الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

تطلعات الشعوب وصراع المصالح الدولية

 

 

تبقى الديمقراطية هي المنجز الأهم في تاريخ البشرية؛ بما تعنيه أولاً من حق الشعوب في تقرير مصائرها، واختيار من ينوب عنها في رعاية مصالحها، وتَساوي الجميع أمام القانون في ظل التطبيق الفعلي له، إنها أول المواد التي يجب أن ينص عنها أي دستور يسعى لبناء دولة وطنية مدنية حديثة مستقلة ذات سيادة؛ ولتستحق أن تكون دولة وطنية ديمقراطية.

ليس للديمقراطية علاقة مباشرة بشكل النظام السياسي، ولا بالإيديولوجية، بل ترتبط بمفهوم الحرية، أعظم ما يميز الإنسان وأغلى ما يمتلكه من قيمة، ولا يمكن للديمقراطية أن تنشأ وتترعرع إلا في مجتمعٍ حر، وعلى أيدي أناس أحرار، وعبر سيادة القانون، وتَساوي جميع أفراد المجتمع أمام سيادته؛ وهذا ما أدركه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، عندما ذكر في الميثاق «إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية، وسيادة القانون هو الضمان الأخير لها».

إن الحديث عن الديمقراطية وشروط تحقيقها، كان تمهيداً لفهم ما يجري في بلداننا، وفيما يجري في هذا العالم من حوادث لا نعيش بمعزل عنها، بل تؤثر فينا وفي مصائرنا ومصائر من حولنا من الشعوب.

والذي يحدث هذه الأيام في جمهورية أوكرانيا، من اجتياح للقوات الروسية لبلد مستقل، إنما يعبر عن الخوف الروسي من انتشار الديمقراطية في الدول المجاورة، والتي تهدد بوصول قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى روسيا ذاتها، التي ماتزال تسيطر على قياداتها السياسية والعسكرية عقدة الدولة القيصرية، وعقلية الإمبراطورية السوفييتية، مع أن التاريخ يقول إن الموتى لا يعودون أبداً سواءً كانوا أفراداً أو دولاً أو إمبراطوريات.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وحصول الدول المستقلة على استقلالها، سارعت روسيا الاتحادية على تشكيل رابطة الدول المستقلة، وهو تحالف تشكل من دول الاتحاد السوفيتي السابق كانت أوكرانيا عضواً فيه، ثم قررت الانسحاب منه عام 2018 والاتجاه نحو أوربا ساعية لعضوية الاتحاد الأوربي، على غرار ما فعلته دول البلطيق، ربما من غير إدراك لموقعها الجيوسياسي، ووقوعها على التخوم بين عالمين، وهذا ما يشكل لعنة تاريخية للدول الواقعة على التخوم.

فأوكرانيا ذات المساحة الكبيرة حوالي 600 ألف كم²، وبتعداد سكاني حوالي 40 مليون نسمة، وتمتلك ثروات كبيرة ومتعددة، إضافة لكونها دولة زراعية وصناعية في أن معاً، وتحتل مواقع متقدمة في إنتاج المحاصيل الغذائية: القمح والذرة وعباد الشمس، كما تنتج السيارات والمركبات الفضائية والطائرات والأسلحة أيضاً.

ورغم غناها بالثروات المختلفة، يعيش شعبها أوضاعاً اقتصادية صعبة، بسبب الفساد الذي ورثته من الحقبة السوفييتية على مختلف الأصعدة، مما دفع الشعب الأوكراني للقيام بثورة شعبية عام 2013 ، متأثراً بما يجري في الساحات العربية، ومتطلعاً لصنع مستقبل أفضل، وقد اعتبر أن التوجه باتجاه الغرب هو المخرج مما هو فيه، وهذا ما جعل روسيا تناصبه العداء، وتُعد العدة لمنعه من الانضمام إلى الاتحاد الأوربي وحلف الناتو.

استغلت روسيا الفرصة عبر مظاهرات افتعلتها في شبه جزيرة القرم، وأعلنت عن ضمها للاتحاد الروسي، ثم استغلت فرصة إعلان انفصال دولتي أقليم الدونباس (دونيتسيك ولوهانيسك) لتعترف بهما؛ وبسبب محاولة أوكرانيا القضاء على الانفصاليين، أعلنت روسيا وضعهما تحت الحماية، وبدأت بتهديد أوكرانيا، ثم أعلنت الحرب عليها.

قبل بدء الاجتياح الروسي، كانت أمريكا ومن خلفها دول الاتحاد الأوربي والناتو، يقرعون طبول الحرب؛ وعندما حدثت اكتفوا بإرسال الدعم العسكري، وصرحوا أنهم لن يخوضوا حرباً ضد روسيا، لأن ذاك سيكون بمثابة حرباً عالمية ثالثة، وقاموا بفرض حزمة من العقوبات، ستؤثر بكل تأكيد على المصالح الروسية، ومن فرضوها لن يكونوا بمنأى عن تأثيراتها السلبية، التي بدأت ملامحها بارتفاع أسعار الغاز والنفط والسلع الغذائية عالمياً، وستكون البلاد العربية من المتأثرين بارتفاع أسعار القمح الذي تعتبر روسيا وأوكرانيا من أكبر المصدرين له إلى المنطقة العربية.

كان من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب بوقوع هذه الحرب، لأنه سينهك روسيا من جهة، وتبقي الأوربيين تحت سيطرتها من جهة أخرى، وتتفرغ هي لمواجهة المارد الصيني، الساعي بكل قوة ليصبح سيد العالم اقتصادياً وعسكرياً أيضاً؛ ويبدو أن العالم باتجاه إعادة تقسيمه بين الدول العظمى بعد أن تطاير إلى شظايا؛ فبعد الحرب العالمية الأولى، تم إعادة رسم الحدود الأوربية واقتسام تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية)، وبعد الحرب العالمية الثانية تم اقتسام أوربا بين الحلفاء المنتصرين، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أيضاً تم اقتسام تركته.

هذا الاقتسام لم يَرُق لبوتين، فقرر إعادة رسم الخطوط من جديد في أوربا، ولم يجد من طريقة سوى إعلان الحرب على أوكرانيا، معتقداً أن ذلك سيجبر دول الاتحاد الأوربي والناتو على الاستجابة لمطالبه؛ بوتين خريج مؤسسة المخابرات وزعيم الـ (KGB) ما يزال مسكوناً بهواجسه الأمنية، ويدير الدولة التي يرأسها بعقلية رجل الأمن، وليس رجل السياسة، وها هي روسيا اليوم أصبحت معزولة دولياً، بل ومكروهة أيضاً؛ فالمسكونون بذاكرة تاريخية بلا وجود لفاعلين تاريخيين لها، قدرهم أن يُعيدوا إنتاج نظام مغلق على ذاته فات أوانه.

الحرب الروسية على أوكرانيا، دفعت دول الناتو لأن يصبحوا أكثر تضامناً وتماسكاً، بل وشجع الهجوم الروسي، دولاً كانت محايدة، كالسويد وفنلندا وسويسرا، على التفكير بالانضمام لحلف الناتو، خوفاً من تصرفات الروس غير المأمونة.

قد يستطيع بوتين احتلال أوكرانيا، وتنصيب حكومة موالية له، ولكن إلى حين، وما سيكسبه هو عداء الأوكرانيين له ولبلده ولزمن طويل. ومحاولة فرض روسيا نفسها كقطب موازي للقطب الأمريكي بهذه الطريقة، ستكون نتائجه السلبية أكبر بكثير على روسيا شعباً وحكومةً واقتصاداً، خاصة بعد فرض حزمة من العقوبات غير المسبوقة عليه، وسعي الولايات المتحدة وحلفائها لإخراج روسيا من نظام سوفت المالي العالمي. إنه صراع المصالح بين الدول الكبرى، والذي تدفع فواتيره دول وشعوب العالم، التي تتطلع للنهوض وبناء دولها الديمقراطية، وتحقيق تنميتها المستقلة.

ومن الملاحظ غياب دور التكتلات العالمية، كالأمم المتحدة، ومنظمة عدم الانحياز، التي كانت في ظل قيادتها التاريخية المؤسسة لها (جمال عبد الناصر، وجواهر لال نهر، وجوزيف بروز تيتو) تلعب دوراً بارزاً في الدفع باتجاه السلم العالمي، وخفض التوتر بين القطبين السائدين آنذاك، فيما كان يُعرف بالحرب الباردة بينهما.

إن بدء تحجيم الدور الروسي كان في سورية الثورة بعد 2015، الثورة التي وقف العالم كله ضدها بشرقه وغربه كما وقف سابقاً ضد وحدة 1958 التي مرت ذكراها الـ 64 منذ عدة أيام، لما شكلته تلك الوحدة من بادئة ورافعة لتحقيق وحدة العرب جميعاً، وإعادتهم إلى دائرة الفعل الحضاري الذي طال انتظاره. هذا العالم الذي وقف هذه الأيام مع شعب أوكرانيا وحقه في تقرير مصيره ودعمه بالمال والسلاح، ضن هذا العالم، بل منع على شعبنا السوري الثائر وصول بعض الأسلحة النوعية لقلب المعادلة لصالح ثورته وحريته وبناء الديمقراطية التي ثار من أجلها بمواجهة استبداد قاتل لنظام لا يختلف عن نظام بوتين البربري؛ فلعل هذه الوقفة العالمية ضد هذه الحرب المجنونة تنهي أو تحجم دور الإرهاب الروسي بزعامة الفاشي بوتين وتنهي دور حلفائه معه، إيران وميلشياتها الطائفية إضافة لانفضاضهم عن النظام الكيماوي القاتل، وقد بدأت بشائره بالمظاهرات الضخمة في جميع دول العالم ضد القتل وضد جرائم الاحتلال الروسي لأوكرانيا فضلاً عن المظاهرات الداخلية في روسيا وحجم الاعتقالات بين الروس المناهضين لبوتين وعدوانه؛ ولعل هذا العالم أيضاً يبدأ صفحة جديدة مع الشعب السوري تمكنه من نيل حقوقه ومحاسبة ناهبيه ومستبديه، لما فيه من خدمة للاستقرار والسلم العالمي معاً.

وبذلك يساهم شعبنا ببناء سلم وسلام وطني كجزء من تطلعات الشعوب لتمكين الديمقراطية وبسط دورها، وبناء سلام عالمي، يسمح بالمزيد من التقدم ويفضي بنهاية المطاف إلى مجتمع إنساني طال انتظاره؛ باعتبار الديمقراطية هي الطريق الأنجع للوصول للأهداف السامية والنبيلة، وإدارة شؤون البلاد والعباد، واكتشاف الشعوب لقدراتها وإمكانياتها، فكل من يقف ضد الديمقراطية، ويعاند في تطبيقها، إنما يكون ضد الشعوب وتطلعاتها، وضد حركة التاريخ بل خارجه.