الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

سورية إلى أين؟

د- عبد الناصر سكرية

تخضع جميع الأراضي السورية بدون استثناء لسلطات معادية بصرف النظر عن جنسياتها المتعددة.. وأول المعادين للشعب السوري هو النظام الحاكم فيها والذي يستمر لكونه يشكل غطاء لكل قوى الاحتلال الأجنبية التي تلتهم سورية وتقسمها وتتقاسمها ارضا وشعبا وموارد..

وحينما تكون قوى معادية لها أطماعها وأغراضها الخبيثة تتحكم بالنفوذ والحياة في كل المناطق؛ فإن هذا يعني أنها تعمل جميعاً على هدفين أساسيين:

الاول: منع الشعب السوري من تحقيق أهداف ثورته واستثمار ما قدمه من تضحيات هائلة تغييرا لنظام الإجرام والقهر والتبعية إلى دولة العدالة والمساوة والمواطنة الصحيحة..

الثاني: تخريب المجتمع الشعبي السوري لمصادرة قدرته على استجماع قوته الوطنية النضالية المخزونة والثورة مجدداً وصولاً إلى تغيير إيجابي يدفعه إلى الأمام في طريق النهضة والتحرر والتقدم والعدالة..

في سبيل هذين الهدفين تعمل تلك القوى المعادية- المحتلة على إنهاك الشعب والإنسان وتفكيك بناهما الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والحضارية التاريخية؛ تعمل مجتمعة ومنفصلة في هذا المنحى التدميري التخريبي الخطير.. سواء بتنسيق مسبق بينها أو من دون تنسيق.. وعلى رغم اختلاف منطلقاتها وغاياتها النهائية وتنوع أساليب عملها فإن معاداتها للشعب السوري هي القاسم المشترك بينها جميعاً وإن تفاوتت خطورتها أو مدى قدرتها على التخريب الممنهج المراد..

في مقابل هذا كله لا تزال القوة الشعبية مشتتة مبعثرة والبعض منها تائه ضلت به السبل.. النتيجة أن الإنسان السوري يبقى مكشوفاً من أي غطاء يحميه ويذود عنه ويرد سهام الفتك والتدمير والإنهاك المتنوعة الساحات والميادين والأساليب..

إن عدم وجود جبهة شعبية وطنية تقود وتوجه وتستثمر التضحيات وتعيد تفعيل وتوجيه الطاقات النضالية المخزونة الهائلة في خدمة أهداف الشعب وحماية مجتمعاته من التآكل الداخلي والانهيار.. هو نقطة ضعف بليغة في مسيرة الثورة..

ثلاثة أسباب رئيسية لا تزال تعيق العمل الوطني عن تجميع قواه وتوحيدها في جبهة شعبية واحدة:

الأول: استمرار حالة الانتظار للحل الدولي وما يخلفه هذا من تقاعس وتكاسل وسلبية..

علماً أنه من الثابت والأكيد والمعروف أن النظام العالمي برمته يقف إلى جانب النظام ويساهم في تخريب سورية وتهجير أهلها وتغيير تجانسهم السكاني الاجتماعي..

من لم يستوعب حتى الآن أن أي حل دولي متوقع أو محتمل لن يكون في مصلحة شعب سورية بل العكس هو الصحيح؛ فإنه يحتاج إلى تأهيل لمنهجه العقلي وثقافته الوطنية..

الثاني: عدم القطع الحاسم مع كل القوى والمؤسسات والتشكيلات التي تنّسب للمعارضة فيما هي خربتها وسرقتها وتتاجر بها وتستفيد على حسابها وتنفذ مأموريات أجنبية تابعة ومنبثقة من ذات القوى المعادية للشعب السوري أو تلك الجمعيات المدنية والعالمية والدولية التي تدور في فلكها وتخدم أهدافها ومصالحها صراحة أو مناورة..

الثالث: استمرار عدم الاهتمام بالداخل السوري وإغفال التواصل الجدي والإيجابي مع الطاقات الشبابية والاجتماعية والإعلامية هناك.. وهو الأمر الذي يترك أبناء الداخل وحيدين من دون غطاء وطني تنظيمي حقيقي يمدهم بأسباب المعرفة لما يجري حولهم ولما يُقرَر بشان مستقبلهم بعيداً عن العيون والإعلام.. مما يجعلهم مكشوفين وأضعف من أن يصمدوا بوجه قوى الاحتلال والعدوان بأنواعها وفي كل المناطق..

كما أنه يتركهم عرضة للضياع والتفسخ والتدهور الذي يجعلهم يقعون فرائس المنظمات الدولية المأجورة وأجهزة الأمن والمعلومات التي توظف طاقاتهم بما يخدم مصالحها وأهدافها الخبيثة..

لهذه الأسباب الذاتية لا تزال تتعثر مسيرة الثورة وتنفَض أعداد غفيرة عنها طلباً للأمن الذاتي أو للحياة والمعيشة..

يكفي أن إنسان الداخل يرى ويسمع تشتت قوى الثورة وتشكيلاتها حتى يصاب بالإحباط الذي يشل مقدرته على الصمود والتضحية والعطاء.. وحينما يرى بعض السفلة المأجورين وقد أصبحوا أثرياء متنفذين على حساب تضحيات الشعب السوري فيما الذين دفعوا أثمانا باهظة إنما مشردين او معتقلين أو مهمشين؛ يزداد شعوره بالإحباط إن لم يكن باليأس..

إن  المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها المجتمع السوري في كل سورية تتضمن خطر التفكك والإنهاك المتعمد وصولاً إلى التركيع والتغيير السكاني المريع الذي سيكون منطلق تغيير جغرافية سورية السكانية وتاريخها الحضاري وهويتها الوطنية والثقافية..

وإذا أضيف إلى هذه المعوقات الذاتية تلك الأخطار والتدخلات الخارجية السلبية الكثيرة؛ فإن الوضع لا يشير إلى تقدم على طريق سالك مفتوح إلى الأمام.. بل العكس هو الصحيح..

كل هذا يجري والمواطن في كل الداخل لم يعد يستطيع تحمل أية ضغوط إضافية أو تضحيات قد تكون لازمة لتحصيل بعض التغيير باتجاه الأمام وليس باتجاه الخلف..

وإذا لم يكن بإمكان القوى الشعبية والوطنية ردع التدخلات الأجنبية السلبية؛ فبإمكانها بكل تأكيد ردع أنفسها لتجاوز المعوقات الذاتية.. ويتم ذلك بإعطاء الجهود اللازمة والمطلوبة والكافية لتوحيد القوة الوطنية وتركيز الاهتمام والتفاعل الإيجابي مع أبناء الداخل عوضاً عن انتظار حلول خارجية لن تأتي ولن تكون في مصلحة الشعب السوري إن أتت.. يتطلب هذا حسم الموقف الوطني من مؤسسات ما يسمى المعارضة كما ممن يسمى ميليشيات عسكرية مأجورة خربت في صفوف الثورة الكثير ولا تزال..

إن تجاوز جميع هذه المعوقات الذاتية يبدأ من وقف حالة الانتظار ثم الانتقال إلى الفعل الحقيقي الميداني وتركيز كل الجهود على الداخل وما فيه من طاقات شبابية متجددة وقوى محلية لا تزال صامدة تواجه باللحم الحي واقعاً مأساوياً بكل الأبعاد والمواصفات..

إن عدم قدرة قوى العمل الوطني على تجاوز هذه العقبات الذاتية؛ لن يمكنها من استثمار أية متغيرات دولية أو عربية بما يخدم أهداف وتطلعات الشعب السوري..

إن الأحداث العالمية المتفجرة في أوكرانيا سوف تترك آثارها على كثير من الأوضاع والمواقف العالمية ولا شك سوف تكون لها انعكاسات جمة على بلادنا العربية عموما ومنها سورية.. الأمر الذي يتطلب هيكلاً تنظيمياً واضح المعالم قادراً على استثمار تلك المتغيرات لمصلحة شعبنا أو حمايته من تأثيراتها السلبية وهي كثيرة ومتوقعة..

ما لم تكن الحركة الشعبية حاضرة بفعالية ووضوح فإن أحداً من الأطراف الدولية لن يتقدم إليها ليقدم لها انتصاراته أو إنجازاته..

إن الجهود الكبيرة التي لا يزال يبذلها وطنيون سوريون وناشطون مخلصون في انتظار حل دولي سواء قبل حرب أوكرانيا أو أثناءها وبعدها؛ لن تثمر إلا إضاعة للوقت والجهد ورهاناً على وعود موهومة مخادعة.. إنها تأخذ من معارك الصمود والمواجهة ولا تعطيها..

إن انشغال العالم بالحرب في أوكرانيا يشكل فرصة ملائمة لتحركات شعبية وطنية في الداخل لإزعاج قوى العدوان والاحتلال جميعاً وتحقيق مكاسب عليها مما يعزز الثقة الشعبية والقدرة على المزيد من العطاء المدروس..

لماذا لا تتخذ كل التشكيلات السورية الناشطة في الغرب شعاراً لحركة منسقة متكاملة لها تحت عنوان: ” في سورية أيضاً شعبٌ يقتل وبلادٌ تدمر ” تعمل تحت لوائها مجتمعة وفي وقت واحد وفي كل الاوساط الشعبية والثقافية والإنسانية؟؟ أليس هذا عملاً ممكناً ومثمراً في ذات الوقت؟؟

على أن يكون ضمن إطار خطة متكاملة لتجاوز تلك المعوقات الذاتية المعطلة.. تجاوز لا بد أن ينطلق من الداخل أولاً..

قد تكون فرصة مناسبة للدخول إلى  المزاج الشعبي الغربي المناهض للحرب للاستفادة منه في رفض العدوان على الشعب السوري أيضاً..

ولسوف تكون قضية المعتقلين والقتل بالتعذيب الوحشي في سجون المجرمين؛ دافعاً لاهتمام أكبر وتضامن أجدى فيما لو تمت إثارتها بشكل منسق متكامل متزامن معاً..

مرة أخرى يصبح هذا ممكناً حينما تتخذ القوة الوطنية الشعبية إطاراً تنظيمياً جبهوياً متماسكاً لها أساسه العملي الميداني في الداخل السوري؛ يتفاعل معه ويمده بمزيد من الطاقات النضالية الوطنية..

وحينما تثبت القوة الشعبية الوطنية فعاليتها في الداخل فإنها تصنع لذاتها وزناً يؤخذ بالاعتبار وإلا لن يحسب لأحد منا حساب، لا من المنتصرين ولا من الخاسرين المنهزمين..

سورية إلى أين؟

الإجابة مرهونة بفعالية منظمة تكتسبها لذاتها جموع القوة الوطنية السورية إن انتظمت في مسار جبهوي متكامل متجاوز للذاتية والشخصانية والفئوية.