الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

من النظام الإقليمي العاجز إلى النظام المبادر

علي محمد فخرو *

بينا فى مقالة الأسبوع الماضي الأهمية الوجودية القصوى للبدء فى الخروج من الحالة التجزيئية القطرية العربية إلى الحالة التضامنية التوحيدية القومية للوطن العربي، إذ لا مكان فى العالم وفى الإقليم لدول صغيرة ضعيفة قابلة للاختراق وللتهميش الحضاري. وتوجهنا للشباب والشابات العرب بأن يجعلوا هدف وشعار الوحدة العربي ضمن وفي مقدمة ما يطرحونه من شعارات إبان حركاتهم الجماهيرية.

لكن الانتقال إلى تحقيق ذلك الهدف يتطلب الكثير من خطوات التهيئة التنسيقية والتضامنية العربية التي تتغلب على العقبات وتوجد حالة الاطمئنان لدى جميع الفرقاء. فلا يمكن الحديث عن أية خطوات توحيدية، وحتى تضامنية، إذا لم نراجع ونجدد الحيوية والعافية للنظام الإقليمي العربي السابق المتمثل فى جامعة الدول العربية.

والواقع أن الجامعة العربية، التي ولدت تحت مظلة شروط ومحددات بعض الدول الاستعمارية الأوروبية، قد عانت منذ بداية قيامها من وجود نقاط ضعف فى ميثاقها وآليات عملها وصلاحيات أجهزتها.

فإن ينص ميثاق الجامعة العربية على أن من أهدافها صيانة استقلال الدول الأعضاء وعدم المساس بسيادتها الوطنية أو أنظمة الحكم دون ذكر لأى نوع من الأهداف النهائية التوحيدية فيما بين الأعضاء، فإن ذلك قد أفرغ الجامعة من هويتها العروبية، ومن روحها القومية، ومن ثقافتها الجمعية، ومن وجود هدف حضاري يخرج الأمة من تخلفها التاريخي.

ولذلك فليس بمستغرب أن لا يرى أحد فى إخفاقات توحيد الاقتصاد، أو الدفاع المشترك، أو الموقف من الأعداء الوجوديين من مثل الكيان الصهيوني والطارئين من مثل أمريكا، خروجا على الميثاق. ذلك أن قداسة توحيد الأمة والوطن الكبير كانت غائبة فى نصوص إنشاء ذلك الكيان الإقليمي العربي.

من هنا ظلت السيادة الوطنية تعلو فوق السيادة القومية فى كثير من الحالات التي مرت على الأمة والتي وصلت فى العشر سنوات الأخيرة إلى أعلى مراحلها وأشكالها. وهكذا رأينا الجامعة تبارك سقوط أنظمة حكم عربية على يد جيوش أجنبية، وتتجاهل قيام حروب دموية مدمرة فيما بين بعض أعضائها، وتقبل أن تكون الشاهد المراقب العاجز فى المحاولات الدولية المشبوهة لإطفاء حرائق الأرض العربية. وكما فعلت الحكومات العربية بالأمانات العامة للتجمعات الإقليمية الجزئية العربية فى المشرق والمغرب من ناحية اعتبارها سكرتاريات تدعو للاجتماعات وتسجل محاضر الجلسات، فعلت الأمر نفسه بالجامعة العربية وجردتها من أية قدرة على اقتراح المبادرات أو معارضة المواقف الوطنية المضرة بالمصالح القومية الكبرى.

وعليه أصبح إجراء تغييرات إصلاحية كبرى فى أهداف ووسائل عمل الجامعة وفى تركيبتها وفى الأدوار التي ستلعبها مستقبلا أحد الخطوات الضرورية للتهيئة للانتقال من مشاكل القطرية إلى قوة وأمن الوحدة التي ذكرناها فى مقال الأسبوع الماضي.

تتكون عملية التغيير الإصلاحي للجامعة من قائمة طويلة لا يسمح المجال لذكرها. لكن، على سبيل المثال، يجب أن تشمل تعديل الميثاق أو التوقيع على ملاحق مكملة للميثاق لتشمل أهدافا مرحلية وأهدافا توحيدية بعيدة المدى، وإصلاح نظام التصويت، وإعطاء الجامعة حق اقتراح المبادرات والاعتراض على ما يمس ميثاقها، وسلطة متابعة قرارات مؤتمرات القمة العربية والتأكد من تنفيذها وعدم الخروج عليها (مثلما حدث مؤخراً بالنسبة للموضوع الفلسطيني)، وبناء تركيبة برلمانية عربية مماثلة للبرلمان الأوروبي لإعطاء المجتمعات العربية المدنية حق المشاركة فى اتخاذ القرارات، وإنشاء محكمة عربية تابعة للجامعة للنظر فى الخلافات العربية، وقيام حلف عسكري مشترك للدفاع عن أي جزء من الأمة مهدد بالخطر، وتفعيل القرارات الاقتصادية المشتركة السابقة من أجل قيام كتلة اقتصادية عربية قادرة على التنمية وولوج عصر التكنولوجيا والمنافسة فى المجال العولمي.

من حقنا أن نأمل فى وجود دولة عربية أو أكثر تخرج عن حالات العجز والنأي بالنفس وتتبنى أمر وضع تصور لإصلاح الجامعة، وطرحه للمناقشة، والدفاع عنه، والنضال من أجل تحقيقه، وتثق فى إمكانيات أمتها الهائلة وفى المقدمة شبابها.

* كاتب بحرني

المصدر: الشروق