الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

كتاب «تأملات في المسألة الوطنية» للكاتب: ’’جاد الكريم الجباعي‘‘.. الحلقة الحادية عشرة

( الحرية أولاً ) ينشر كتاب «تأملات في المسألة الوطنية» كاملاً “على حلقات” للكاتب الأستاذ: ’’جاد الكريم الجباعي‘‘.. الحلقة الحادية عشرة: التمدن شرط إمكان المواطنة المتساوية

          «تأملات في المسألة الوطنية»                                      

               جاد الكريم الجباعي

التمدن شرط إمكان المواطنة المتساوية:

   في غير مكان، وفي غير مناسبة، ميّزتُ المدنية من الحضارة، على اعتبار الأخيرة مرحلة تالية للبداوة وتجاوزًا تاريخيًا وجدليًا لها، إذ انتقلت البشرية، على الأرجح، من الهمجية و«المشاعية البدائية» إلى البداوة، فتشكلت العشائر والقبائل، ثم إلى الحضارة، التي ظلت مشربة ببعض عناصر البداوة وببعض قيمها، على وجه الخصوص، ثم إلى المدنية والمدنية الحديثة. أقصد بالمدنية الحديثة جملة مركبة من الصفات والخصائص، تجعل منها، أي من المدنية الحديثة، تجاوزًا تاريخيًا جدليًا أو ديالكتيًا للحضارة، التي لا تزال معظم عناصرها ومعظم قيمها، على وجه الخصوص ثاوية في أساس المدنية الحديثة، ولا سيما في المجتمعات غير الديمقراطية، إذ الديمقراطية الحديثة سمة أساسية من سمات التمدن. وصفة «الحديثة»، التي نصف بها المدنية والديمقراطية تحيل على الانتقال التاريخي النوعي من الزراعة إلى الصناعة، من حقبة «الثورة الزراعية» النيوليتية، إلى حقبة الثورة الصناعية الجديدة كليًا، والتي تعد تحولً نوعيًا في التاريخ البشري، تتوالى حلقاته بسرعة لم تعرفها التواريخ السابقة. ولعل الثورة الصناعية والثورة الديمقراطية ونمط الإنتاج الرأسمالي ثلاثة وجوه لحقبة تاريخية جديدة لا تزال في بداياتها، هذه الحقبة الجديدة هي المدنية، التي من أبرز سماتها:

1 – الثورة العلمية التكنولوجية، التي حررت العلم من اللاهوت، وجعلت من الطبيعة مصدرًا وحيدًا للمعرفة.

2 – نمو الصناعة الكثيفة وشمولها جميع مجالات الإنتاج الاجتماعي، بما في ذلك الزراعة والتجارة والمواصلات والاتصالات.

3 – نمو الترابط والتكامل بين الدول وبين أقاليم كل دولة على حدة، وهو نمو لا يزال بطيئًا ومتعثرًا جراء التبادل غير المتكافئ، على جميع الصعد.

4 – نمو المجتمع المدني/ المجتمعات المدنية، على قاعدة التقسيم الاجتماعي للعمل، (ويتضمن التقسيم الجنسي للعمل)، وفقًا لتكافؤ الفرص وتساوي الشروط المؤسسين على تساوي المواطنين والمواطنات في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، وتساوي النساء والرجال في الحريات الأساسية والحقوق المدنية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والالتزامات القانونية.

5 – نمو المجتمع السياسي/ المجتمعات السياسية، من الدولة/ الدول القومية إلى الدولة/ الدول الديمقراطية، مع رسابات قومية متباينة هنا وهناك.

6 – نمو الاتجاهات الكونية والإنسية في الثقافات الوطنية ونماذج المعرفة؛ فإن واقع أن العالم غدا «قرية كونية صغيرة» لا يقتصر على سرعة وسائط النقل ووسائل الاتصال، ولا على التكامل الاقتصادي، والترابط السياسي والأمني، بل يتعدى هذا كله إلى الترابط المعرفي والثقافي، وهذا مما يجعل الترابطية النموذج الأحدث من نماذج المعرفة والثقافة. على هذا الأساس يمكن أن نصف الوطنية بأنها ترابطية على المستوى الوطني أو المحلي، في مقابل الترابط الدولي والكوني.

7 – نمو الديمقراطية فكرًا وممارسة، والرهان على ممكناتها المعرفية والأخلاقية واتجاهها التاريخي نحو العدالة الاجتماعية، على الرغم من تراجعات وانتكاسات هنا وهناك؛ إذ لا يبدو أن أمام البشرية من طريق آخر إلى مستقبل آمن غير طريق الديمقراطية.

8 – المدنية، التي تأسست على اعتبار الطبيعة مصدرًا وحيدًا للمعرفة، واعتبار المجتمع مصدرًا وحيدًا للقيم، هي وحدة المعرفة والأخلاق وحدةً جدلية (ديالكتية). الرهان على ممكنات الديمقراطية، بل على ممكنات المدنية هو رهان على هذه الوحدة، التي ليست بعد، كما يمكن أن تكون، وكما يجب أن تكون.

9 – البنية الأساسية للمجتمع المتمدن تتجاوز البنية الأساسية للمجتمع المدني، بمعناه المتداول في العلوم الاجتماعية؛ إذ العلاقات التي تنسج البنية الأساسية لمجتمع متمدن هي علاقات بالغة التركيب والتعقيد، لأنها علاقات عابرة للمهن، أي عابرة لعلاقات العمل، أو علاقات الإنتاج، التي تنسج البنية الأساسية للمجتمع المدني. صحيح أن العلاقات المدنية تتضمن بالتأكيد العلاقات المهنية، ولكنها تتخطاها إلى علاقات أفقية وشبكية خالصة، تعينها أوجه النشاط والفاعلية الاجتماعية، وتخلو من حتى من التراتب الوظيفي، الذي يلازم علاقات العمل، ناهيك عن التراتب القيمي، الذي يسم العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل في المجتمعات ما قبل المدنية، قل في المجتمعات المتحضرة. أشير هنا، على سبيل المثال إلى الفرق الموسيقية وفرق الكورال والفرق المسرحية وفرق الرقص والفرق الرياضية على اختلاف الرياضات، والنوادي الأدبية والفنية، على اختلاف الآداب والفنون. هذه البنى تعيد إنتاج علاقات العمل في المؤسسات، التي كان قد عينها التقسيم الاجتماعي التقليدي للعمل، وترقى بها إلى مستوى العلاقات المدنية، الأفقية- الشبكية. هذه العلاقات الأفقية- الشبكية تقوم على الندِّية والتساوي في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والجدارة والاستحقاق، وعلى تكافؤ المعاني والقيم، التي يعتبرها الأفراد والجماعات مواطن اعتزازهم الأدبي، وتقوم، من ثم، على التساوي في المواطنة، وهذه تتضمن تساوي النساء والرجال في الحقوق المدنية، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، بل تتأسس على هذا التساوي، أو لا تكون مدنية.

   المساواة التي نلح عليها هنا هي مساواة بين مختلفين ومختلفات، لا تنفي أيًا من اختلافاتهم، لأن نفي الاختلاف هو نفي للحرية، لذلك تقتصر المساواة على الحريات الأساسية والحقوق المدنية والالتزامات القانونية. الناس متساوون في كونهم/ــن أحرارًا وحرائر، ومتساوون في الإنسانية والمواطنة والوطنية، وما تعينه المواطنة المتساوية من حريات أساسية وحقوق مدنية والتزامات قانونية.

10 – المساواة والحرية، وهما ركنا العدالة الأساسيان، تصيران قيمتين أساسيتين متعادلتين، تحكمان معًا جميع القيم الأخرى، في المجتمع المتمدن ونظامه الديمقراطي، بعد أن كانتا متراجحتين في المجتمع المدني.

11 – المجتمعات، في واقعها الفعلي، هي منظومات أخلاقية(132)، لأن الإنسان كائن أخلاقي، قبل أن يكون كائنًا عاقلً؛ وملكة الحكم العملية (الأخلاقية والجمالية والذوقية) تتقدم، في الفهم الإنساني على ملكة الحكم النظري، حسب كنت؛ الإنسان لا يحتاج إلى علم ولا إلى فلسفة ولا إلى دين لكي يكون أخلاقيًا، لكن المجتمعات الطبقية تعمل، وتتعامل، بالأعراف والعادات والتقاليد والشرائع الدينية والقوانين الوضعية، لا بالأخلاق، لأن هذه المجتمعات لا تزال مغتربة عن ذاتها، إلى هذه الحد أو ذاك.

   تعريف الإنسان بأنه كائن عاقل، منذ أرسطو وقبله، يرجع إلى اغتراب الإنسان عن ذاته، إما في الطبيعة وإما في الدين، ثم إلى اغترابه في العمل، وفي عملية/ عمليات الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي، على السواء. ومن ثم، إن التمدن هو عودة المجتمع إلى ذاته، بعد أن يكون قد اغتنى بثروات التقدم والتحسن الذاتي، وهو، أي التمدن، عمل المجتمع وتعامله بالأخلاق، وقد استوعبت الأعراف والعادات والتقاليد والشرائع الدينية والقوانين الوضعية، وأعادت إنتاجها بدلالة القيم الإنسانية العامة. المدنية بقول وجيز هي وحدة القوانين الوضعية والأخلاق الذاتية، التي تصير بموجبها القوانين أخلاقية والأخلاق قانونية، ويصير احترام القانون وازعًا أخلاقيًا متعلقًا بضمير الفرد.

   العلوم الاجتماعية والسياسية، لا تتناول، حتى اليوم، البنية الأساسية للمجتمع الفعلي، هنا- الآن، بل تتناول صورة مجتمع شكلتها الثقافة في الأذهان، إما وفق معيار «العقل» وفرضية «الإنسان العاقل» الاختزالية، وإما وفق معيار الدين، وفرضية الفطرة.

جدل الحرية والقانون:

   «الحق والأخلاق والواقع الفعلي للعدالة والحياة الأخلاقية تدرك عن طريق الأفكار، فمن خلال الأفكار يتخذ الحق والأخلاق شكلً عقليًا»، «شكل الكلَّية المتعيِّنة، وهذا الشكل هو القانون؛ وهو الذي ينظر إليه الشعور في نزوته الخاصة على أنه عدوه اللدود، وهو محق في ذلك، لأن هذا الشعور يقيم الحق على الاقتناع الذاتي، ومن هنا اعتبر الطابع الصوري الذي يتخذه الحق بوصفه واجبًا وقانونًا كأنه حرف ميت وبارد وقيد من القيود. (هيغل)»(133)

   يجمع الباحثون على أن المجتمع المدني هو مملكة الحرية، أو «فضاء من الحرية»، وأن الدولة الوطنية الحديثة هي مملكة القوانين، وأن العلاقة الضرورية، المنطقية والتاريخية، بين المجتمع المدني والدولة الوطنية هي ذاتها العلاقة الضرورية منطقيًا وتاريخيًا بين الحرية والقانون. وليس بوسعنا فهم الدلالات الحقيقية للمواطنة إلا في نطاق هذه العلاقة. «الدولة تشارك حر بين كائنات أخلاقية، لا تشارك بين مؤمنين، وغايتها تحقيق الحرية، لا تحقيق المعتقد(134). والحال إن التربية الحقة «العامة»، التي تقوم بها الدولة، تكمن في الوجود العقلاني والشعبي للدولة؛ الدولة نفسها تربي أعضاءها جاعلة منهم أعضاء حقيقيين في الدولة، بتحويل الأهداف الفردية إلى أهداف عمومية، الغريزة البدائية إلى حنو أخلاقي، الاستقلال الطبيعي إلى حرية فكرية، جاعلة الفرد يتفتح ويزدهر في حياة المجموع والمجموع يحيا في فكر الفرد(135)» وروحه.

   في الجمهورية، دولة الحق والقانون، الفضيلة هي حب الوطن، أي حب المساواة، وهذه ليست فضيلة خلقية ولا فضيلة دينية أو فطرية مطلقًا، بل هي فضيلة سياسية، وهذا هو النابض الذي يحرك الجمهورية. كما أن الشرف هو النابض الذي يحرك الحكومة الملكية، ولذلك سمَّى مونتسكيو حب الوطن والمساواة بالفضيلة السياسية(136). وليس عبثًا أن يقرن مونتسكيو مفهوم الوطن بمفهوم المساواة، المساواة في الحقوق، المساواة أمام القانون، ولنقل: المساواة المدنية أو المساواة السياسية، ولذلك كان حب الوطن، أي حب المساواة، فضيلة سياسية.

   ولعل المساواة السياسية بهذا المعنى مقدمة لازمة وشرط ضروري للمساواة الاجتماعية. و«ويل لمن يريدون أن يكونوا مواطنين من غير أن يكون هنالك وطن؛ وأن ينالوا غناهم من أيدي هادميهم». من دون قانون عام يحترمه الجميع، ويدافعون عنه، ومن دون مساواة بين المواطنين أمام القانون، ليس هناك وطن، وليس هناك مواطنون، بل أرض وكائنات طبيعية تتنازع عليها، كائنات طبيعية متساوية في الحيثية الطبيعية، ومتساوية في كونها لا شيء سوى ذلك. ولكن «عندما يصبح الناس في مجتمع، يفقدون حس ضعفهم، وتزول المساواة (الطبيعية) التي كانت بينهم، وتبدأ حالة حرب، ويأخذ كل مجتمع خاص في الشعور بقوته، وهو ما يوجب حال احتراب الأمم؛ ويأخذ الأفراد في كل مجتمع في الشعور بقوتهم، فيحاولون تحويل فوائد هذا المجتمع الرئيسية نفعًا لأنفسهم، وهذا ما يحدث حالة حرب فيما بينهم.

   نوعا حالة الحرب هذان يوجبان وضع قوانين بين الناس. وهذه القوانين نوعان: “قوانين تتعلق بصلة الحكام بالمحكومين، وهذه هي “الحقوق السياسية”؛ وأخرى تتعلق بصلات الناس فيما بينهم، وهذه هي “الحقوق المدنية(137)”. القوانين إذًا حاجة ضرورية لتنظيم الاجتماع البشري، بوجه عام والاجتماع السياسي، بوجه خاص. وليست القوانين في كل زمان ومكان سوى تجريد نظري لعلاقات واقعية محكومة على الدوام بجدل الضرورة والحرية. ولذلك اشترط مونتسكيو أن تكون القوانين موافقة للطبيعة، (وقوانين الطبيعة هي قوانين العقل)، وموافقة لمبدأ الحكومة القائمة أو التي يراد إقامتها، سواء كانت موحدة لها، كما هو شأن القوانين السياسية، أو حافظة لها، كما هو شأن القوانين المدنية(138). أي إن للقوانين وظيفتين أساسيتين: الأولى هي توحيد الحقل السياسي أو إقامة النظام، والثانية هي الحفاظ على هذه الوحدة، وعلى سلامة النظام وتماسكه.

   وظيفة القوانين السياسية أو الحقوق السياسية، على الصعيد الاجتماعي، هي توحيد المجتمع، ووظيفة القوانين المدنية أو الحقوق المدنية هي الحفاظ على وحدة المجتمع. وثمة روابط ضرورية بين الحقوق المدنية والحقوق السياسية، تجعل من المتعذر قيام إحداها بمعزل عن الأخرى. ولعل من أبرز معالم الاستبداد عدم وجود هذه الصلة بين الحقوق السياسية والحقوق المدنية، وذلك لعدم استقلال المجال الاجتماعي/ الاقتصادي عن مجال السلطة. للنساء في سوريا حق الاقتراع، منذ عام 1949 ، أسوة بالرجال، ولكنهن مغبونات ومحرومات من الحقوق المدنية المتساوية، ولا سيما تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية، كما أن الجماعات الإثنية الموسومة بأنها «أقليات» مغبونة ومحرومة من الحقوق السياسية المتساوية، ومن الحقوق المدنية المتساوية.

   بحسب مونتسكيو، «يجب أن تكون القوانين خاصة بطبيعة البلد، خاصة بالإقليم البارد أو الحار أو المعتدل، وبطبيعة الأرض وموقعها واتساعها، وبجنس حياة الأمم، (أي بنوع النشاط الذي تمارسه)، ويجب أن تناسب درجة الحرية التي يبيحها النظام، ودين الأهلين وعواطفهم وغناهم وعددهم وتجارتهم وطبائعهم ومناهجهم، ثم توجد لتلك القوانين صلات فيما بينها، صلات بأصلها، وبمقصد المشترعين وبنظام الأمور التي قامت عليها، فيجب أن ينظر إليها من جميع هذه الأغراض»(139).

   على أن الحاسم في الأمر عند مونتسكيو هو أن يضع الشعب وحده، بوساطة ممثليه الذين ينتخبهم بحرية، القوانين التي يرضاها لنفسه، وهذا هو القانون الأساسي للديمقراطية. فالحالة المدنية هي اجتماع جميع الإرادات والقوى على الخير العام. ولا يتحقق هذا الاجتماع إلا حين يشعر الذين يأمرون بتنفيذ القوانين بأنهم خاضعون لها وبأنهم يتحملون أعباءها، وحين يشعر الذين يطيعونها بأنهم إنما يطيعون عقولهم وإرادتهم العامة. وهذا معنى قولنا: إن المواطن في الدولة الديمقراطية حاكم ومحكوم في الوقت ذاته، لأنه هو الذي يضع القوانين وهو الذي يطيعها ويحترمها، ومعنى قولنا إن المواطنة هي رديف المشاركة في الشؤون العامة.

   لعل ميزة مونتسكيو التي بـزّ بها كثيرًا من معاصريه وممن سبقوه أيضًا، تكمن في ربط الفضيلة السياسية بالتربية، وربط القوانين بالتربية، التي تختلف قوانينها في كل أنواع الحكومات، فيكون موضوعها الشرف في الملَكَيات والفضيلة في الجمهوريات، والخوف في نظم الاستبداد. مبدأ التربية في المجتمع المعني هو نفسه مبدأ الدولة؛ إذ «الفضيلة ضرورية في الجمهورية، والشرف ضروري في المَلَكية، ولا بد من الخوف في الحكومة المستبدة، ولا ضرورة للفضيلة فيها مطلقًا، ويكون الشرف فيها خطرًا، ومن الضروري أن يقضي الخوف على كل شجاعة، فتنطفئ فيها حتى أدنى مشاعر الطموح »(140). ما يميز الاستبداد أنه يجعل من الخوف أداة سياسية، ويستثمر في الغرائز، لأنه لا يقوم ولا يستمر إلا بالقوة الطبيعية، قوة الشوكة، التي تقتضي إخضاع المحكومين، بجميع وسائل الإخضاع والإكراه.

   لا شرف ولا فضيلة مع الاستبداد، إذ ينشأ من طبيعة السلطة المستبدة كون الشخص الواحد الذي يمارسها يجعلها تمارس من قبل واحد أيضًا، ومن الطبيعي أن يشعر الرجل الذي تحدثه كل واحدة من حواسه الخمس بآيات عظمته، وبأنه كل شيء، بأن الآخرين ليسوا شيئًا، ولا يساوون شيئًا. وأن يكون إلى ذلك غشومًا ظلومًا جاهلاً. أما الحكومة الجمهورية فهي التي يحتاج فيها إلى جميع سلطات التربية، «فالخوف في الحكومات المستبدة ينشأ من تلقاء نفسه، بين الوعيد والعقاب، والشرف في الملكيات يعزَّز بالعواطف، وهو يعززها من ناحية أخرى. غير أن الفضيلة السياسية في الحكومة الجمهورية هي إنكار للذات، ويمكن تعريف هذه الفضيلة بحب القوانين وحب الوطن. وبما أن هذه المحبة تستلزم تفضيل المرء للمصلحة العامة على مصلحته الخاصة، فإنها تمنحه جميع الفضائل الخاصة، وليست هذه الفضائل غير هذا التفضيل. وهذه المحبة خاصة بالديمقراطيات خصوصًا عجيبًا، فالحكومة موكولة إلى كل مواطن في الديموقراطيات وحدها. ويتوقف كل شيء على تمكين ذلك الحب في الجمهورية، ويجب على التربية أن تهدف إلى إلقائه في النفس»(141).

   إن حب الوطن وحب المساواة أي حب الديمقراطية هو قوام الفضيلة السياسية التي تتعهد التربية غرسَها في النفوس ورعايتها، ومع أن المساواة هي روح الدولة الديمقراطية، فإن ما فيها من تفاوت يجب أن يستخرج من طبيعة الديمقراطية نفسها، ومن طبيعة المساواة نفسها. فلا يمكن للديمقراطية أن تكون نظامًا كاملً، ولا وجود للمساواة، ولا حاجة إليها، بلا اختلاف وتفاوت. وإن روح الاعتدال هو المرقى الوحيد إلى المساواة؛ والاعتدال نقيض التطرف الذي يولد جميع أشكال العنف وصوره. وكلما نما روح الاعتدال في المجتمع والدولة ينمو فيهما الروح الديمقراطي، إذا انطلقنا من واقع أن الديمقراطية هي حقيقة الدولة وحقيقة نظام الحكم، ما لم تكن هذه الدولة استبدادية وما لم يكن هذا النظام استبداديًا. لذلك يجب أن تتسم القوانين بالاعتدال، بصفته فضيلة بين رذيلتين، أي بين تطرفين: تطرف من اليمين وآخر من اليسار، تطرف في القبول التام وتطرف في الرفض التام، وأن تُتخَذ أكثر التدابير تأثيرًا للاعتراف بحقوق الشعب وحمايتها، ولكسر الاحتكار، احتكار الثروة والسلطة والقوة، وإلغاء كل امتياز يتعدى نطاق القانون. فـ«لا ينبغي للقوانين مطلقًا أن تؤيد ما يوجبه الزهو من الفروق بين الأسر بحجة كونها أعظم شرفًا أو أكثر قدمًا، ويجب أن يعد هذا من تُرَّهات الأفراد »(142). فالمسألة ببساطة أن شروط الولادة، في النظام الجمهوري، لا تمنح حقوقًا خاصة أو اميتازات لمن يولدون وفي حلوقهم ملاعق من ذهب وفضة، ولا تمنحهم مكانة رفيعة بسبب هذه الشروط.

للدين في الدولة المستبدة من التأثير ما ليس في سواها، فهو خوف يضاف إلى خوف، وفزع يضاف إلى فزع، ويحاول المستبدون أن يستمدوا بعض احترامهم ومشروعيتهم منه. ويمكن القول إنه يحل في هذه الدول محل القانون، على تأويل يرضي المستبد ويحمي دولته ويرفع شأنه إلى مصاف القديسين(143). وعلى الرغم من تشارك الحكام والمحكومين في الدين، إلا أن المحكومين ليسوا شركاء لا في السلطة ولا في «مجد الدولة وعظمتها»، ناهيك عن خيراتها. و «الطبيعة البشرية تثور على الحكومة المستبدة بلا انقطاع، غير أن معظم الأمم خاضعة لها، على الرغم من حب الناس للحرية وسخطهم على الطغيان. ويسهل إدراك هذا، ذلك أن إقامة حكومة معتدلة يقتضي ترتيب السلطات وتنظيمها وتعديلها وجعلها تسير، ومنح كل منها من الوزن ما تقاوم به الأخرى، (فصل السلطات). ويعد هذا من بدائع الاشتراع وما يندر صدوره عن المصادفة، وما يندر أن يترك لذوي الحكمة. وعلى العكس يتضح أمر الحكومة المستبدة لكل ذي عينين، فهي نمطية في كل مكان، ولا يُحتاج إلى غير الأهواء في إقامتها »(144) وما فساد الحكومات سوى فساد المبادئ التي قامت عليها. فلا يفسد مبدأ الديمقراطية، بحسب مونتسكيو، بضياع روح المساواة فقط، بل يفسد بالإفراط في انتحال مبدأ المساواة أيضًا. ولذلك عرف ألكسي دي توكفيل الحرية بأنها «السم المضاد للإفراط في المساواة»، وهي السم المضاد للتفريط بها أيضًا. هذا يعني أن الحرية سم مضاد للمساواة، التي تلغي الفروق والاختلافات، فتحكم بما هو قانوني خالص (مساواة المواطنات والمواطنين أمام القانون) على ما هو اجتماعي وثقافي وسياسي. الأفراد في المجتمع المدني ليسوا متساوين، بل هم متكافئون، وشتان بين المساواة التي تطمس الفروق كليًا، وبين التكافؤ الذي يتضمنها ويبرزها، ويقبل الاختلاف، لكنه يذهب على طول الخط ضد التفاوت والتفاضل.

   وكان توكفيل يعتقد أن «الدين الذي أعلن على الملأ أن الناس جميعهم متساوون في نظر الله، لا يسعه إلا أن يقرر أن جميع المواطنين متساوون في نظر القانون»(145). لكن الدين لم يعلن على الملأ تساوي النساء والرجال لا أمام الله ولا أمام القانون. لذلك لا يجوز أن تكون الشريعة لا مصدرًا للقانون ولا حتى مصدرًا رئيسًا من مصادره.

   في الديمقراطية حدان مفرطان يجب اجتنابهما: روح التفاوت التي تسوقها إلى الأرستقراطية، أو إلى حكومة الفرد، وروح المساواة المطلقة التي تسوقها إلى استبداد الفرد، كما أن استبداد الفرد ينتهي بغزو البلاد(146). وكان مونتسكيو يرى أن روح المساواة تبتعد عن المساواة في الثروة والملكية بعد السماء عن الأرض، ولا تقوم الأولى مطلقًا على قيام جميع الناس بالقيادة، أو على ألا يكون من الناس أحد مقودًا، بل على إطاعة الإنسان وعلى قيادته أمثاله، وهي لا تحاول ألا يكون له سيد مطلقًا، بل ألا يكون له سيد من أمثاله(147). مع أن الناس في الحالة الطبيعية يولدون متساوين، ولكنهم لا يستطيعون البقاء على هذه الحال، فالمجتمع يفقدهم المساواة، وهم لا يعودون متساوين إلا بالقوانين. أي إنهم لا يعودون متساوين إلا في كونهم مواطنين. ومن ثم فإن مكان الفضيلة الطبيعي هو إلى جانب الحرية، ولا تكون إلى جانب الحرية المطلقة أكثر مما تكون إلى جانب العبودية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مونتسكيو، على ميله إلى الديمقراطية، بل بسبب هذا الميل، يستعيد نقد أفلاطون للديمقراطية التي يمكن أن تؤول إلى فوضى أو إلى استبداد الأكثرية أو استبداد فرد، وإذا فسد مبدأ الحكومة مرة فإن أفضل القوانين يغدو سيئًا، أما إذا كان مبدأ الحكومة سليمًا فإن لأسوأ القوانين نتائج حسنة، فقوة المبدأ (مبدأ الدولة) تجتذب كل شيء(148).

   وقد لاحظ مونتسكيو أن الحرب والتوسع هما روح المَلَكيَّة، (وروح الإمبراطورية بوجه خاص) والسلم والاعتدال هما روح الجمهورية، ولا يدوم اتحاد ملكية وجمهورية إلا قسرًا.

   القانون والحرية صنوان، وإذا كان الشعب هو الذي يضع القوانين، فإن الحرية هي حق كل مواطن/ـة أن يعمل أو تعمل ما تبيحه القوانين، والأصح أن يمتنع كل مواطن عن عمل أي شيء لا تبيحه القوانين. القوانين قوة منع وكبح، وكل ما لا تحظره القوانين مباح. الإباحة هي الأصل، أي الحرية هي الأصل. ويمكن أن نصف الحرية في ظل الدولة بأنها حرية سياسية، لأن الدولة جسم سياسي- أخلاقي، وهي «مملكة القوانين». ومن ثم فإن الوطنية صفه سياسية- أخلاقية بحصر المعنى.

   المواطن هو عضو في الدولة السياسية، والحرية السياسية لا توجد إلا في الدولة المعتدلة، في الجمهورية. وما ذلك إلا لأن الدولة السياسية تقوم على تعدد السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستقلال كل منها استقلالً نسبيًا. ومن ثم فإن مبدأ فصل السلطات ليس مبدأ شكليًا، بل إنه وثيق الصلة بالحرية السياسية. فلا توجد الحرية مطلقًا إذا ما اجتمعت هذه السلطات في يد واحدة، شخصًا كان أم هيئة. ولا توجد الحرية، خاصة، إذا لم تكن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ذلك لأنه لا يجوز أن يكون المشرع قاضيًا ومنفذًا، كما لا يجوز أن يكون القاضي مشرعًا ومنفذًا، ففي الحالين يصير الحكم رهينًا للإرادة الفردية، أو لإرادة جزئية، أو لطغيان جماعي، كذلك الذي مارسته الثورات الشعبية.

   وحدة الحرية والقانون الجدلية هي ذاتها وحدة الحرية والضرورة، أو هي الشكل الاجتماعي السياسي لهذه الوحدة الجدلية. الضرورة هي الحامل الوحيد للحرية الموضوعية. والقانون في المجتمع المعني هو الحامل الوحيد للحرية الموضوعية، من هنا يأتي افتراضنا أن للقانون بطانة أخلاقية، وأن سيادة القانون شرط رئيس لحياة أخلاقية لائقة. «إن مجتمعًا بلا قوانين لن يكون مجتمعًا حرًا، كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، بل سيكون مجتمعًا فوضويًا يسحق قويُّه ضعيفَه؛ مادام في المجتمع قوي وضعيف، فستكون الحرية أداة للجور والطغيان، وسيكون القانون دائمًا أداة للتحرير والتنظيم»(149). وربما كان الأصل في شتى التصورات الخاطئة للحرية هو الخلط المستمر بين الحرية والفوضى أو التسيُّب والتفلُّت والعبث واللامسؤولية، كأن الإنسان الحر هو ذلك الموجود الأخرق الذي يتصرف دونما أدنى باعث على الإطلاق.(150)

   لعل ضرورة القانون تنجم أيضًا عن التعارض الدائم بين الطابع العام والكلي للدولة، والطابع الخاص والجزئي للفئة الاجتماعية التي تمسك بمقاليد الحكم وتوجه دفته الوجهة التي تخدم مصالحها، ومن ثم فإن القانون يغدو شرطًا ضروريًا للسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي، وإلا فإن المصالح الخاصة العمياء تؤدي بالمجتمع إلى الفوضى والاضطراب، حتى تودي به. وحين يتجرأ الحاكمون على القانون، فيخرقونه أو يتجاوزونه أو يعطلونه، لأي سبب من الأسباب يتفشى الفساد في مؤسسات الدولة وتنتشر الفوضى في المجتمع. فالفساد والفوضى نتيجتان حتميتان لغياب القانون أو تغييبه. وجميع الحكام الذين أخذوا يجمعون سائر السلطات في أيديهم، ولا سيما سلطة التشريع، تحولوا إلى مستبدين وأفسدوا الدولة ومؤسساتها أيما إفساد.

   وبما أن كل مواطن في الدولة الحرة يفترض أنه حر وذو نفس حرة، يحكم نفسه بنفسه، فإن من الواجب أن تكون السلطة التشريعية في يد الشعب جملة؛ ولكن هذا متعذر في الدول الكبيرة، وله محاذير جمة في الدول الصغيرة، لذلك وجب أن يصنع الشعب بوساطة مندوبيه الأكفياء ما لا يستطيع فعله بنفسه. وتضيع الحرية عند عدم اجتماع الهيئة التشريعية زمنًا طويلاً، كما يقول مونتسكيو؛ ذلك لأنه يحدث واحد من أمرين: أن ينقطع إصدار القوانين، ويتوقف التشريع، فتقع الدولة في الفوضى. أو أن تصدر السلطة التنفيذية هذه القوانين، فتصير السلطة التنفيذية سلطة مطلقة(151). وتهلك الدولة حين تفسد السلطة التشريعية، وتتخلى عن وظائفها. وتهلك أيضًا عندما تصير السلطة التنفيذية سلطة مطلقة، كما هي الحال عندنا. يجب الاعتراف أن الدولة عندنا تهالكت، منذ عام 1958 حتى هلكت، لأن رأس السلطة التنفيذية كان المشرع الوحيد، وقد جعل من السلطة سلطة شخص واحد في جميع المجالات، من رئاسة الدولة إلى رئاسة مدجنة من مداجن القطاع العام، بشرط واحد هو أن يكون هذا الشخص تافهًا، إذ الاستبداد والتفاهة صنوان لا يفترقان والضغينة أختهما في الاستبداد والتفاهة.

   للحرية في الدولة وجهان متلازمان: الوجه الأول يتصل بالنظام العام، والوجه الثاني يتصل بالمواطن. الضمانة الأساسية للحرية في النظام العام هي فصل السلطات، واستقلال كل منها استقلالً نسبيًا، وفصل السلطات نفسه يفترض سيادة القانون الذي ينظم عمل السلطات الثلاث، ويكفل حسن قيامها بوظائفها. على أن أساس هذه الحرية هو حرية المواطن واستقلاله وتمتعه بجميع حقوقه، وشعوره أنه في مأمن من أي ظلم أو حيف أو عدوان. والقانون هو الرابط الوحيد بين هذين الوجهين.

   الضرورة ضرورتان، داخلية وخارجية، وكلتاهما تحملان الحرية، سواء في المجتمع المعني والدولة المعنية أو في عالم المجتمعات والأمم والدول، إذ الضرورة إيجاب، يحمل نفيه في داخله (كل تعيُّن نفي أو سلب، حسب اسبينوزا). وإذا كان القانون هو التعبير العملي عن الضرورة الاجتماعية والسياسية، فهو ناتج من الحرية على الصعيدين الوطني والعالمي. ولكن الحرية، من هذا الجانب، هي وعي الضرورة، الوعي الذي يجعل من الحرية قانونًا داخليًا، على صعيد الفرد والمجتمع والجماعة الإنسانية، ويجعل القانون الوطني والقانون الدولي على السواء تعبيرًا عن الحرية.

   الضرورة خارجية، حتى حين نتحدث عن ضرورة داخلية، والحرية داخلية مطلقًا، هي داخل الداخل، إذا جاز التعبير؛ أي إنها تنبع من جوانية الفرد وجوانية المجتمع وجوانية الجماعة الإنسانية، ولا يكون المجتمع حرًا والدولة حرة إلا حين تتحول الضرورة الخارجية على كل صعيد إلى حرية داخلية. ولكي لا يغدو كلامنا ضربًا من تجريد نظري خالص، نتحدث اليوم عن الحرية السياسية، بالمعنى الذي أشرنا إليه آنفًا. فلا ينبغي أن يظل القانون قوة منع وكبح خارجية، بل ينبغي أن يتحول إلى قوة داخلية، إلى قوة روحية داخلية في الفرد والمجتمع، إلى وازع داخلي، أي إلى نوع من ضمير فردي واجتماعي، وتلكم هي الحرية. وهذا لا يتحقق بالفعل إلا حين يغدو الفرد الطبيعي الفعلي مواطنًا فعليًا، أو حين يغدو الكائن الاجتماعي نفسه (بالتأنيث والتذكير) كائنًا سياسيًا وأخلاقيًا. المواطنة، بما تعنيه من تواصل وتعارف وتفاهم وتعاون واحتياج متبادل واعتراف متبادل وثقة متبادلة ومشاركة إيجابية في الحياة العامة وفي حياة الدولة، لا تكون كذلك إلا حين يصير القانون وازعًا داخليًا، أو ضميرًا وطنيًا، لدى الأفراد والجماعات. هذه هي العلاقة النوعية التي تميز المجتمع الحديث من المجتمع التقليدي، والمجتمع المدني من المجتمع الأهلي، العلاقة التي تحمل إمكانية أن يتحول المواطن إلى عضو فعال في جماعة مؤنسنة. هذه العلاقة بين الحرية والقانون هي التي جعلت سقراط يؤثر تجرع السم على مخالفة قوانين بلاده. وهي نفسها التي تجعل المواطنين يدافعون عن بلادهم. المرويات التاريخية حافلة بأخبار مستبدين استقدموا الغزاة والمحتلين إلى بلادهم و «شعوب» لم تقاوم أولئك الغزاة والمحتلين. وهذا مما يحدث في سوريا اليوم، كما حدث، ولا يزال يحدث في العراق.

   إذا كانت الحرية، في أحد وجوهها، هي موضوعية الإرادة، فإن الإرادة تتعين في التملك، تملك العالم بالمعرفة والعمل، وفي الملكية الخاصة، بما هي شكل من أشكال التملك. وما دام النظام العام في المجتمع المعني يقوم على الملكية الخاصة، فإن حماية الملكية الخاصة، وضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين والمواطنات في التملك، هو في الوقت ذاته حماية للحرية. «فكما أن الناس عدلوا عن استقلالهم الطبيعي ليعيشوا تحت ظل القوانين السياسية، عدلوا عن شيوع الأموال، ليعيشوا تحت ظل القوانين المدنية. الناس يكسبون الحريات بالقوانين الأولى، ويكسبون الملك بالثانية، ولا ينبغي أن يُقرَّر بقوانين الحرية التي لم تكن غير قوانين المدينة ما يجب أن يُقرَّر أمرُه بالقوانين الخاصة بالملك. ومن القياس الكاذب أن يقال بوجوب خضوع المصلحة الخاصة للمصلحة العامة؛ فهذا لا يكون في غير موضوع سلطان المدينة، أي حرية المواطن، ولا يكون هذا في الأحوال التي يكون ملك الأموال موضوع بحث فيها؛ ثم إن المصلحة تقضي بأن يحافظ كل واحد، في كل وقت، محافظة ثابتة على ما تنعم به القوانين المدنية عليه من الملك. إذًا، لنضع المبدأ القائل بأن المصلحة العامة إذا كانت موضوع بحث لا يعني هذا أن تنطوي هذه المصلحة العامة على حرمان فرد من ماله، أو على اقتطاع أقل قسم من ماله بقانون أو نظام سياسي، ففي هذه الحال يجب اتباع القانون المدني اتباعًا دقيقًا، يجب اتباع هذا القانون الذي هو حصن الملكية»(152).

   إذًا يجب ألا يقضى بقواعد الحقوق السياسية حين يجب أن يقضى بقواعد الحقوق المدنية، كما في قرارات التأميم والمصادرة التي شهدنا أسوأ أشكالها، والعكس صحيح، أي يجب ألا يقضى بقواعد الحقوق المدنية حين يجب أن يقضى بقواعد الحقوق السياسية. وأساس جميع المسائل هو عدم خلط القواعد التي تشتق من ملك المدينة (الدولة) بالقواعد التي تنشأ عن حرية المدينة. كما أنه لا ينبغي أن يقضى بمبادئ القانون المدني في أمور خاصة بحقوق الأمم. فالحرية تقوم على مبدأ عدم إلزام المواطن بفعل أي شيء لا يأمر به القانون، فنحن أحرار لأننا نعيش في ظل القوانين المدنية(153)، القانون هو مما يجعل الإنسان إنسانًا، لا الفطرة الطبيعية، وهذا معنى قولنا إن الإنسان هو ابن التاريخ، لا ابن الطبيعة فحسب، ومن البديهي أن المجتمع كذلك.

   لا قيمة للقانون والقوانين، ولا معنى لكل ما تقدم عن العلاقة بين الحرية والقانون، بل لا قيمة للدستور نفسه، إذا لم يكن هناك قضاء مستقل وعادل. يقال على صعيد المسرح: «اعطوني مسرحًا أعطكم شعبًا». على النحو نفسه يمكن القول اعطوني قضاءً مستقلاً وعادلاً، تُنفَّذ أحكامه تنفيذًا صحيحًا، أعطكم مجتمعًا معافى، متماسكًا وجيد التنظيم. القضاء يعني العدالة القانونية، التي يفترض أن تكون أعلى سلطة أخلاقية، لإعطاء كل ذي حق حقه، ورفع الظلم والغبن عن المظلومين والمغبونين، ومساواة المواطنات والمواطنين أمام القانون، كما تنص إجراءات العدالة أو «أصول المحاكمات»، ومعاقبة من تثبت إدانتهم «باسم الشعب »، وإغناء المدونة القانونية وتعديلها، وفقًا لنمو الحياة الاجتماعية، واكتشاف ما هو عام في الحالات الخاصة، موضوع نظر المحاكم، وذلك باجتهادات القضاة، التي تقرها محكمة النقض؛ لأن الطابع العام والمجرد للقانون لا يشمل جميع الحالات الخاصة، التي يتجلى فيها العام، ولأن العام لا تُدرك جميع تجلياته، فليست القضايا والادعاءات والوقائع شفافة ومساوقة للنصوص والأحكام العامة. ولا يزال محامو الادعاء ومحامو الدفاع يتصلون بنسب ما بالسفسطائيين، الذي كانوا يبرهنون على صحة القضية وصحة نقيضها، لذلك لا يجوز أن يكون هدف القضاة وهدف الادعاء والدفاع إدانة المتهم/ـة أو تبرئته/ـا، فقط، بل تحقيق غاية القانون.

   وقد تسيطر الفئة الحاكمة على القضاء فتتبعه لسلطتها التنفيذية. لذلك لا ينبغي النظر إلى السلطة التنفيذية بعين الرضا، أيًا كانت الفئة التي تمسك بدفتها، وأيًا كانوا من يمارسونها، لأن السلطة التنفيذية، كأي سلطة، تميل دومًا إلى السيطرة والتوسع وتجاوز الحدود واحتلال الفضاء العام، لتحقيق درجة من الانضباط الاجتماعي القسري، الذي يتطلبه النظام، ويبلغ هذا الانضباط حدوده القصوى في النظم التسلطية، التي تعطل نمو المجتمع، وتمنع أي إمكانية للتواصل وتبادل الأفكار وتداولها وأي فسحة أخلاقية للحوار، وتتأوَّل المصلحة العامة بما يخدم مصالح الأقلية الحاكمة، وتقنِّعها بخطاب وطني أو قومي، لا تاريخي ومضاد للتاريخ. هذا يقتضي أن تكون انتظامات المجتمع المدني ومؤسساته عونًا للسلطتين التشريعية والقضائية، حتى ليمكن القول إن الحياة السياسية السليمة، أي الحياة الأخلاقية، تقوم على ثلاث سلطات: السلطة التشريعية والسلطة القضائية وسلطة المجتمع المدني، فيتوقف أداء السلطة التنفيذية على مدى اتساق هذه السلطات الثلاث وتوازنها وتكاملها، وكذلك سلطة الصحافة والإعلام، لأن هذه الأخيرة قلما تكون حرة ومستقلة.

   غاية القانون، التي يتوخاها القضاء العادل والمستقل ليست معاقبة (س) من الناس وتبرئة (ص) فقط، وليست حل الخلافات والنزاعات فحسب، بل لجم غوائل الأنانية والجشع والنزعات العدوانية، الراسبة في خوافي الأفراد والجماعات، ولجم غوائل السلطة، سلطة المال والجاه والقوة، والسلطة السياسية، سلطة الدولة، حين تتجاوز حدودها أيضًا. صحيح أن القانون يحقق العدالة للأفراد، ولكن غايته الأبعد من ذلك والأعمق من ذلك هي تحقيق العدالة للمجتمع، لذلك تفتتح أحكام القضاء باسم الشعب.

في نقد «الروح القومية» أو الوطنية:

   ستدعي هذه الفقرة أن الوطنية، بالمعاني المشار إليها في الفرضيات السابقة، قد تحررت من تاريخ ميلادها مفهوميًا، وتجاوزت نواتها الأولى، التي تنطوي على بذور العنصرية والتوسع والاستعمار والإمبريالية عمليًا، وأن ما مكنها من هذين التحرر والتجاوز، هو نمو الروح الإنساني، في النظم الديمقراطية، بل تموضع الروح الإنساني أو تحققه النسبي في هذه النظم الاجتماعية- السياسية والثقافية والأخلاقية، بالتحديد، ونموه فيها. وقد أشرت غير مرة، وفي غير مكان، إلى أن الإنسانية أساس الوطنية أو جذرها ورافعتها وأفقها(154)، أو لا تكون الوطنية سوى هوية أيديولوجية وهمية، لميول عنصرية واستعمارية وإمبريالية، قائمة وممكنة. كما أشرت إلى أن الجذر الإنساني للوطنية هو ما يجعل المساواة بين الأفراد وبين النساء والرجال، في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق ممكنة، ويجعل المساواة في المواطنية والوطنية ممكنة أيضًا، بحكم وحدة الفرد والنوع، (سقراط إنسان، هيباتيا إنسانة) ووحدة الأنوثة والذكورة (سقراط ذكر/ أنثى، هيباتيا أنثى/ ذكر) ووحدة الفرد الطبيعي والمواطن/ـة، (سقراط فرد طبيعي/ مواطن، هيباتيا فرد طبيعي/ مواطنة)، هذا الحكم ليس من وحي أي عقيدة أو مذهب أو نظيمة فكرية، بل من وحي حقيقة أنطولوجية. كما أشرت إلى أن الإنسانية والوطنية صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل، فليس ثمة من هو أو هي إنسان أكثر أو أقل من الآخرين والأخريات، وليس ثمة من هو وطني أو من هي وطنية أكثر أو أقل من الآخرين والأخريات.

   إذا كان التساوي في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، والتساوي في الحقوق المدنية والسياسية، وتكافؤ المعاني والقيم بين الأفراد والجماعات ومنظمات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب السياسية، التي تتقيد بدستور البلاد المعنية، إذا كانت هذه كلها مما يعين بعض معاني المواطنة أو مضامينها، فإن المواطنة المتساوية، التي تعبر عن هذه المعاني، هي الأساس الذي يبنى عليه التساوي في الوطنية. فالتفاضل في الوطنية راسب من رواسب ماضي الوطنية، وماضي الدولة الوطنية، ويحيل على الميول العنصرية والاستعمارية والإمبريالية التي كانت تنطوي عليها الوطنية، أو القومية، في الماضي، ولا تزال كذلك في غير مكان.

   قال أبو حيان التوحيدي في مقابساته، على لسان أرسطوطاليس: «الإنسانية أفقٌ؛ والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه؛ … فإن خرج عن أفقه، صار إلى أرذل من البهيمة لسوء إيثاره»(155). منذ زمن أرسطوطاليس، وقبله، ثمة سيرورتان متعاكستان في التاريخ البشري، سيرورة التحسن الذاتي والتحرك نحو الإنسانية، وسيرورة معاكسة هي النكوص إلى التوحش والبهيمية. تتجلى سيرورة الخروج عن أفق الإنسان، والنكوص إلى البهيمية، في الأزمنة الحديثة، في النزعات العنصرية التي عبرت عنها فكرة القومية القائمة على أسطورة العرق (الإثنوس) والتصنيف العرقي للبشرية. ويمكن للبحث المتأني أن يعثر على هذين الاتجاهين المتعاكسين في جميع «الدول القومية »، وشبيهاتها، وفي الدول الديمقراطية، التي لم تُصفِّ حسابها بعد مع تاريخها القومي القريب، والتي لا تزال سادرة في سياساتها الاستعمارية والإمبريالية. العنصرية إزاء الملونين والملونات في الولايات المتحدة الأمريكية لا تنفصل عن الميول الإمبريالية والسياسيات الإمبريالية للولايات المتحدة، بل يمكن القول إن الميول الإمبريالية المتجهة إلى الخارج تقوي الميول العنصرية في الداخل، وتتقوى بها، وكذلك الميول والسياسات الاستعمارية.

   الإمبريالية عنصرية متجهة إلى الخارج، والعنصرية إمبريالية متجهة إلى الداخل. الإمبريالية أكثر من نهب الموارد والسيطرة على المقدرات؛ إنها عنصرية، تلون الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية، أينما وجدت. بعض الدول المتقدمة لا تزال تأنف الاعتراف بماضيها الاستعماري وسياساتها الإمبريالية وتأنف الاعتذار عنها. ثمة علاقة لا تنفصم بين العنصرية، بجميع أشكالها، وبين تجييش الجيوش وصناعة الأسلحة وشن الحروب؛ فالغزوات والفتوحات والحروب والنزاعات المسلحة هي التجسيد الفعلي للبهيمية والتوحش.

   أشرت إشارة عابرة إلى الحاضنة العثمانية لفكرة القومية العربية، وإلى مصادرها النظرية الأوروبية، وإلى مثالها «التاريخي»، فلا بد من الوقوف مليًا عند هذه المسائل؛ الحاضنة العثمانية حددت تصور النخبة العربية لرابطة تحل محل «الرابطة العثمانية»، قوامها: 1- العروبة، منظورًا إليها من زاوية النسب (= العرق) واللغة. 2– الإسلام منظورًا إليه على أنه ما وحد «العرب»، وجعل منهم أمة، هي خير أمة أخرجت للناس. 3- الطابع الإمبراطوري )الإمبريالي) للخلافة العربية الإسلامية، في إهابها العثماني، وماضي الخلافة الإسلامية، التي بلغت أوج قوتها وتوسعها في «العصر الأموي». لذلك يعد العصر الأموي مثال الفكرة القومية العربية وتجسيدها. ربما كانت عروبة الإسلام وقداسة اللغة العربية (الفصحى)، بما هي لغة القرآن ولغة النبي ولغة قريش، التي تداولت الخلافة، من مبدئها إلى حتى انتقالها إلى غير العرب، من أبرز مقومات الفكرة القومية لدى النخبة العربية المناهضة «للاستبداد العثماني »، كما عبرت عن نفسها علانية، في مؤتمر باريس 1913 .

   أما مصادر الفكرة القومية العربية، على الصعيد النظري، فأهمها مصدران: الثقافة الفرنسية والثقافة الألمانية، وقد يكون تأثر المثقفين العرب بالثانية جاء، على الأغلب، من طريق الأولى. فقد ظهرت إرهاصات الفكرة القومية، في أوروبا، أواسطَ القرن الثامن عشر، مع نشوء الحركة الرومانتيكية بصفتها حركة احتجاج على عقلانية عصر الأنوار الصارمة، التي كانت امتدادًا لما وصف بأنه «عصر العلم»، في القرن السابع عشر. ولعل من أبرز منظري الفكرة القومية، في ذلك الحين، المؤرخ والشاعر والناقد والفيلسوف اللاهوتي الألماني يوهان غوتفريد هردر (1744- 1803)، وجورج فيلهلم فريديرش هيغل (1770-1831) ثم المؤرخ والفيلسوف الفرنسي أرنست رينان (1823-1892)، الذي تأثر بكل من هيغل وهردر ومالبرانش.. ولم تخفَ ميوله العنصرية.

   يحسن التوقف مليًا عند هردر، لا بسبب سبقه إلى تنظير الفكرة القومية، على العموم، فقط، إذ وصف بأنه «أبو القومية الألمانية »، بل إلى استيحاء هذه الفكرة، ولو جزئيًا، من تاريخ الإسلام وسيرة النبي محمد. لذلك قد يحق للقوميين العرب، الذين نُسب إليهم التأثر بالثقافتين الفرنسية والألمانية، أن يقولوا: «هذي بضاعتنا ردت إلينا». لقد وصف هردر بأنه «مفكر سبق عصره، وشجع على التسامح والتعددية، والهوية العرقية»، حسب إيان ألموند(156)؛ هذه الصفات، أي التسامح والتعدد والهوية العرقية، تنطبق على الإسلام، ورؤية القوميين العرب لـ«التاريخ العربي- الإسلامي».

   وإذ نظر نقاد ما بعد الحداثة إلى هردر على أنه «ناقد ذو بصيرة للمركزية الأوروبية، ومؤكِّد على اعتبارها منظومة قيم غير عالمية وصالحة نسبيًا»(157) لم يلتفتوا إلى «الروح الألمانية» الثاوية في نقده، فلعل تتبع تصورات هردر عن العرب يكشف عن هذه الروح التواقة إلى مركزية ألمانية تحل محل المركزية الأوروبية، ومناهضة لمركزية الكنيسة الكاثوليكية، لمصلحة كنيسة قومية، لا يهم إن كانت كاثوليكية أو بروتستنتية. إن وحدة العرق و «العقيدة القويمة» ووحدة اللغة والتاريخ، وهي قوام الفكرة القومية عند هردر، مستمدة من تاريخ الإسلام المحمدي. وصفنا الإسلام بهذه الصفة لأن هردر لا يفصل تاريخ الإسلام عن شخصية النبي محمد الملهمة، التي لا ينفك المسلمون يعيدون إنتاجها؛ هذه كانت رؤية باكرة، ودعوة باكرة، لما يجب أن تكون عليه القومية المتفوقة، أو لما ينبغي أن تكون عليه «الروح القومية» الغازية، المسلحة بالعرق واللغة والدين، علاوة على القوة، وتكاد أن تكون حدسًا بما آلت اليه القومية، في ذروتها النازية. إن وحدة المصحف والسيف، ووحدة الدين والدنيا والدولة، عند حسن البنا، هي بالضبط معنى تأويل هردر للإسلام، من زاوية النظر القومية. (158)، لكن حسن البنا يعتبر الإسلام دينًا رمزه المصحف وقومية رمزها الدنيا والسيف، في الوقت نفسه.

   سنعتمد على مقالة إيان ألموند، التي تتبع فيها تصورات هردر عن العرب، وعن الإسلام معرَّفًا بكيفية انتصاره وكيفية انتشاره، وعن القرآن معرَّفًا بلغته، وعن النبي محمد، الذي «نشر الدين بحد السيف والنار»، وسكب العاطفة الدينية في بوتقة العروبة، بوتقة العرق العربي، فصاغ الفكرة القومية العربية وما صار يسمى الشعور القومي العربي.

   أولى إشارات هيردر إلى الإسلام (عام 1765) كانت تعبيرًا عن تذمُّره من حاضر ألمانيا الضعيفة والمتنثرة؛ وكانت عقيدته البروتستانتية، المناهضة للمركزية الكنسية الكاثوليكية وسلطتها المستبدة نواة أفكاره، وأساس نقده الباكر للمركزية الأوروبية، ومركزية الثقافة الأوروبية. «عبَّرت تلك العقيدة عن نفسها في ميوله القومية التي ظهرت في مقالة له عن مارتن لوثر، وصفه فيها بـ«معلم الأمة الألمانية»، وفي فقه اللغة/ الفيلولوجيا التي استخدمها في كتاباته لتأويل الإنجيل، وفي فهمه للتاريخ بما هو «كتاب الرب العظيم المتجاوز للزمان والمكان»، وفي تحفظاته على عصر التنوير باعتباره «قرنًا يكره كل ما هو معجِزٌ أو كامِنٌ أكثر من أي شيء آخر». غير أن آراءه المتناقضة أشد ما يكون التناقض عن العرب والإسلام والنبي محمد تُبين الغاية التي تكمن خلف أحكامه الإيجابية، التي لا تلبث أن تنقضها عاطفته وعقيدته الدينية؛ الإسلام الظافر، الذي فُرض على القبائل والشعوب المغلوبة، بقوة السيف، وسلطة اللغة والدين، فوحّدها، تحت حكم العرب، لا يزيد على كونه نموذجًا (بارادايم) لما يجب أن تكون عليه حركة قومية (عرقية) توحد ألمانيًا بقوة السيف واللغة والدين، وتضع حدًا للأوروبية والكاثوليكية. ثمة عدد من المزاعم لم يتخل عنها هردر حتى في لحظات تمجيد الإسلام والدفاع عنه، تتمثل في ثلاث نقاط: «خداع محمد للذات، والطبيعة العنيفة للإسلام، والجذور المسيحية للإسلام»، علاوة على أحكامه المتناقضة على العرب، الذي يبدون همجًا وأشرارًا مرة وعشاقًا للشعر، ذوي قيم نبيلة ونموذجًا للوعي القومي مرة أخرى.

   لا تتضح حقيقة الفكرة القومية، لدى هردر وسائر منظري القومية، إلا من خلال النظر فيها وإليها بصفتها من أبرز منتجات الحركة الرومانسية، المناهضة لعقلانية عصر الأنوار، تلك الحركة، التي كان هردر من روادها الأوائل. وتجدر الإشارة إلى أن الفكرة القومية العربية ولدت هي الأخرى في مناخ رومانسي، وضعت فيه أسس ما سوف يكون رومانسية ثورية، مناهضة للاستبداد والاستعمار، وتوّاقة إلى التحرر من…، لا إلى الحرية، وهي رومانسية متفائلة، تستمد تفاؤلها من تاريخ مُتَخيَّل حافل بالأمجاد وإرادة ثورية تتخطى المصاعب والعقبات.

   إلى ذلك أعجب هيردر أيما إعجاب ببراعة محمد وأدائه السياسي المذهل، وإنجازاته، وفي مقدمها «توحيد الأمة »، وفرض عقيدته على القبائل المغلوبة والشعوب المغلوبة، بالحديد والنار. فقد «ترك قرآنه تأثيرًا عظيمًا في نفوس [العرب]، ولأنه يحتوي على الكثير من الإشارات الجليلة؛ فلا يمكن بالتالي إلا أن يكون مُرسَلاً من السماء. عَيَّن محمد نفسه على هذا الأساس، وتحدى جميع المنافسين، لأنه تفوق [على كل من حوله] في الشِّعر، كما أصبح أيضًا ظافرًا بالدين، ومعتَقَدُه كان قويًا جدًا في لاهوتية الشِّعر».

   في مقالة معنية أساسًا بالسؤال السياسي الاجتماعي: (كيف يمكن للشِّعر أن يؤثّر ويُلهِم الوعي والأخلاق في مختلف الثقافات؟) يقلَّل هيردر من قيمة أي مداخلات مسيحية محتَمَلَة من أجل التركيز على فكرته الأساسية: الفاعلية السياسية للاستاطيقا/ الجماليات التي تحلَّى بها محمد. هناك تتوارى نصف شرعية نجاح محمد؛ من خلال إشارة هيردر إلى عقيدة النبي المستمَدَّة من التقوى البلاغية/ الشِّعرية.

   إن كان الهدف الرئيس من جزء «محمد» في كتاب هردر (في تأثير الفن الشِّعري) هو تبيان كيفية استخدام الشِّعر في إعطاء الشعوب هوية محددة وجمعهم وتوحيدهم؛ فإن رصده لمواهب النبي، وحياته «الشفافة أخلاقيًا»، في كتابه (أفكار)، يبين كيف أن مُعتَقَد محمد النابع من الوحي السماوي هو أمر لا مفر من إقراره (ومن ثَمَّ؛ فهمه). هذه الصورة المُلتبِسة لشخص حَسَن الخُلُق ومبدِع على نحو مثير للإعجاب، وإن كان لا يزال في نهاية المطاف ضالاً؛ هي تسوية مضطربة بين هيردر القِس وهيردر الشاعر، فرضتها رؤيته السياسية لما هي الأمة وكيفية نشوئها، ولما هي العقيدة القومية. في هذا السياق، تجب ملاحظة شغف العرب بالشعر، في خلال ما سمي عصر النهضة العربية، واعتباره عنوان أمجاد الأمة، تزهو الأمه بازدهائه وتذوي بذبوله. ولا عجب أن يصير المتنبي شاعر القومية العربية، مثلاً، ومثال الشاعر/ أو أن يصير أبو تمام مثال الزهو بانتصارات العرب على «علوج الروم»: (السيف أصدق أنباء من الكتب.. )، ومثال الأناقة الشعرية. وعليه يمكن القول إن القومية العربية منتج رومانسي شاعري، فحسب.

   على الرغم من أن هيردر لا يمكن أن يُسَمى أبدًا بـ«كالفني تركي»، [نسبة إلى جان كالفن] وهي تسمية شاعت في القرن السادس عشر والسابع عشر؛ وأُطلقتْ على البروتستانتيين الذين دفعهم كرههم للبابوية إلى التفكير في إمكانية وجدوى التحالف مع العثمانيين  إلا أنه كانت هناك بالتأكيد لحظات يقارن فيها هيردر بين الإسلام والكنيسة الرومانية الكاثوليكية على حساب الأخيرة. ومع أن مقارناته تلك لم تكن صارمة كصرامة موقف لوثر، الذي شعر بأن «البابا تسبب بالضرر لملكوت المسيح أكثر من محمد»، إلا أن هيردر أيَّد من آن لآخر هذا العُرْف البروتستانتي الممتد من ميلانكتون (1497-1560) إلى نيتشه، الذي رفع شعار «سلام مع الإسلام، وحرب على روما»؛ وهو عُرفٌ قائمٌ على التقييم الحاد للكنيسة الكاثوليكية عبر عدسة الإسلام التي تظهر التخلف الروحي والفكري للبابوية الرومانية، الذي تلقى مسؤوليته بشكل أُحادي تقريبًا على «بربرية الغرب»، واستمرار العصور المظلمة، وترادف المعرفة مع «الشعوذة والكفر».

   يخبرنا هيردر عن نفسه قائلً: «في هذا السياق؛ أكاد أُفضِّلُ محمدًا على البابا، والمسلمين على الرهبان. لقد قاموا (يقصد المسلمين) بتشجيع طلب العلوم، وبحثوا عنها حبًا لها..»

   محمد يزيح البابا، كعنصر مرجعي أكثر صلة وجاذبية، في كتابات هيردر؛ هذه خطوة تشكل بالتأكيد جزءًا من مشروع هيردر الأوسع: زحزحة المركزية الأوروبية. عدم ثقة هيردر بما سماه ب «البابوية» سهَّل حتمًا صرف نظره بعيدًا عن أوروبا وتحديقه في المشرق الإسلامي الذي كان سعيدًا، في بعض اللحظات على الأقل، بالتأكيد على جدارته والثناء عليه ضد جيرانه الكاثوليك. إيمان هيردر البروتستانتي، بمضامينه السلبية المضادة للبابوية، هو الذي صاغ موقفه تجاه المشرق الإسلامي، ولوَّنه، ودفعه أحيانًا إلى التهكم، وأحيانًا أخرى إلى التعاطف. وإلى ذلك، إن اعتقاد هيردر أن الشعر يمثل علاقة ضرورية بالحياة مقابل اللغة الفلسفية الميتة والمجردة أمرٌ جوهري في فهم مديحه المبالغ فيه أحيانًا لـ «الشِّعر الشرقي». كلما ذُكِر الإسلام، أو محمد، أو الفُرس في سياق الشِّعر أو الإبداع الفني؛ يصعُب إيجاد إشارة سلبية واحدة لدى هيردر.

   هنا، يمكن القول إن العاطفة القومية (العرقية) العربية عاطفة شعرية الطابع، والشاعر، لا الفيلسوف هو بطل القومية ونبيُّها. إن قومية الشاعر تقف ضد كونية الفيلسوف، وفي مواجهتها. والقومية، بوجه عام مضادة للكونية، وعقبة كأداء في طريقها.

   بِدءًا من اعترافه المبكر بعبقرية قدرة المشرق الإسلامي على التعبير عن نفسه في التراجيديا التركية، وإشادته بثراء اللغة العربية في مؤلَّفِه (محاولة في أصل اللغة)، ومرورًا بتمجيده المطلق للعرب في مؤلَّفِه (في تأثير فن الشِّعر)، وكتابته سيرة شبيهة بسِيَر القديسين للشاعر سعدي الشيرازي، وانتهاءً بادعائه في كتابيه: (أفكار) و(أدراستيا) أن العرب بشكل منفرد أنعشوا الشِّعر الأوروبي؛ يبدو هيردر الشاعر، في كل ما سبق ذكره، كأنه يتحدث عن المشرق الإسلامي بلغة مثالية. وفي هجومه على «كونية الفيلسوف» اشتهر هيردر بهجاء «المواطن الكوسموبوليتي الذي يحترق حبًا لرفاقه المتوهَّمين/ الأشباح، ويعشق كائنات خرافية». ومع ذلك؛ كان يسبغ على العرب هالة من القدسية الارتجالية كلما كان الموضوع هو الشِّعر أو اللغة، ويبُتُّ بصورة اعتراضية/ جانبية أو ينسى مؤقتًا أو يُحيل على فكرة مُلحَقَة أقل تأهيلا جميع صفات البربرية، والنهب، والكفر، والتخلف الفلسفي، والعدوانية: «اللغة والشَّعر أمران لا ينفصمان عند العرب»، و«حريتهم النبيلة [تبلورت] في العمائم بدل التيجان، وفي الخيام بدل المُدن»، و«روح الشرف والنخوة والشجاعة الرجولية كونت لديهم صفات قومية لم تتبدل لآلاف السنين».

   حين يكتب هيردر عن الشِّعر واللغة فإن الإسلام يدل على الحياة، وعلى الحيوية، وعلى انفجار القوة وتمددها في مستويات عديدة؛ التجليات الإلهية والتمظهرات العسكرية والدلالات اللغوية والثقافية. المفهوم المألوف للشرق باعتباره فَجْرَ البشرية وبراءتها وعذريتها، والذي يشدد عليه هيردر: «بلاد المشرق Morgenland ؛ لقد تم اختيارك عن جدارة كأرض للرب!»، التناغم الطبيعي للعرب، رعاة الإبل، مع البيئة المحيطة بهم، واللغة العربية «الغنية، والنقية، والجميلة»، وقُربُها الحيوي من تصورات هيردر لأصول «اللذة التي نحلم بها عبر السرديات الشِّعرية لهذا الأصل أو ذاك: البَحَّار الأول، القُبْلَة الأولى، الجَمَل الأول» ؛ ساهم كل ذلك في تصور هيردر عن المشرق الإسلامي بحراك متمدد؛ وعلى عكس كانط؛ لم يخش هيردر من هذا الحراك ولم يسع إلى احتوائه. يشرح هيردر ببعض التفصيل كيف أن تقاليد الرومانسية بأكملها، والحب اللطيف، وأغاني الفروسية، والحكايات القديمة؛ جميعها أشياء «انبثقت عن لغة [العرب] وأسلوب تفكيرهم».

   على الرغم من أن التعاطي المركَّب مع الأمة في فكر هيردر يتجاوز أي معنى يمكن أن يؤديه مصطلح من مثل المصطلح «قومي »، كان اهتمامه بصياغة هوية قومية يتخلَّل بوضوح كتاباته في الشعر واللغة والدين. لذلك يعتقد أن هناك أسبابًا مقنِعة لتتبُّع العلاقة المميزة بين الإسلام والجهود التي كرَّسها هيردر لفكرة الوعي القومي. مثلما أثار إيمان هيردر المسيحي عددًا من المعضلات في مقاربته الاستطيقية والتاريخية والسياسية للإسلام و «للمحمديين »؛ فإن اهتمامه بالهوية القومية، ولا سيَّما؛ باستِنْبات هويته الخاصة، أنتج علاقة غامضة بالعالم الإسلامي، تعتبر مواضَعَة نموذجية للهوية الألمانية وتهديدًا لها في الوقت ذاته.

   اشتمل صعود الإسلام، في نظر هيردر، على دروس مهمة في بناء الأمة، خاصة في ما يتعلق بالدور الجوهري للشِّعر واللغة في عملية البناء. كدارِسٍ للتاريخ؛ قام هيردر بالتفتيش في ثقافات العالم بحثًا عن مِثال سابق لوعي عرقي/ قومي عظيم، وجاهر باعتقاده أن صعود الإسلام كان حدثًا يمكن أن تتعلم منه القومية الألمانية. على عكس الفكرة اللايبنتزية عن أول مؤسسة قومية عام 1788 ؛ يخبرنا هيردر أن «اللاتينيين والإغريق والعرب» قدموا أمثلة ممتازة على «الهيمنة الخفية التي يمكن أن تحققها أمة ما» حين تتحكم بلغتها وتوظِّفها ببراعة. في كتابه (أفكار) يذهب هيردر إلى مزيد من التفصيل إلى حد الامتعاض والتباكي على عدم امتلاك القبائل الجرمانية في أوروبا نَصًّا مثل القرآن:

   «أيًّا كان هذا الدين؛ فقد انتشر من خلال اللغة التي كانت أنقى لهجة عربية، فضلاً عن كونها مصدر فخر واعتزاز لأمة بأكملها، ولا عجب إذًا أن اللهجات العربية الأخرى تمَّت إزاحتها إلى الظِلّ، وأن لغة القرآن أصبحت الراية المظفرة لسطوة العرب. هذه الغائية المشتركة لأسلوب الخِطاب والكتابة مُواتية لتوسع وازدهار الشعوب. لو امتلك غزاة أوروبا الجرمانيون بلغتهم كتابًا فاخرًا موثوقًا به، مثلما امتلك العرب قرآنهم، لما تحصلت للغة اللاتينية سيادة على لغتهم، ولما تاهت كثير من قبائلهم».

   سياسيًا وشِعريًّا وفلسفيًا؛ المشرق الإسلامي هو مصدر للحياة؛ فقط إن كان سيتم الانتقاص من هذه الحيوية في آخر المطاف. بهذا الفعل الذي يعزو لجزيرة العرب دورًا محتملً كأداة للتجديد الأوروبي، وكواهبة حياة للقارة الحائرة المضطربة التي مزقتها الصراعات؛ قام هيردر في النهاية بتحجيم المشرق الإسلامي ودفعه خارج نطاق «الحياة» وحرمه من أي حقائق وجودية.

هوامش:

(132). جميع علاقاتنا وتعاملاتنا اليومية، بلا استثناء، ذات طابع أخلاقي، وأحكامنا على الآخرين والأخريات يغلب عليها الطابع الأخلاقي، إن لم تكن كلها ذات طابع أخلاقي، وإن اختيارنا لأنفسنا لا يكون إلا وفقًا لمعاير أخلاقية.

(133). هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996 ، ص 106

(134). ماركس وإنغلز، حول الدين، ترجمة ياسين الحافظ، (دار الطليعة، بيروت، ط 2، 1981)، ص 21 .

(135). ماركس وإنغلز، حول الدين، ص 23 . الاقتباس من مقدمة الحافظ لهذا الكتاب.

(136). راجع، مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعير، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، (دار المعارف بمصر، القاهرة، 1953)، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 6.

(137). راجع مونتسكيو، ص 16 و 17 .

(138). مونتسكيو، ص 18 .

(139). مونتسكيو، ص 19 .

(140). مونتسكيو، ص 47 .

(141). مونتسكيو، ص 58 .

(142). مونتسكيو، ص 86 .

(143). الاستبداد هو الاستبداد، في كل مكان وزمان؛ فما يقوله مونتسكيو هنا ينطبق حرفيًا على الواقع المعيش في سوريا، حيث الدين والطائفة أداتان من أدوات السلطة، وركنان من أركان الحكم، لا يقلان أهمية من الجيش والاستخبارات.

(144). مونتسكيو، ص 98 .

(145). ألكسيس دو توكفيل، الديمقراطية في أمركا، ترجمه وقدم له أمن مرسي قنديل، دار كتابي، القاهرة، 1962 ، ص 28 .

(146). مونتسكيو، ص 168 .

(147). مونتسكيو، ص 169 .

(148). راجع/ي، مونتسكيو، ص 176 .

(149). زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، (مكتبة مصر، القاهرة، بلا تاريخ)، ص 78 .

(150). لطالما كنا نعتقد أن الفوضى شقيقة الحرية، ولا نزال على هذا الاعتقاد، على اعتبار الفوضى أو الاضطراب (الكاوس) ملازمة لأي نظام فيزيقي أو أخلاقي، وتحمل إمكانات نظام جديد، بل أمكانات نظم جديدة، الإرادة العامة هي التي ترجح إمكانًا على غيره. وهذا ما عبرنا عنه بقوة السلب أو النفي، إذ الفوضى نفي للنظام القائم.

(151). مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعير، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، (دار المعارف بمصر، بيروت- القاهرة، 1953)، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص 234 .

(152). مونتسكيو، مصدر سابق، المجلد الثاني، الجزء الخامس، ص 246 .

(153). مونتسكيو، الجزء الثاني، ص 248 .

(154). راجع/ي، جاد الكريم الجباعي، في «طريق إلى الديمقراطية، دار الريس، بيروت، 2010»، و«من الرعوية إلى المواطنة» دار أطلس، دمشق وبيروت، 2013 .

(155). أبو حيان التوحيدي، المقابسات، تحقيق حسن السندوبي، دار سعاد الصباح، الكويت، ط 1992 ، ص 197 (بتصرف).

(156). إيان ألموند، تصورات هردر العربية، ترجمة فاطمة الزهراء علي، على الرابط: https://cutt.us/8B4lE

(157). ألموند، المصدر السابق.

(158). لا يختلف القوميون في سوريا مع مقولات حسن البنا المذكرة المذكورة، فلعل خلافهم الأهم مع رؤية البنا ومع الإسلاميين ينحصر في اعتبار العرق رابطة أساسية، في حن يرى الإسلاميون أن الدين هو الرابطة الاجتماعية- السياسية الوحيدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة الثانية عشرة والأخيرة: الاندماج الاجتماعي في الفكر العربي المعاصر

«جاد الكريم الجباعي»: مفكر سوري، مجاز في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق، مهتم بالفلسفة المدنية وقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية وحقوق الإنسان والمواطن، له عشرات المقالات والأبحاث والدراسات والكتب.