الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

في أوكرانيا: التسوية قادمة لكنها ليست على الأبواب

 أحمد مظهر سعدو

لا يبدو أن المفاوضات التي انطلقت في (بيلاروسيا) بين (روسيا) و(أوكرانيا)، قد  أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الوصول الى خواتيمها، كما لايبدو أن الاتحاد الروسي بقيادة (بوتين) قد رضخ لكل هذا الكم من الضغوط الغربية التي تسير تصعيديًا يومًا إثر يوم.

ولعل المخاضة/ الورطة التي دخل في أتونها (بوتين) عبر الدولة الجارة (أوكرانيا)، ليس واضحًا أنها كانت أو ستكون رحلة سياحية روسية ربيعية إلى كييف وباقي الجغرافيا الأوكرانية. وهو بدخوله إلى الساحة الأوكرانية يكون قد وضع نفسه وبلده في سياق مهلكة غربية تم توريطه بها، ضمن دراسة علمية سيكولوجية لتفكيره المتقلب المتطلع نحو إعادة قيامة الاتحاد السوفياتي البائد على أسس جديدة متجددة، يمكن أن يبنى من خلال توسعة مستمرة للاتحاد الروسي دون الوصول إلى غايات السوفيات، ودون أن يضع نفسه ضمن مفاعيل الحرب الباردة والآفلة.

لاضير في أن الحرب الروسية المستعرة في الجغرافيا الأوكرانية لها مخاطرها على مجمل البنية السياسية والجيوسياسية الروسية التي تنحو باتجاه إعادة البناء، باتكاءٍ واضح على الترسانة النووية وأشياء أخرى. ويدرك (بوتين) مدى خطورة مافعله ويفعله ضمن الواقع الأوكراني على خاصرة الاتحاد الأوروبي الشرقية. ويعي بالطبع أن أحلامه قد تتحطم على صخرة صمود القوميين الأوكران، وعلى مدى قوة الفعل الاقتصادي الغربي الذي استل سيفه الاقتصادي ليلقن بوتين درسًا لا أعتقد أنه سينساه سريعًا بينما يرى انهيارات اقتصادية كبرى في روسيا دون قدرة على التعافي، وحال الروبل الروسي قد بلغ حدًا لم يسبق وأن بلغه من قبل.

قيل سابقًا إن الجغرافيا تصنع السياسة وتحددها، وكذلك الاقتصاد. ومن هذا المنطلق فإن جغرافية وجود أوكرانيا إلى جانب روسيا هو الذي خلق كل هذا الوضع السياسي والعسكري المتدحرج، والذي ينبيء باستمرار حرب لاتبقي ولا تذر، ومن ثم فإن حالة التراكم الخلافي بين الدولتين والخوف الروسي من الوجود الأوكراني على خاصرة الروس دون المهادنة أو الرضوخ لأطماع ومصالح الكرملين، ساهم في تأجيج كل الحالة العنفية التي مارسها (بوتين) كرئيس روسي مابرح يحاول جاهدًا في إعادة قيام امبراطورية أو دولة عظمى، وهو الذي لم يقتنع بعد أن الدولة العظمى السوفياتية قد أفلت، وأن المستقبل وكذلك الآن معًا، لم يعودا مستوعبين لطموحات رجل ديكتاتوري لا يوازيه أي مستبد أو متغول على الدول المجاورة. ففي الوضع الأوكراني تتمظهر اليوم انبثاقات وطنية وهوياتية وطنية بنوازع قومية، لا تقبل إعادة الهيمنة الروسية على وطنها الذي كان مخطوفًا لدولة أخرى طيلة 70 عامًا ونيف من حكم الدولة السوفياتية، وقد نشأت في أوكرانيا حركة شبابية منتفضىة على كل ماسبق، وتأمل، وهي تعمل في نفس الآن على إعادة بناء وطن منعتق من التابعية والجلوس في حضن دولة أخرى، وهي مسألة وطنية صرفة من حق أي وطن ذي سيادة أن يحلم بها ويعمل عليها.

بينما أثبت الواقع أن الصمود البطولي للشعب والحكومة الأوكرانيتين قد أحرج الغرب الذي كان رخوًا في تعاطيه مع المسألة الأوكرانية وتغول الروس عليها، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم الدولية والاقليمية، لأن انفلات الطاغية البوتيني وإذا ماتركت له الساحة ليعبث بها على هواه فإن ذلك قد يعيد رسم ملامح نظام عالمي جديد قد يكون أشد سوءً مما سبق، ويعيد رسم الواقع السياسي والجغرافي على قد ومقاس أي دولة تمتلك النووي وتريد أن تنشيء لنفسها نواة لدولة امبراطورية، من الممكن أن تهدد العالم وتضع أمنه وأمانه ووجوده في مهب الريح.

وهو الذي استنفر العالم شعبيًا وحكوميًا من أجل العمل السريع على لجم المعتدي ووضعه في مأزق اقتصادي وعسكري، يدفعه إلى أن يعيد حساباته من جديد، ويبدو أن المسألة الأوكرانية مازالت حمالة تفاعلات، ولن تكون نهاياتها قريبة، لكن في نفس الآن فإن المآلات أضحت تشير إلى أهمية وضرورة أن يصل الجميع إلى تفاهمات واتفاقات جديدة تستوعب ماحصل وتهضمه، وتمنع قيامه في مستقبلات الأيام، وتكبح جماح الامبراطور البوتيني، كما تمنع الآخرين من أن يفكروا في المسير بخطوات تشبه خطواته.

لقد أدرك العالم في الشرق والغرب أن ما أقدم عليه الرئيس الروسي كان عملًا همجيًا، وكان مما شجعه عليه في الواقع السياسي العملي، هو ترك الطاغية يتصرف في أكثر من منطقة إقليمية وأكثر من وضع سياسي وعسكري على هواه، وليس أوله التدخل الروس الاحتلالي في الجغرافيا السورية منذ أواخر ايلول/ سبتمبر 2015 وهو مايزال حتى اللحظة يعبث بالقضية السورية ويعيد قيام نظام أسدي كاد أن ينهار على وقع ضربات الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة، من منطلق السيطرة على سورية وصولًا إلى المياه الدافئة، وإنجاز المصالح الاقتصادية والجيوسياسية في الاقليم، مراعيًا بذلك المصلحة الإسرائلية وأمن إسرائيل وفاسحًا المجال لآلة الحرب الصهيونية لتحقيق ماتريده في الواقع السوري تحت سمع وأبصار قاعدة حميميم. كما سبق وسمحت أميركا للاتحاد الروسي بالتدخل في شبه جزيرة القرم وقضم أراضي الغير، والولوج في حالات تحالفية تارة مع إيران، وتارة أخرى مع الصين، دون القيام بأي سياسة جدية من قبل الأميركان للجم هذه الطموحات، وكل ذلك بالضرورة وسواه هو ماترك الباب مفتوحًا لإعادة القيام بالفعلة مرة أخرى كما نراها اليومم في أوكرانيا.

وفي اعتقادي فإن التجربة والمخاض هذه المرة سيكون عسيرًا، ومن الممكن أن يمنع مايحاول فيه وعبره (بوتين) لإقامة حكومة (فيشي) تابعة له في كييف، فقد أدرك الأميركان والأوربيين أن المسألة قد تذهب إلى ماهو أبعد من ذلك بكثير، ومن المحتمل إذا ماترك (بوتين) منفلتًا من عقاله، فإن هناك من سيقول بعد حين أنكم (أكلتم جميعًا يوم أكل الثور الأبيض)، وهذا لسان حال الأوكرانيين حاليًا الذين يرون أن الغرب بعمومه قصر كثيرًا يوم ترك الطغيان الروسي يفعل مايريده دون كبح جماحه وإعادته إلى قمقمه.

ويبقى السؤال مشهرًا هل ستنتج المفاوضات التي بدأت في (بيلاروسيا) تفاهمات واتفاقات جديدة؟ وهل يمكن أن يستمر (بوتين) في اقتطاع أجزاء من أوكرانيا؟ وهل بات مسموحًا أن يعيد رسم الخارطة السياسية والجيوسياسية على قد ومقاس طموحاته؟ أم أن التسوية قادمة لكنها ليست على الأبواب وقد ـتأخذ وقتًا أطول، وهو مايسبب الاستمرار في معاناة الشعب الأوكراني المتطلع إلى الانعتاق كلية من هيمنة الدولة الروسية ذات الأطماع الامبراطورية. أسئلة ماتزال برسم الواقع المتغير في أوكرانيا، ومابرحت برسم دينامية جديدة للسياسات الأوربية والأميركية في أوروبا والعالم بأسره.

المصدر: نداء بوست