نصف عائدات النفط). وأيضاً، كان قد نُظِر في تطبيق عقوبات مماثلة في العام 2014 عندما تحركت روسيا في شبه جزيرة القرم.

‏مع الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا، منذ أيام عدة، هناك احتمال كبير بلجوء اميركا ودوَل حلف الأطلسي إلى قطع خدمة سويفت كجزء من العقوبات التي يمكن فرضها على روسيا. عقوبة قاسية كهذه تمثّل سيفاً ذا حدّين، ذلك أن اقتصاد روسيا الضخم ذو مجسّات مغروسة عميقاً في الاقتصاد العالمي. كيف؟

روسيا هي مصدر كبير للغاز لأوروبا ودول أخرى حول العالم، بالإضافة الى المواد الأولية الضرورية لتصنيع محركات الطائرات، الكابلات والموصلات conductors الكهربائية، محركات السيارات، الالكترونيات والسماد. قطع خدمة سويفت عن روسيا لن يهدد هذه الصناعات فحسب، بل سوف يهدد تدفّق الأموال في الأسواق المالية الخاصّة في هذه الصناعات أيضاً – مما قد يؤدّي الى هبوط حاد في أسواق الأسهم، يتبعه ركود اقتصادي لا بد أن تخشاه أميركا ودول العالم الأول، خاصّة مع تزايد معدلات التضخم في أميركا لتصل الى 7.5% في الشهر الحالي، وهو رقم لم يسبق أن واجهته أسواق وول ستريت المالية في تاريخها.

أين روسيا من كل هذا؟

منذ تهديدها بالعقوبات الاقتصادية عام 2014، عملت روسيا على انشاء خدمة مشابهة لسويفت خاصة بها وبحلفائها أمثال الصين والهند، بالإضافة الى سلّة من المبادلات التجارية بينهم، ما يعني أن روسيا يمكنها أن تقوّض حدة العقوبات على اقتصادها الى حد كبير. لكن لا يزال الخبراء الاقتصاديون يحذّرون من خطورة الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد العالمي.

مثلاً، بالإضافة الى التأثير السلبي على أسواق المال والأسهم، إن قطع سويفت عن روسيا سيؤدي الى تحولات كبيرة في أسواق العملات الرقمية اللامركزية، كالتالي:

١) سوف تعمل روسيا على تمييع العقوبات من خلال تفعيل خدماتها الإلكترونية المالية الذاتية SPFS، أو اللجوء الى البديل الصيني وهو CIPS.

٢) استبدال التعامل بالدولار في كافة معاملاتها التجارية وخاصة النفط والغاز، مما سيزيد من ضعف الاحتياط في العملة الأميركية.

٣) إقبال الكثير من الأفراد والأوليغارك الروس على شراء العملات الرقمية للمحافظة على قدرتهم الشرائية (وهي تُدرَج الثانية عالمياً بعد الصين)، مما سيزيد من أسعار هذه العملات وبالتالي انتشارها ومضاعفة الطلب عليها (The Tulip Effect)، وهو أيضاً ما تخشاه أميركا والدول الرأسمالية.

٤) سيعمل الكثير من الأوليغارك الروس على شراء الذهب مما سيزيد من سعر هذا المعدن، وتقليل التعامل بالدولار.

من المهم لنا جميعاً أن نعي خطورة لعبة الأمم هذه، بدءاً من نظام سويفت، الى أسواق المال والمبادلات التجارية الدولية.

منع خدمة سويفت عن روسيا سيعيد هذه البلاد حقبات الى الوراء، مما سيخلف طُعماً مريراً لدى الشعب الروسي (…). بالمقابل، من خلال حنكتها وتحالفاتها الاقتصادية ومواردها الطبيعية الحصرية، روسيا قادرة على إعادة كثير من شعوب الكرة الأرضية للعصور البدائية فقط من خلال قطع الموصلات الكهربائية والغاز عنها.

مهما حصل في الأيام والأسابيع المقبلة، سوف يكثر الحديث عن سويفت ودورها في العقوبات التي يمكن فرضها على روسيا.

الحرب قادرة أن تُرجع الإنسان إلى بدائية وحشية لا بد أن نضعها وراءنا، خصوصاً مع تطور الذكاء الاصطناعي، الداتا، والوعي الجماعي عن حقوق الإنسان، المساواة، والتجارة الحرة، وبالتالي، تطور الوسائل التي يمكن للأمم أن تتنافس بها. ولكن، يبقى الإنسان هو الضحية.

* باحثة لبنانية في شؤون الاقتصاد العالمي وحَوكمة الإنترنت

المصدر: 180 بوست