الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

بين حجري الرَّحى

محمد أمين الشامي *

لطالما تساءلت عن سبب ارتفاع معدَّلات الطَّلاق بين اللّاجئين السّوريين في بلاد اللُّجوء، لا سيَّما في أوروبا، وهو أوَّل الغيث في الزِّلزال الَّذي ألمَّ بالبنية المجتمعيَّة للإنسان السّوري. ولا أخفيكم أنَّني سألت أصدقاء لي متخصَّصين في علم النَّفس والاجتماع والدّين عن هذه الحالة الَّتي تحوَّلت إلى ظاهرة، لأكتشف ظواهر أخرى لا تقلُّ إشكالًا عنها. وكأنَّ الأمر كان بحاجة إلى “نفخة”، لترتفع ألسنة الحريق في الفضاءات النَّسويّة. أتتني إجابات مختلفة بعضها يستند إلى نظريات وبعضها الآخر يستند إلى وجهات نظر شخصيّة، سأكتفي هنا بتناول أربع نقاط منها يمكن أن تشمل الجوانب المختلفة لحياة اللّاجئين عمومًا، والمرأة منهم خصّوصًا.

النُّقطة الأولى هي أنَّ مجتمعنا لم يكن ذلك المجتمع المثالي، بل كان يترنَّح بين نقيضي التَّديُّن حدَّ التَّزمُّت والتَّفلُّت حدَّ الانسفاح. ونتيجة لضياع الطَّبقة الوسطى وانسحاق أهلها بين سندان الفجوة الاجتماعيّة وما نجم عنه من فجوات أخلاقيّة وتداعيات تطبيقيّة، ومطرقة التَّغيُّرات الطّارئة والتَّبدُّلات المفروضة في المفاهيم الَّتي كانت ترقى إلى حدِّ مسلَّمات، تقوَّض الكثير من الأساسيّات الَّتي أقمنا عليها فكرة المجتمع المعتدل. وهذا ما جعل أمر التَّغيير التّام مستسهلًا بغض النَّظر عن التبعات.

النُّقطة الثّانية أنَّ مفهوم الحرِّيّة لم يتبلور عند الكثيرين من أبناء المجتمع، وبالتّالي تاه التَّعريف عند الحدود الَّتي ترسم النِّقاط الأقصى الَّذي يجب أن تقف عندها هذه الحرِّيّة، ناهيك عن الجهل بكيفيّة تطبيقها، وافتقاد الأدوات اللّازم توافرها للإرشاد والتَّوجيه، لا سيَّما عندما يتعلَّق الأمر بموضوع الحرِّيّة الشَّخصيّة والالتزام الأسري. وكان لهذا الجهل بَصمَته في التَّبرُّؤ من كلِّ الأفكار الَّتي اعتنقها اللّاجئ سابقًا، حتّى لو كانت سليمة.

النُّقطة الثّالثة مرتبطة بالجهوزيّة النَّفسيّة للاستسلام للصَّدمة الثّقافيّة والتَّسليم بتفوُّقها و”صلاحها” وصلاحيَّتها مع تبرير الموقف بفكرة “الاندماج” المطلوب من اللاجئ في المجتمع الَّذي وفَّر له سبُلًا للعيش لم يجدها في مجتمعه الأم، لا قبل الخراب الَّذي خبرناه ولا بعده.

النُّقطة الأخيرة مرتبطة بالسُّلطة الأبويّة (أو التَّفسيرات الأبويّة المنسوبة زورًا إلى الدّين) ومفهوم العيب الَّذي حكم سلوك النِّساء، لا سيَّما في المجتمعات الرّيفيّة والمحافظة.

وقد ظهر أثر النِّقاط الَّتي أوردناها على وجهي المجتمع، ونعني الرَّجل والمرأة، دون تفريق أو تحيُّز لطرف على حساب الآخر، فباتا “في الهواء سواء”، كما نقول. لكن، بقي أثره على المرأة أكثر تميُّزًا، ربَّما لأنَّها ما تزال في موروثنا الحلقة الأضعف في معادلة التَّبعيّة والمعيّة، أو ربَّما لكونها الطَّرف الَّذي “تمرَّد” إن جاز لنا التَّعبير.

“العسف” هو المحرِّض الأوَّل الَّذي دفع المرأة إلى هذا “التَّمرُّد”، والَّذي أدّى بها إلى طلب الطَّلاق أو التَّغيير أو المطالبة بمساحة أوسع لها في حياتها، عندما سنحت الفرصة لها. ولا ننكر أنَّها بفضل “الحياة الجديدة” الَّتي توفَّرت لها استطاعت النَّجاة من الوقع السَّلبي لهذه الحالة الاجتماعيّة، الطَّلاق، في ثقافتنا. كثيرًا ما سمعنا جملة “فرضوا عليَّ الارتباط به”، و”تخلَّصت من وهم ظل الرَّجل” وغيرها من الأوضاع الَّتي تولَّدت عن مفاهيم مهزوزة.

ويبدو أنَّ “تراكمات” المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والنَّفسيّة الَّتي انتقلت مع اللّاجئين إلى مجتمعاتهم الجديدة، وجدت في قوانين تلكم البلدان متنفّسًا لها. ففي تلك المجتمعات، التقت المرأة “بالحرِّيّة” وجهًا لوجه: حرِّيّة ماديّة بلا تحفُّظات معهودة أدَّت إلى سلسلة من الحرِّيّات، لا أقلَّها حرِّيّة اتِّخاذ القرار وتقرير المصير. ولأنَّها نتاج مجتمع أمِّي التَّطبيق، تشبَّثت “بحرِّيتها” ولم تسأل عن الأدوات لجهلها بها. ولا نحمِّل المرأة جريرة الأمر، لكنَّها ساهمت، من حيث تدري أو لا تدري، في تقويض البنية الأساسيّة لأي مجتمع أو تجمُّع إنساني، ونعني به الأسرة. ولا نستثني الرَّجل من المساءلة بأي حال من الأحوال. كما ساهمت أيضًا في تلقّي صدمات الاختلاف الثَّقافي بمفردها.

ولا يسري ما ذكرنا بحذافيره على كلِّ بلدان اللُّجوء. إذ يختلف الوضع في بلدان أخرى، وإن كان لا يخرج المرأة من دوّامة المشاكل الَّتي تحاصرها. فالظُّروف المعيشيّة القاسيّة والكفاح من أجل البقاء وعبء الفاقة والفقر تحيط بالمرأة الَّتي لا معيل لها لأسباب متعدِّدة وتضيف إلى ثقل الأمومة أثقالًا أخرى. وكثيرًا ما نقابل أو نسمع بمن تكافح على جبهتي الأمومة واللُّجوء لإطعام وإعاشة أسرتها. والأمثلة كثيرة لا يسمح المجال المتاح لذكرها. وفي هذا الكفاح المرير، تتعرَّض المرأة للعنف وانتهاك الحقوق وتدفع ثمن خطاب الكراهية مثلها مثل الرَّجل، لكنَّها تكون عرضة لانتهاكات أخرى قد تجبرها على تقديم تنازلات في سبيل البقاء لم تكن لتسمح بها لوكان معها شريك مناسب.

لا يمكن أن ننكر أن تبعات اللُّجوء أثَّرت على العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة بين اللّاجئين لأن نمط الحياة مختلف عمّا ألفوه في بلادهم. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنَّ جزءًا من مهمّة الغرب يشمل “إنقاذ النِّساء من اضطِّهاد الرّجال” بحسب بعض الغربيين، لربَّما فهمنا بعضًا من أسباب انهيار البنية الاجتماعية وانعكاسات هذا الانهيار على المرأة هناك ووضعها. ونختم بالقول إنَّ “مبدأ الاختيار ومفهوم الكرامة هما من مبادئ العدالة الَّتي يفتقر إليها النِّساء والرِّجال في مجتمعنا”، بحسب مقال تناول الانهيار الأسري للسّوريين في بلدان اللُّجوء، وبالتّالي فإنَّ العيش في ظلِّ أحدهما أو كليهما يعتبر للمحروم منهما فوزًا عظيمًا يعميه عن الثَّمن الباهظ الَّذي دفعه.

* كاتب سوري

المصدر: اشراق