الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حين يتصادم القتلة ممزوجاً بالغطرسة والاستكبار

عبد الباسط حمودة *

إن جميع الأوصاف المشينة التي تصف بها وسائل الإعلام الأميركية بوتين صحيحة بنفس القدر من الصحة التي تصف بها نظيرتها الروسية الإدارة- بل الإدارات- الأميركية؛ ودون الدخول في أسباب وصول الأزمة الأوكرانية لما وصلت إليه- والمعروف جيداً- فإن الصمت الأميركي على بلطجة روسيا فضلاً عن شموليتها واستبدادها جاء بعد بلطجات أميركية عديدة تاريخياً، وكلُ طرفٍ يعاني أيضاً من العقدة الامبراطورية لإمبرياليته.

تحت عنوان ” كيف صنعت الولايات المتحدة بوتين “، قدّم الصحافي الروسي- الأميركي، “فلاديمير بونز”، محاضرة في جامعة ” ييل ” الأميركية في عام 2018، تحدث فيها عن تدهور العلاقات الأميركية- الروسية ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وحذّر من أنّ تدهور العلاقات، وصَل مرحلة خطيرة من الصعب إعادتها للوراء، آخذاً في الاعتبار الصمت الأميركي على ضم شبه جزيرة القرم، ومحاولة التمدد في أوكرانيا وغيرها عبر آليه الفعل الاستخباري والأمني والعسكري، علماً أن روسيا نفسها وقعت فريسة تحالف استراتيجي داخلي بين قيادات الجيش والأمن وطبقة التجار الخارجين من بقايا ثراء رجالات الاتحاد السوفياتي المنهار- ذلك كله قبل أكثر من ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا هذه الأيام- وشدّد ‘بونز’ على أن قادة روسيا فقدوا الثقة بالولايات المتحدة منذ سنوات، فلم تنشِئ الولايات المتحدة علاقات شراكة أو تعاون مع روسيا منذ الاتحاد السوفياتي، بل وصل الأمر بالرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، أن يصف روسيا بأنها ” قوة إقليمية ” وليس قوّة دولّية أو عُظمى، كما جرى رفض أي فرصة لانضمام روسيا للاتحاد الأوروبي من قِبل الغرب، بل إنه جرى حصْر روسيا في الشرق، إذ يقول ‘بونز’ إن روسيا منذ القيصرية، كانت دائماً وجهتها غرباً وليس شرقاً، كما أنّ القيصر الروسي طارد نابليون وقواته حتى فرنسا ودخل باريس وظَلّ فيها عدة أشهر.

على الرغم من عنوان المحاضرة المثير واللافت، إلا أنه لا يعني أن فلاديمير بوتين، صناعة أميركية أو عميل أميركي، بل المقصود أن السياسات الأميركية كانت استعلائية وحتى مهينة ومستخفّة بروسيا وقادتها منذ بداية التسعينيات؛ ووفقاً لـ’بونز’ فإن هذه السياسات دفعت- في العقد الأخير وربّما قبل ذلك (منذ 2008)- بوتين، إلى انتهاج سياسات معادية للولايات المتحدة، ولفت ‘بونز’ إلى أن عداء الاتحاد السوفياتي لم يكن لأميركا كشعب أو دولة، بل عداءً للرأسمالية والإمبريالية، في حين يُوجَّه عداء الرأي العام الروسي اليوم للولايات المتحدة، بينما تغذّي وسائل الإعلام الروسية الرسمية وشبه الرسمية هذا العداء، فيما يقوم الإعلام الأميركي بالأمر نفسه تجاه روسيا.

هذا الاستخفاف الأميركي بروسيا وقادتها صفع بوتين كزعيم للكرملين مطلع الألفية الحالية، عندما التقى بيل كلينتون، ويذكر ‘بونز’ في محاضرته أن موافقة غورباتشوف على توحيد ألمانيا جاءت بعد تعهد أميركي- أوروبي، فترة جيمس بيكر وزيراً للخارجية، بعدم توسيع انتشار قوات حلف الناتو إلى شرقي أوروبا، ويؤكد أن هذه التطمينات الأميركية موثّقة، إضافة إلى تعهدات مماثلة لاحقة، لكن ما حصل هو العكس؛ إذ استمرّ الاستهتار الأميركي بروسيا ومخاوفها الاستراتيجية.

تواصَل الاستعلاء الأميركي والاستهتار بروسيا من خلال السعي الدؤوب لتمدُّد الناتو في دول الاتحاد السوفييتي السابق وحلف “وارسو”، وصولاً إلى دول البلطيق، ولاحقاً لجورجيا وأوكرانيا، وهذه قضية أمن قوميّ روسية لا يستطيع بوتين أو غيره تجاهلها، لأنها عملياً تعني تطويق روسيا بقوات معادية لحلفٍ مهمته التاريخية كانت محاربة الاتحاد السوفياتي، وكان بوتين على استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة منذ تولّيه الرئاسة للمرة الأولى، بل إنه امتنع عن استخدام حق النقض (فيتو) ضد القرار الأميركي في مجلس الأمن الدولي عشية الغزو الأميركي للعراق، بل غضّ الطرف عن ذك الغزو، الجريمة.

لذلك يمكن النظر إلى ما فعله بوتين من جهة أنه يمثل الموقف المناهض للغرب من جهة كونه قوة استعمارية حسب زعمه وهو الذي قام بنفس الدور الاستعماري والاحتلالي، بالتكامل مع الدور الإيراني وأداة للجريمة والفاشية في سورية منذ 2015 ومازال، فهو- أي بوتين- لا يعلن عن أفكاره الحقيقية غير أن ما فعله في سورية يؤكد أنه فهم اللعبة الغربية جيداً واستثمر في كل الظروف، فمناطق النفوذ الروسي هي خط أحمر، ذلك في سورية البعيدة كثيراً عن روسيا دون النظر للكم الهائل من الجرائم والفظائع التي ارتكبها فيها تأييداً لنظام قاتل ومجرم، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأوكرانيا جارة روسيا والجمهورية السابقة في دولة السوفييت، فقد كان اختباراً فاشلاً، لا يحتاج البعض ممَن يعتبر سلوك بوتين إزاء أوكرانيا حماقة إلى دليل، سورية كانت بعيدة فيما أوكرانيا قريبة غير أن الأمر يتعلق بالمصالح ولا علاقة له بالعقائد.

لقد خيّر بوتين الغرب بين الضم أو الغزو، كلاهما يحتمان تغييراً للخرائط غير مستحب، بالنسبة إلى الغرب فإنه لن يفعل شيئاً في الحالين، علينا أن نصدق أن حرباً نووية لن تقع، لكن الحرب الحقيقية قد وقعت بعد حرب أعصاب طويلة، وتلك حربٌ مطلوبة بالنسبة إلى الغرب الذي يقاتل بأجساد الشعوب.

روسيا التي حاولت أن تنخرط في النظام العالمي ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تجده منصفاً لها، بسبب تلك السياسات؛ هذا أولاً، ثم إنها لم تعد مجرد قوة عظمى منهارة، هذا ثانياً؛ كما أنها ليست وحيدة في ميزان العلاقات الدولية، لا اقتصاديا ولا استراتيجيا.

الصين على الطرف الآخر للأزمة، تعرف تماماً أنها هي الهدف من محاولات إضعاف روسيا والتضييق عليها من جانب الولايات المتحدة وحلفها؛ فالتضييق على روسيا، هو بالأحرى تمرين وبروفة اقتصادية للتضييق على الصين.

وإيران ستربح اقتصادياً من الأزمة، في حال تم التوصل لاتفاق نووي أم لم يتم، فقد خرج جو بايدن ليعلن حزم هائلة من العقوبات إثر الغزو لأوكرانيا؛ ولعل الأخطر في قرارات البيت الأبيض ما أعلنه بايدن صراحة عن نهاية (مشروع نورد ستريم 2 “السيل الشمالي 2”)، وعلى الرغم مما لهذا القرار من انعكاس سلبي على أمن الطاقة في القارة الأوروبية، إلا أن بايدن، وقبل الذهاب إلى هذا الخيار، ترك الباب موارباً لمشاركة إيران ودول الخليج في سد الثغرة النفطية الطارئة.

إن الجيش الروسي درب واختبر ترسانته العسكرية منذ عدة سنوات ضد المدنيين السوريين والمستشفيات والبنى التحتية والمدارس والطرق والأراضي الزراعية وضد مراكز القيادة ومواقع مقاتلي المعارضة السورية في الشمال والجنوب والوسط وحول العاصمة دمشق، كل ذلك برضى أميركي وصهيوني، وحول الملايين من السوريين ومدنهم وقراهم إلى أهداف، مشيداً بانتظام بفعالية أسلحته التكتيكية والاستراتيجية، وقد قتل عشرات الآلاف من السوريين المدنيين في هذه الغارات، وجرح مئات الآلاف و/أو نزحوا؛ وعشرات المستشفيات والمراكز الطبية تم تدميرها أو وضعها خارج الخدمة، وتدمير أحياء بأكملها، كل هذا حدث دون إفلات من العقاب، ودون أن يشعر بوتين بالقلق أو المعاقبة عليه.

هذا واقع يجب أن نضعه في الاعتبار عند تحليل غزو أوكرانيا هذه الأيام، حتى لو كان السياق السياسي والجيوسياسي مختلفاً تماماً.

 

المصدر: اشراق