الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الرهينة الأوكرانية فى عالم يتغير

عبد الله السناوي *

الأزمة الأوكرانية فى مشاهدها الأولى وتداعياتها تنبئ بنظام عالمي جديد.

تحت وهج النيران تتبدى حسابات استراتيجية أوسع وأخطر مما هو ظاهر على سطح الحوادث، التي انزلقت إلى مواجهات عسكرية واسعة.

بالنظر إلى طبيعة الأزمة فإنها اختبار ميداني لحقائق جديدة تكاد أن تعلِن عن نفسها، ومراجعات عند الجذور للتحالفات والآليات والقواعد الأساسية التي حكمت العلاقات الدولية لثلاثة عقود تلت انتهاء الحرب الباردة.

لم تكن أوكرانيا العنوان الرئيسي للأزمة، التي تعددت وجوهها الأمنية والاستراتيجية، بقدر ما كانت ميدانا لصراعات مفتوحة على مستقبل النظام العالمي ومراكز القوة والنفوذ فيه، حتى بدا البلد نفسه رهينة لإرادات دولية متصادمة على أرضه.

إننا أمام عملية ولادة قيصرية لنظام عالمي جديد.

بالتزامن مع قرب التوصل إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني فى مباحثات فيينا فإننا أمام عملية ولادة قيصرية أخرى لنظام إقليمي جديد يوشك أن يعلن عن نفسه دون أن تكون حقائقه استبانت وتوازناته اتضحت.

أخطر ما قد يحدث أن نجد أنفسنا فى عالم مختلف دون إدراك لحقائقه الجديدة فتنزلق الأقدام إلى متاهات وحقول ألغام، وأن نجد أنفسنا بالوقت نفسه أمام إقليم مختلف دون تأهب للفرص المتاحة والأخطار المحتملة.

فى تعقيدات الأزمة الأوكرانية تعارضت الحسابات والمصالح على نحو لم يكن ممكناً معه تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة لكنها محكومة، ولا هو ممكن لأي طرف فى العالم أن يتجاهل تداعياتها على مصالحه وأمنه.

هناك أولاً– حسابات الأمن الروسي، فلم يكن ممكناً أن تتقبل تمركزاً لـ«حلف الناتو» عند حدودها، ولا أن تُنصب الصواريخ المتقدمة فيها، ولا أن تمتلك كييف قنابل نووية تكتيكية استناداً إلى الخبرة التقنية للاتحاد السوفييتى السابق- على ما أوضح «فلاديمير بوتين» فى آخر خطاب عام قبل بدء العمليات العسكرية.

فى ذلك الخطاب تحدث بإسهاب عن الخديعة التي تعرضت لها بلاده منذ عام (1990) حيث «وُعدنا عندما كانت قضية الوحدة الألمانية قيد المناقشة أنه لن يكون هناك تمدد للناتو، وأن تمركزه العسكري لن يتغير بمقدار بوصة واحدة شرقاً».

وفق «بوتين» فقد تنكر الغرب لكل الوعود والضمانات التي قطعها على نفسه.

هناك- ثانياً– الحساب الاستراتيجي الأمريكي ودواعيه فى الإبقاء على مقومات النظام العالمي المتهالك.

أثارت واشنطن المخاوف، بعضها لها أساس، حاولت أن ترمم تصدع التحالف الغربي بالدعايات التي أخذت شكلاً هستيرياً ضد الغزو المحتمل دون أن تفعل شيئاً لتطمين الروس وفق الاتفاقيات الموقعة.

لا فاوضت بجدية ولا امتلكت أية استراتيجية شبه متماسكة.

اكتفت بسلاح العقوبات دون أفق، فإذا ما تمكنت روسيا من التغلب على تلك العقوبات فإن هزيمتها سوف تكون أوجع مما حدث فى أفغانستان.

بصورة أو أخرى فإن سؤال مستقبل القوة الأمريكية سوف يطرح نفسه على كل سجال سياسي واستراتيجي.

وهناك- ثالثاً– حسابات الأمن الأوروبي، حيث يميل القادة الأوروبيون بما يشبه الإقرار الجماعي إلى أنه يتقرر فى أوكرانيا.

قد يُنظر إلى هذا الإدراك على أنه مبالغة دعائية فى الحشد والتعبئة وراء قائد الأوركسترا الأمريكي.

هذا جانب من الحقيقة وليس الحقيقة كلها.

التساؤلات الكبرى سوف تطرح نفسها أثر صمت المدافع.

ما مفهوم الأمن الأوروبي؟.. من العدو فى عالم متغير؟.. وهل يمكن التعويل على «حلف الناتو» فى حفظ أمن القارة أم أن زمنه انقضى وحان وقت البحث فى منظومة أمنية بعيداً عن الولايات المتحدة- على ما اقترح الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» ذات مرة؟

وهناك- رابعاً– تساؤلات أخرى على ذات القدر من الخطورة تخص الصين، بمواردها الاقتصادية وطاقتها العسكرية، أهمها: متى تعلن بناء تحالف سياسي واقتصادي وعسكري مع الدب الروسي يناهض حلف الناتو؟

وإذا ما نجحت روسيا فى حسم جولة أوكرانيا بالنقاط وصمدت للعقوبات الاقتصادية التي توصف بالقاسية وغير المسبوقة، وهذا مرجح لحد كبير، فمن غير المستبعد أن تتخذ الصين منحى مماثلاً بضم تايوان إلى وطنها الأم بعملية عسكرية خاطفة تضع جميع الأطراف أمام الأمر الواقع.

حقائق التاريخ معها وموازين القوة فى صالحها، والغرب المتصدع لن يفعل أكثر مما فعل فى الأزمة الأوكرانية.

هذا هاجس أمنى استراتيجي فى الصراع على المستقبل، احتمال قائم، لكنه ليس حتمياً أن يفكر الصينيون على هذا النحو.

الصين لم تحسم أمرها بعد فى بناء تحالف استراتيجي اقتصادي وعسكري مع روسيا.

على طريقتها تأخذ وقتها فى التفكير والتدبر وحساب الكلفة، لديها أولوياتها المعلنة ويصعب عليها تغيير الدفة.

«تتفهم الأسباب الروسية» فى الأزمة الأوكرانية لكنها تؤكد احترامها بالوقت نفسه لـ«سيادة الدول».

المعنى أن فكرة التحالف الصيني الروسي سوف تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تقف على أرض.

وهناك- خامساً– القضايا الأمنية والاستراتيجية التي قد تطرح نفسها على أزمات الإقليم، احتمالات تفاقمها وفرص تسويتها.

باستثناء ثلاثة لاعبين إقليميين أساسيين، تركيا وإيران وإسرائيل، مالت أغلب دول الإقليم إلى تجنب إبداء آراء قاطعة، أو الاكتفاء بعبارات دبلوماسية عامة انتظاراً لما قد تأتى به الحوادث.

بحكم عضويتها فى «حلف الناتو» اصطفت تركيا معه، تبنت مقولاته ومواقفه، لكنها حاولت بالوقت نفسه لعب دور الوسيط مع روسيا عبر قناة اتصال رئاسية خشية أن تتضرر مصالحها فى ملفي ليبيا وسوريا إذا ما ارتفع سقف الصدام.

إيران اصطفت مع حليفها الروسي، برهان أن تكون طرفاً مستقبلياً فى التحالف المتوقع بين موسكو وبكين، لكنها خففت من حدة الاندفاع خشية أن يفسد التوصل إلى تفاهمات أخيرة مع الولايات المتحدة فى مباحثات فيينا.

وإسرائيل مكانها معروف مسبقاً، علاقاتها تاريخية واستراتيجية ممتدة مع الغرب ونوافذها مفتوحة على التفاهم مع موسكو بملفات عديدة أهمها الملف السوري، لكنها تعرضت لصدمة غير متوقعة عندما أشارت إلى معارضتها ضم أراضي دولة أخرى بقوة السلاح.

لم يتورع الروس عن تذكيرهم بـ«الجولان» السوري المحتل!

الحسابات المتعارضة تتفاعل فى العالم والإقليم، الآن وفى المستقبل، تستكشف الحقائق الجديدة، وتحاول أن تتمركز بقدر ما تستطيع قبل أن تداهمها عواصف المتغيرات.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق