الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أمريكا: مخاطر اللعب بالقرب من حافات الخنادق

مزهر جبر الساعدي *

تدور في الوقت الحاضر حرب باردة بين المحور الصيني الروسي من جهة، وأمريكا والناتو من الجهة الثانية، وهذه الحرب أكثر قلقا وإيذاء للعالم، من الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا، إذ كان خط مسار الخنادق المتقابلة بين المعسكرين؛ قد تم رسم حدوده، وحركة المتصارعين على حافاته، بخطوط وهمية لكنها معلومة من قيادة المعسكرين، بمعنى أكثر وضوحا؛ التزام الخصمين بعدم عبور خندق الخصم، واللعب في فضاءاته، لأن قوة وقدرات المعسكرين كانت في وقتها متساوية؛ ما شكل كوابح لحركتيهما، ووسيلة للترطيب وتبريد المواقف. وهنا تجب الإشارة إلى أن روسيا لن تكون، كما كان عليه وضع الاتحاد السوفييتي، من حيث القوة والقدرة؛ في الردع المتبادل. والصين حاليا لا يمكن ان تكون قوتها وقدراتها موازية أو متساوية مع قوة وقدرات الولايات المتحدة الأمريكية، أي أن هناك خللا في الاستقرار الاستراتيجي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا لا يعني أن أمريكا والناتو في وارد خططهما مهاجمة روسيا أو الصين في عقر داريهما، هذا أمر بعيد، بل من المستحيلات؛ لأن الأثمان في هذه الحالة باهظة، بل كارثية عليهم، وعلى العالم. الخطورة تكمن في اللعب الجيوسياسي على حافات خندقيهما، حين يحدث خطأ ما غير مقصود، يستلزم الرد والرد الجوابي، هذا الوضع في اختلال موازين القوة والقدرة (اختلال موازين الردع)؛ دفع أمريكا ومن خلفها الناتو إلى لعب اللعبة الجيو بوليتيكية على حدود الخندقين الصيني والروسي معا؛ لكسر شوكتيهما وحصرهما في خوانق عسكرية وسياسية واقتصادية، وما يتصل بذلك، من قبيل تخليق وضع مستفز، يستنزف قدراتهما، ويقود إلى إشغالهما به، أو بالاستعداد له، على ما في هذا من توترات تنعكس على الوضع الداخلي مع التغطية الإعلامية الممنهجة، ومع شراء الذمم التي تعمل في الداخل وفق هذا السياق.

أمريكا والناتو عقدا شراكات مع بولندا ودول البلطيق والأهم مع أوكرانيا. تعقد أمريكا شراكات مع تايوان بطريقة أو بأخرى على جميع الصعد، ومن أهمها تزويد الجزيرة بالأسلحة المتقدمة، إضافة إلى الشراكة الاستراتيجية بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا. في الأيام الاخيرة اشتدت التصريحات الأمريكية والغربية، ضد روسيا، حتى وصل الأمر إلى تهديد روسيا إن هي غزت أوكرانيا بالرد الصارم، أو الرد الذي يختلف عن كل رد سابق. بايدن وهو يغادر إلى منتجع كامب ديفيد، قال أنا لا أقبل بخطوط حمر من أحد، إشارة إلى الرئيس الروسي، كما أوضح قبل لقائه مع الرئيس الروسي عبر تقنية الفيديو، بأنه سيضع جملة مبادرات من شأنها أن تجعل غزو بوتين لأوكرانيا أمرا صعبا. رئاسة الأركان الأمريكية، قالت في أحدث تصريح لها؛ إن روسيا تحشد قواتها لغزو أوكرانيا في بداية عام 2022، وإن هذا الغزو سيترتب عليه رد أمريكي. في المقابل فإن روسيا نفت نيتها غزو أوكرانيا، وأمريكا والغرب، أي الناتو، ربما يعلمان هذا. ومن وجهة نظري؛ إنها عمليات تقع في خانة الاستفزاز وتأليب أوكرانيا ضد روسيا؛ بالعمل على تعطيل أي حل لمشكلة دونباس، كي تجعل منها قاعدة للقلق الروسي ولإشغالها واستنزاف قدراتها. روسيا من المستبعد جدا؛ أن تقوم بغزو أوكرانيا، لأن احتلالها، سيسبب لها مشاكل لا قبل لها بها. كما أن هذا الغزو إذا ما حدث (وهو لن يحدث) يُقبَح وجهها أمام الاتحاد الأوروبي، ويثير قلق الدول الأوروبية، ويعطي للولايات المتحدة الأمريكية، ورقة على بياض؛ تكتب عليها ما تريد، حول التهديد الروسي لدول الاتحاد الأوروبي، الآن، وفي المستقبل، إن هي، أي دول الاتحاد الأوروبي، لم تعمل ما من شأنه كسر أجنحة القوة الروسية، ومنعها من الدخول في الفضاء الأوروبي، في الاقتصاد والتجارة والطاقة، وبالتالي تقوية أجنحتها، وتهديد حدود الاتحاد الأوروبي، كما هو حاصل الآن في أوكرانيا. كما أن هذا الغزو إن حدث، فإنه سيثير قلق المجتمع الدولي، وبقية دول العالم. ما يؤثر كثيرا في تحركاتها الجيوسياسية في المعمورة، ويقطع جسور التواصل الاقتصادي والتجاري مع الاتحاد الأوروبي، بالذات مع ألمانيا، في حقل الطاقة، وغير هذا الكثير. لكن في الوقت ذاته فإن روسيا لا يمكن أن تقف بلا حركة عندما تهاجم أوكرانيا الجمهوريتين في الدونباس، وستقوم روسيا بالضرورة الموجبة؛ بمساندتهما ودعمهما بصورة غير مباشرة، وإن اقتضت موجبات هذه الضرورة؛ تتدخل بصورة مباشرة في حدود الدونباس تحديدا، من دون ان تعبر قواتها إلى عمق الأراضي الأوكرانية. كما أنها لن تقف موقف المتفرج إن تم ضم أوكرانيا رسميا إلى الناتو؛ لأن هذا سيشكل خطرا استراتيجيا عليها، ويسبب خللا في الاستقرار الاستراتيجي على الحدود الروسية. جميع المسؤولين الروس بمن فيهم وزير الخارجية والرئيس بوتين؛ وصفوا هذا الضم بأنه خط أحمر، يستوجب الرد.

اعتقد أن أمريكا والناتو لن يقوما بعملية الضم، على الأقل في الأمد المنظور. أمريكا والناتو الذي يتبع الخطوات الأمريكية؛ يعملان على تطويق الحدود الروسية، ووضع روسيا بين فكي كماشة. هذا الوضع سوف يجبر الروس على تجييش حدودها بالترسانة النووية، وبالعمل أيضا على زيادة قدراتها التدميرية، وهذا يقود حتما إلى سباق تسلح وهو بالفعل، في الوقت الحاضر، هناك سباق تسلح. ما هو الغرض من كل هذا الذي يجري؛ هو استنزاف القدرة الاقتصادية للاقتصاد الروسي، ما ينعكس سلبا على أسلوب معيشة الروس، ما يؤدي إلى النقمة، وبالتالي تهيئة العمل المضاد للحكومة الحالية في روسيا، إضافة إلى تقييد حركتها في العالم وتحجيم دورها.

وعلى ضوء ما تقدم؛ فإن صراع القوى العظمى (أمريكا والناتو) يأخذ شعوب الهدف (وان كانت في دول عظمى كروسيا والصين) ونمط عيشهم، أوراق ضغط، وبالتالي تكون شعوب هذه القوى العظمى؛ مفاتيح لقلب الأوضاع وإعادة الصياغة، هذا من جانب، أما من الجانب الثاني، وهو الأهم من حيث المبدأ، من البداية، التي وضعت فيها خريطة طريق أمريكية على وجه الحصر؛ لبلوغ الأهداف، التي تتمحور في كسر أذرع روسيا والصين، وقص قوائمهما التي يستندان إليها في سعيهما في الاقتصاد والتجارة وأسواق السلاح في الكرة الأرضية؛ من خلال تطويقهما، سواء بالقوات الاستراتيجية النووية الضاربة، أو بالشراكات مع الدول التي تحاددهما، أو بالاستفزاز والأشغَال؛ بتخليق مناطق اضطرابات واشتباكات على حدودهما، أو بمعاقبة الحلفاء والأصدقاء والدول التابعة لها؛ إن قاموا بشراء السلاح الروسي، إنفاذا لقانون مكافحة الخصوم، والمقصود هنا روسيا، والصين بدرجة أقل كثيرا من روسيا. توطد أمريكا علاقتها مع جزيرة تايوان من خلال دعمها وإمدادها بالسلاح المتطور، وهي جزء من البر الصيني حسب القانون الدولي. الصين وكرد على هذه التحركات الأمريكية؛ تقوم بين الفينة والأخرى، بإجراء تدريبات على حدود تايوان، وأثناء هذه التدريبات تحلق طائراتها وبأعداد كبيرة جدا 150 طائرة، وقسم منها قاصفات استراتيجية؛ لإرسال رسائل للتأثير النفسي، سواء لأمريكا أو للحكومة التايوانية. أمريكا لن تعترف بتايوان، هذا احتمال بعيد جدا، إن لم يكن مستحيلا؛ لأن الصين إن حدث هذا؛ سوف تقوم وبسرعة بضم الجزيرة إليها، وهذا هو الكابح لأمريكا في هذا المجال. أمريكا، خلال هذه المناورات تبادلية التأثير؛ تعمل على إدامة التسخين في المنطقة، بجعلها ملتهبة بالحذر والترقب واليقظة والاستعداد لمواجهة اي خطوة أمريكية مفاجئة. الصينيون لم يستعجلوا في عملية ضم الجزيرة في الوقت الحاضر، إلا إذا حدث ما يجبرهم على التعجيل بعملية الضم، من قبيل الاعتراف الأمريكي بها. الصينيون يعولون كثيرا على الزمن، وما سوف يأتي به من متغيرات، هي حسب رؤيتهم هذه؛ سوف تكون لصالح الضم، أو العودة إلى الصين الأم، بمحض الإرادة وليس الإجبار. الرؤية الصينية لها ما يدعمها داخل الجزيرة؛ إذ هناك تياران، أحداهما الحاكم الآن في الجزيرة، الذي يرفض رفضا قاطعا؛ ان تكون تايوان جزءا من الصين الواحدة، مدعومة من تحالف الخضر، الذي يرفع شعار تايوان المستقلة. أما إئتلاف الأزرق فيدعم ويرفع شعار العودة الى الصين الأم، وهذا هو ما يفسر لنا، قول الرئيس الصيني قبل أسابيع؛ ان الصين تعمل الآن، وفي المستقبل؛ على توحيد الصين بالطرق السلمية.

أمريكا تدرك تماما؛ جميع هذه المتغيرات والعوامل، على الأرض، ورد الصين على أي خطوة اعتراف بتايوان كدولة مستقلة من قبلها؛ لكنها تريد أن تخلق مناطق استفزاز وإشغال على حدود الصين، كما على حدود روسيا. التحشيد الأمريكي، على حدود الدولتين العظميين والنوويتين، سوف يقود حتما إلى التحشيد المقابل؛ هنا ستكون العملية الامريكية برمتها، خطيرة للغاية على السلم الدولي؛ ان حدث خطأ ما غير مقصود يستوجب الرد.. مع ان هذا الاحتمال ربما هو بعيد في الوقت الحاضر، لكن لا يمكن التنبؤ بتعزيز عوامل القوة مستقبلا لجميع الأطراف، وبالذات لأمريكا والصين؛ لذا، يظل هذا الوضع الذي تعمل الولايات المتحدة عليه؛ خطيرا على هذا الركن من العالم وعلى المعمورة.

* كاتب عراقي

المصدر: القدس العربي