الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

جذر الصراع على أوكرانيا

علي العبدالله *

لم يكن الحشد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا الحشد الأول؛ فقد سبق لروسيا حشد قواتها على الحدود الأوكرانية خلال العام الماضي، في عملية ضغط لتحقيق مطلب روسي بعدم قبول انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإبعاد قوات الأخير عن الحدود الروسية الغربية. وقد وقفت خلف التحرك الروسي اعتبارات جيوسياسية، حماية الأمن القومي الروسي، وجيواستراتيجية، كسر الهيمنة الغربية عبر تغيير النظام الدولي.

موقع أوكرانيا وأهميتها لروسيا:

ظهرت أوكرانيا دولة مستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 وقد كانت، بسبب موقعها وعدد سكانها (46 مليون نسمة)، تحتل موقعاً هاماً في حلف وارسو، بما في ذلك المشاركة في تقسيم عمل في مجال الصواريخ النووية، ونشر شبكة صواريخ بالستية تحمل رؤوساً نووية على أراضيها، ناهيك عن علاقات تاريخية عميقة مع روسيا: ولادة الأمة الروسية والكنيسة الأرثوذوكسية التي غدت الكنيسة القومية الروسية بعد اعتناق الأخيرة المسيحية، في أوكرانيا، فقرب ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، تقول الأسطورة الروسية، تم تعميد الأمير فلاديمير في عام 988، في أولى خطوات دخول المسيحية لهذه البلاد. وقد مثّل استيلاء الروس على جزيرة القرم عام 1773 تطوراً كبيراً في مصائر روسيا، التي أصبح لها للمرة الأولى ميناء في المياه الدافئة وأسطول قرب المتوسط.

تغيرت معادلة القوة بين روسيا وأوكرانيا بفعل التحول والتغير الذي طرأ على روسيا وتوسعها على حساب شعوب الجوار، ولكن العلاقة بينهما ظلت متينة، فقد غدا لروسيا نفوذ كبير فيها، سواء على مستوى الأشخاص النافذين أو على مستوى المؤسسات. ولكن قاعدتها الأكثر وثوقاً وقوة تمثلت في الأقلية الروسية التي تصل نسبتها إلى 17.3% من السكان، وتتمركز في شبه جزيرة القرم والأقاليم الشرقية المحاذية لروسيا، ففي هذه الأخيرة، على وجه الخصوص، لا تتحدّث أغلبية السكان اللغة الروسية وحسب، بل تمتد صلات السكان التجارية، الصناعية، العائلية بروسيا عبر الحدود، إلى عقود طويلة، وربما إلى قرون.

كانت روسيا وما زالت حريصة على تعزيز هذا النفوذ، وبناء علاقة سياسية مستقرّة ودائمة مع أوكرانيا، سواء على مستوى العلاقات الثنائية، أو ضمن إطار الاتحاد الأوراسي الذي تصور الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوكرانيا ستكون حجر زاويته. بدون أوكرانيا، في الحقيقة، يفقد الاتحاد الأوراسي معناه كلية، بسبب الأهمية الجيوستراتيجية الكبرى لأوكرانيا، باعتبارها الممر السهلي لروسيا باتجاه أوروبا الغربية، وقد قال زبيغينيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر 1977- 1981، “من دون أوكرانيا لن تكون روسيا دولة عظمى”، فأوكرانيا، بالنسبة للرئيس الروسي، تقع في نطاق دبلوماسية “الجوار القريب” التي اعتمدتها روسيا منذ عهد القياصرة. وقد اتخذت، الدبلوماسية، بعد الحرب العالمية الثانية، شكلين ظاهرين؛ إما بسط هيمنة موسكو بـ”الواسطة” على دول “الجوار القريب”، كما كان الحال مع أوكرانيا؛ وكما هو حالياً مع طاجيكستان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في منطقة القوقاز، أو تحييدها قسراً ومنع انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما هو الحال مع فنلندا وبيلاروسيا.

لا يمكن حصر العلاقات الروسية – الأوكرانية، كما ذهب بعضهم، بالعامل الاقتصادي، والمكاسب والخسائر المتوقعة تبعاً لطبيعة التقارب أو التباعد بين البلدين، لأن الترابط العضوي الذي ترسّخ على مدى قرون يضع أوكرانيا في رأس قائمة أولويات روسيا، فقد ظلت العلاقات بين البلدين أشبه بعلاقات بلد واحد تفصل أطرافَه حدود وحواجز وقوانين محلية، فقرابة نصف سكان الأقاليم الشرقية يتكلمون اللغة الروسية، ويتطلعون إلى تعزيز التقارب مع موسكو، وهذا لعب دوراً رئيساً في تحويل أوكرانيا إلى ساحة نفوذ أساسية للروس، ونافذة حيوية على أوروبا لا يمكن فصلها من دون إلحاق أضرار كارثية بروسيا نفسها، لأن التحاق أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي سيعني التزامها بمواثيق مشتركة، منها اتخاذ سياسات دولية وإقليمية تعارض مصالح موسكو، كما يرجّح كثيرون أن الخطوة التالية ستكون الانضمام إلى حلف الناتو، ما يعني إحكام تطويق روسيا عسكرياً، ونشر الصواريخ الغربية تحت نوافذ الكرملين مباشرة.

الاقتصاد والصناعة:

وعلى الصعيد الاقتصادي- الصناعي، ثمّة خسائر لا تعوّض أيضاً، إذ تميز النموذج السوفياتي بإقامة مجمّعات صناعية ضخمة موزّعة في فضائه، وبعد انهيار الدولة السوفياتية تلاشت غالبية هذه المجمعات العملاقة، إذ لم يعد ممكناً استمرار مجمع صاروخي في العمل مثلاً عندما تنتج أجزاء منه في ضواحي موسكو وأجزاء أخرى في كازاخستان أو في أوكرانيا أو بيلاروسيا. أما المجمّعات الأخرى التي ورثتها أوكرانيا، وما زالت تشكل قاعدة صناعية كبرى، فظلت مرتبطةً بصناعات مختلفة في بلدان أخرى، في مقدمتها روسيا. مثلاً تقدم مصانع أوكرانية تقنيات لازمة لصناعة المحطّات الكهروذرية الروسية، ولمجمعات الصواريخ وغيرها من الصناعات الحيوية لاقتصاد البلدين. ما يعني أن تداعيات انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ستكون كبيرة وخطيرة. في الوقت ذاته، السوق الأوكرانية من أضخم الأسواق بالنسبة إلى الصناعات الروسية التي لن تكون في الغالب قادرةً على منافسة الصناعات الأوروبية، إذا سارت الأمور وفق السيناريو السيئ للروس، ما يعني خسائر كبيرة لقطاعات مهمة وحيوية، سيكون عليها البحث عن أسواق جديدة لتعويض خسائرها الفادحة.

وما زاد في تعقيد الحالة حجم التداخل الاقتصادي الروسي الأوكراني الأوروبي، فالتجارة الأوكرانية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بروسيا وأوروبا على حد سواء، فنحو 60% من حجم التجارة الأوكرانية يجري مع بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، كما أن أغلب منتجاتها الصناعية تأتي من المناطق الشرقية للبلاد ذات الكثافة الصناعية الكبيرة، هذا بالإضافة إلى الروابط الشخصية التي تجمع مواطنين أوكرانيين كثيرين في الأقاليم الشرقية بروسيا المجاورة، فيما تظل أوروبا بالنسبة لهؤلاء بعيدة جداً. أوروبا ما زالت تعتمد اعتماداً كبيراً على الغاز والنفط الروسيين، فالاتحاد الأوروبي من الشركاء الاقتصاديين والتجاريين الكبار لروسيا، حيث تبلغ حصته في التجارة الخارجية الروسية نحو 50%. وتمثل موارد الطاقة أساس هذه العلاقات عموماً، فنحو 36% من الغاز، و31% من النفط، و30% من الفحم من واردات دول الاتحاد الأوروبي مصدرها روسيا. وهذا يمثل 80% من إجمالي صادراتها من النفط، و70% من إجمالي صادراتها من الغاز، و50% من إجمالي صادراتها من الفحم، بينما تؤلف حصة الآلات والمعدات الروسية (السلع الاستثمارية) أقل من 1%. فروسيا تحتل المركز الثالث بعد الولايات المتحدة والصين في التجارة الخارجية مع الاتحاد الأوروبي بحصة تعادل 7% من صادراته و11% من وارداته. وبهذا الشكل، يوفر التعاون مع الاتحاد الأوروبي إيرادات مهمة للغاية لخزينة الدولة الروسية.

في الوقت نفسه، تصل من بلدان الاتحاد الأوروبي إلى روسيا منتجات البتروكيماويات 18% والمواد الغذائية 10% والسلع الاستثمارية والتكنولوجية من معدّات وآلات نحو 45%. وفي ما يتعلق بالتعاون الاستثماري، فإن 70% من الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الروسي تعود إلى دول الاتحاد الأوروبي. وهذا يعكس الترابط العضوي بين الاقتصاد الروسي واقتصاد هذه الدول. وقد ظهر عمق التأثير المتبادل بين الاقتصادين، الروسي والأوروبي، في ضوء الإجراءات العقابية الأولى التي اتخذها الاتحاد الأوروبي ضد شخصيات روسية وأوكرانية موالية لروسيا، حيث اهتز الاقتصاد الروسي بقوة، فقد تراجعت السوق المالية الروسية “مايسكس”، وفقدت 66 مليار دولار من أصولها بعد اندلاع الأزمة عام 2014، كما فقد الروبل 11% من قيمته، ما اضطرّ البنك المركزي الروسي للتدخّل وضخّ 16 مليار دولار لاستقرار العملة. كما انسحبت استثمارات تُقدّر بـ 50  مليار دولار من الأسواق الروسية، علاوة على ذلك، يزيد التبادل التجاري بين روسيا وأميركا يزيد عن 40 مليار دولار.

خلفية الصراع الغربي الروسي:

مع نهاية الحرب الباردة (قمة مالطا بين الرئيسين بوش الأب وغورباتشوف 1989) وانهيار الاتحاد السوفياتي (1991) شهد العالم توجّهاً سياسياً دعا إلى تصفية بؤر التوتر والحروب وإقرار السلم العالمي، فقد سادت، لفترة وجيزة، أدبيات البيروسترويكا التي بشّر بها آخر رئيس سوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، والتي تدعو إلى إقامة نظام دولي يعتمد “توازن المصالح” قاعدةً له، وتعطي الأولوية للتعاون الدولي، ما يعني تراجع العامل العسكري وإعطاء الصدارة في العلاقات الدولية للعاملين، السياسي والاقتصادي. قاد هذا المناخ إلى بروز دعوات أوروبية إلى حل حلف الناتو بعد أن غدا، بفعل نهاية الحرب الباردة وحل حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفياتي، بلا معنى أو هدف، وإلى قبول دعوة غورباتشوف إلى إقامة أوروبا واحدة من الأورال إلى الأطلسي، وإلى حل النزاعات الإقليمية بالطرق السلمية، وتقديم يد المساعدة للدول الفقيرة لإخراجها من حالة الانهيار الاقتصادي والصراعات العرقية والسياسية.

رفضت الولايات المتحدة هذا التوجه وقاومته بقوة، فالمحافظة على “توازن القوى” قاعدةً للعلاقات الدولية، وعلى حلف الناتو وتوسيعه وتعديل استراتيجيته وساحة عمله، مصلحة أميركية. لذا تبنّت سياسات مراوغة، ودفعت باتجاه تأزيم النزاعات، ودفع أطرافها إلى اعتماد الخيار العسكري، ولعل ما حدث في يوغسلافيا آنذاك خير مثال على هذا السلوك، حيث كشفت الهيرالد تريبيون (15- 16/5/1992) ما قاله جيمس بيكر، وزير الخارجية الأميركية، عام 1990 للرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش: “إن واشنطن مع يوغسلافيا موحدة أرضاً وشعباً”، وهذا شجع الأخير على الاندفاع في حرب مجنونة دمرت بلاده وشعبه وقادته إلى محكمة جرائم الحرب (يذكّرنا هذا بلقاء السفيرة الأميركية، أبريل غلاسبي، مع الرئيس العراقي، صدّام حسين، قبل اجتياح الكويت، وإعلان ريتشارد أرميتاج، مساعد وزير الخارجية الأميركية، في دمشق عام 2004 أن قضية التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود قضية تحل بالتفاهم بين سورية ولبنان).

وقد عملت الولايات المتحدة في القمة الخمسينية للحلف في واشنطن عام 1999 على إلزام الحلفاء بتنفيذ مقرّراته، والتي تبنّت تحويل الحلف إلى مرجعية لقرار الحرب والسلم في العالم. انطلقت الولايات المتحدة من تصوّر مبني على ضرورة الوجود العسكري المباشر في عدد من الأقاليم حول العالم، سيما الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومحيط البحر الأسود، بهدف السيطرة على التفاعلات الإقليمية السياسية والاقتصادية، والتحكم بالخريطة الجيوستراتيجية في هذه الأقاليم، ما جعل هدف توسيع حلف الناتو يحتل موقعاً مركزياً في هذه الخطة.

لم يستمر حلف الناتو ويوسّع ساحة عمله فقط، بل واندفع بتوسيع عضويته بضم دول أوروبا الشرقية، حيث ضم 11 بلداً من بلدان أوروبا الشرقية، بما فيها بولندا وبلدان البلطيق الثلاثة: لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، وطرح انضمام أوكرانيا إليه، بالإضافة إلى دول أخرى محاذية لروسيا مثل أرمينيا، والاقتراب من الحدود الروسية أكثر فأكثر، مستغلاً ضعف روسيا وارتباكها ودخولها في حالة انعدام وزن خلال فترة حكم الرئيس الروسي، بوريس يلتسين. وقد جاء نشر أجزاء من الدرع الصاروخي في تشيكيا ورومانيا وتركيا، وأجزاء أخرى متحرّكة على ظهر ناقلات في دول البلطيق ليثير مخاوف روسيا، لأنه يمنح الولايات المتحدة فرصة توجيه الضربة الأولى، ويشل قدرة روسيا على الرد، ففي ذهن الروس مقولة وزير الخارجية الأميركية الأسبق، هنري كيسنجر، روسيا ما زالت كبيرة لذا فهي خطيرة.

تحفّظت روسيا على عمليات التوسع لجهة تعارضها مع التفاهم الذي جرى بين الغرب والاتحاد السوفياتي خلال مفاوضات توحيد ألمانيا، لكن موسكو، مع التصريحات الرسمية الروسية الحادّة التي ترفض توسع الحلف، رضخت ووقّعت مع الحلف عام 1997، في عهد الرئيس يلتسين، “ميثاق باريس” الذي فتح الباب أمام انضمام بولندا وتشيكيا والمجر إلى صفوف الحلف دفعة أولى. وفي عهد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تم التوقيع على “إعلان روما” عام 2002، الذي جرى بموجبه تأسيس مجلس “روسيا ـ الناتو”، ومواصلة الحلف ضم مزيد من دول شرق أوروبا. كان مهندس الحرب الباردة جورج كينان وصاحب نظرية الاحتواء قد أعلن عام 1999 أنه يعارض فكرة توسّع حلف الناتو نحو الشرق، وأخبر زميله توماس فريدمان حينئذ “أن التوسع باتجاه الشرق سيكون “خطأً مأساوياً”، لأن العدو في ذلك الوقت لم يكن روسيا، بل الحزب الشيوعي السوفياتي. ولم يكن من الضروري توسيع حلف الناتو، لأن ذلك سوف يجبر روسيا على العودة إلى لعب دورها باعتبارها الطرف المعادي للغرب، وقد تسعى إلى إشعال أوار حرب باردة جديدة. وبالإضافة إلى هذا كله، ليست لدينا نيّة للذهاب إلى الحرب بسبب تلك البلدان النائية”.

لقد استسلم القادة الروس لعمليات التوسّع، حتى أن بوتين عندما وصل إلى السلطة تحدّث عن احتمال انضمام روسيا ذاتها إلى الحلف.. تبنّت روسيا خلال رئاسة بوتين الثالثة، مدفوعة بنزوع قومي روسي لإعادة الاعتبار لروسيا، والثأر من مرحلة الضعف والاحتقار الغربي، رؤية قائمة على قوة الدولة وضمان ولاء الكنيسة الأرثوذكسية، والتمسّك بالقيم الثقافية العريقة، تبنّت استراتيجية هجومية بهدف فرض هيبتها ودوريها، الإقليمي والدولي، وعملت على تعزيز الوجود العسكري الروسي في الساحة السوفياتية السابقة من خلال قواعد عسكرية في طاجيكستان وقرغيزيا بيلاروسيا وأوكرانيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأرمينيا، ومن خلال تقوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم حالياً روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأرمينيا، ودعت إلى تشكيل اتحاد جمركي يضم دول الاتحاد السوفياتي السابق تحت اسم الاتحاد الأوراسي، إطارا موازيا ومنافسا للاتحاد الأوروبي، يمثل برأيها عالماً بديلاً قائما على رفض القيم الغربية، ومبنيا على تصوّر لا يسمح لأية دولة فيه أن تصوغ سياساتها وتحدّد أطر مستقبلها منفردة، ويقع تحت السيطرة الروسية الكاملة. وأطلقت، مستفيدة من تحسّن سعر النفط والغاز الذي مكّنها من تجاوز حالة العجز التجاري والمالي، وحولها إلى وضع إيجابي مع احتياطي نقدي كبير سمح برفع الموازنة العسكرية، برامج اقتصادية وعسكرية لإعادة التوازن لوضعها الداخلي وزيادة قدرتها على التحرك الإقليمي والدولي. وهذا أجّج الخلافات مع الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة، وقد جاءت تحولات الربيع العربي والتصرّف الغربي في ليبيا، وانفجار الثورة السورية، على الضد من هوى الكرملين لتزيد في سخونة المواجهة، في ضوء خشية موسكو فقدان آخر معاقلها في المتوسط، فتبنّى الكرملين موقفاً منحازاً للنظام السوري، في محاولة لتحقيق هدفين: حماية مصالحه ووجوده في المتوسط (قاعدة طرطوس)، والانتقام من حرمان روسيا من الكعكة الليبية.

تزامن هذا التحرّك مع إدارة أميركية تبنّت لاعتبارات داخلية (الرفض الشعبي للحروب الخارجية بسبب الضحايا والتكلفة المالية العالية، حيث قدّر إجمالي خسائر الحرب في أفغانستان والعراق بثمانية تريليونات، خلل مالي، مشكلات اقتصادية: بطالة تضخّم، تآكل البنى التحتية) خيارات الحدّ من التدخل الخارجي، والتعاون والعمل المشترك لمواجهة المشكلات، والعمل على تحقيق المصالح بطرق أقل تكلفة بشرياً ومادياً، ما منح التحرّك الروسي فرصة تسجيل نقاط تفوق ظاهرية، عزّزت اندفاعة بوتين، ورفعت من أسهمه الداخلية والدولية، ودفعته إلى الرفع من نبرة التحدّي والتوسّع في عرض العضلات واستخدام القوة ضد خصومه، الداخليين والخارجيين، وقد أغراه غياب الرد المباشر بالعمل على تحقيق نصرٍ على الغرب في سورية، عبر دعم النظام السوري بأسباب البقاء وتغطيته إعلامياً ودبلوماسيا وحمايته سياسياً.

ردّت واشنطن على التشدّد الروسي في سورية وإفشاله “جنيف2″، عبر عدم قيامه بالدور المطلوب والضغط على النظام لدفعه إلى الانخراط في مفاوضات جادّة، بتشجيع المعارضة الأوكرانية، وإشعال حريق في الحديقة الخلفية لروسيا.

تحرّكت موسكو ضد التظاهرات الأوكرانية والبرلمانية، وهروب حليفها الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش، بالتدخل غير المعلن في جزيرة القرم، وتشجيع الروس هناك للمطالبة بإجراء استفتاء لتقرير المصير، وتنفيذ الخطوة وضم الجزيرة إلى روسيا تحت ذريعة نتائج الاستفتاء. جاء رد الفعل الروسي في جزيرة القرم، مع توجه إلى اللعب بورقة حماية الروس والناطقين بالروسية في أوكرانيا، للضغط على كييف للعودة إلى الاتفاق الذي تم بين يانوكوفيتش والمعارضة برعاية دول غربية وإلغاء كل الخطوات التي أخذها قادة الانقلاب عليه، وعلى الغرب، للتخلّي عن مساعيه لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فموسكو لم تكن بعيدة عن الصواب، عندما قدّرت، منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، أن مشكلتها الكبرى هي في الخارج القريب، ومحاولتها تأمينه إلا أنها ووجهت بتقدّم استراتيجي غربي حثيث، حُمل، في أغلب الحالات، على موجة تحوّل ديمقراطي وأحلام الانضواء في الوحدة الأوروبية، فلم تجد سوى تصعيد الروح القومية الروسية مرتكزاً لمقاومة هذا التقدّم الغربي.

اعتبر الغرب ما تم في جزيرة القرم خرقا للقانون الدولي، ورأى فيه فرصة لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ورسم الحدود الشرقية للاتحاد، وإبعاد روسيا عن دول البلطيق وبلغاريا ورومانيا. لم يثر ضم جزيرة القرم إلى روسيا حفيظة الدول الغربية فقط، بل ودول على علاقة جيدة بروسيا: الصين، بيلاروسيا، كازاخستان، ودول أخرى من دول الاتحاد السوفياتي، كلّ لاعتباراته الخاصة، فقد تبنّت الصين موقفاً “محايداً”، فهي لا ترغب في خوض معارك الآخرين لاعتباراتٍ كثيرة، منها الأوضاع في التبت وتايوان. وفي الوقت نفسه، لا ترغب الصين في خسارة روسيا نتيجة احتياجها المتزايد لموارد الطاقة من أجل مواصلة نموّها الاقتصادي، وقد تخوّفت بيلاروسيا وكازاخستان من قيام روسيا بذلك معها مستقبلا.

اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الرد الذي ستأخذانه ضد التحرّك الروسي في أوكرانيا: دعم أوكرانيا اقتصاديا ومعاقبة روسيا، وهذا ما عكسته المباحثات الأوروبية الاوكرانية، والاتفاق على تقديم قروض مالية عاجلة وتفعيل المباحثات حول الشراكة التجارية بين الطرفين، والتصريحات الغربية والإنذار الذي وُجه إلى موسكو بمعاقبتها اقتصادياً وعزلها دبلوماسياً. وقد رجّح خبراء اقتصاديون روس أن تكون أوروبا أنجزت مع الولايات المتحدة وضع تصوّر للوضع في أوكرانيا خلال المرحلة المقبلة، وبدأ العمل على تطبيقه عملياً على الأرض بصدور رزمة العقوبات التي اتخذت ضد شخصيات روسية وأوكرانية موالية، وضد بعض المصارف والشركات الروسية.

غير أن مراهنة روسيا بضم جزيرة القرم كانت أن يشكل خطوة في لعبة دومينو وتحرك سكان الأقاليم الشرقية للمطالبة بالانضمام إلى روسيا، اعتماداً على أن نحو 3.17% من سكانها هم من الروس، وأن 43 ـ 46% من السكان يتحدّثون الروسية، يتركزون في شرقها، بجوار الحدود الروسية، حيث يسهل دعمهم الذي تتركز فيه الموارد والثروات والطاقات الإنتاجية ويساهم بأكثر من 70% في الناتج القومي الأوكراني، وحرمان أوكرانيا من هذه الموارد. رأى خبراء روس أن انضمام جزيرة القرم قد يفتح شهية أقاليم ومناطق أخرى في الساحة السوفياتية السابقة لطلب الانضمام إلى الاتحاد الروسي. وأبرزت وسائل إعلام روسية أن إقليم بريدنيستروفييه بجمهورية مولدافيا السوفياتية السابقة، حيث يشكل الروس نحو 30% من سكانه، يطالب هو الآخر بالانضمام إلى روسيا. مع عدم استبعاد احتمال تزايد مثل هذه الطلبات في الفترة المقبلة، خصوصا إذا علمنا أن عدد الروس الذين وجدوا أنفسهم خارج روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ليس قليلا، فعلى سبيل المثال، يعيش في كازاخستان بين 23 و30% من الروس، وفي لاتفيا نحو 29%، وفي إستونيا نحو 25.5%، يدور الحديث هنا عن السكان من أصول روسية فقط، وإذا أضفنا إليهم عدد السكان الناطقين بالروسية تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

لم يقف الوضع عند هذا الحد، حيث صعّدت روسيا الموقف في أوكرانيا عبر تشجيع ودعم الروس والناطقين بالروسية في منطقة دونباس على إعلان التمرّد على السلطة المركزية، والمطالبة بحكم ذاتي يسمح لروسيا عبره بالتأثير على قرارات كييف. وقد ترتب على هذه الخطوة إعلان قيام جمهوريتين شعبيتين مستقلتين، لوغانسك ودونيتسك، يوم 12/5/2014 بعد استفتاء شعبي.

ناقش قادة “الناتو” هذه التغيرات بروحية هجومية، ووُضعت تصوّرات لمواجهتها عبر تشكيل قوة تدخل سريع، وصفها أمين عام حلف الناتو السابق، أندرس فوغ راسموسن، برأس الحربة، تكون جاهزة للتحرّك، وفق مقتضى المادة الخامسة من معاهدة الدفاع المشترك للحلف، لنجدة أية دولة من دول الحلف تتعرّض لاعتداء خارجي خلال أيام، وإقامة قواعد شبه ثابتة في دول شرق أوروبا (خمس قواعد عسكرية في لاتفيا وليتوانيا وإستونيا ورومانيا وبولندا) ونشر نحو 4000 عسكري فيها، إضافة إلى إنشاء صندوق لدعم أوكرانيا عسكرياً ورفع كفاءة جيشها، ومواصلة الضغط الاقتصادي على روسيا وفرض عقوبات اقتصادية جديدة.

أدرك الكرملين مدى خطورة خطة الحلف تكبير قوة التدخل السريع على الأمن القومي الروسي، ومحاولات محاصرة روسيا وتطويقها بقواعد عسكرية للحلف لتغيير الوضع الجيوسياسي لها وحولها، ومواصلة واشنطن العمل على نشر الدرع الصاروخية في دول شرق أوروبا، ما دفعه إلى الإعلان عن تعديل في العقيدة العسكرية، أساسه إعادة تأكيد رفض توسع الحلف في اتجاه الحدود الروسية وزيادة وجوده العسكري في أوروبا الشرقية، ورفض نشر الدرع الصاروخية، وحق روسيا في استخدام درعها النووية، والتلويح بالانسحاب من معاهدة عام 1987 حول الصواريخ النووية المتوسطة، ورفض انضمام أوكرانيا إلى الحلف، واعتماد سياسة إحلال الواردات في المجالين، العسكري والمدني، ما يعني زيادة النفقات العسكرية بأكثر مما هو مخطّط له، لموازنة النفقات العسكرية لحلف الناتو والولايات المتحدة.

ظلت المعطيات والمواقف المعلنة، على الرغم من تحرّك الغرب المدروس بين الدبلوماسية والعسكرية، تنذر بتوتراتٍ ومواجهاتٍ عنيفة قد تستمر سنوات تتوقف نتيجتها على مدى انخراط الجناح الأوروبي في الصراع، وعلى مدى تمسّك الكرملين بما يسميه روسيا الجديدة، والتي تضم أراضي من دول الاتحاد السوفياتي السابق يقطنها روس أو ناطقون بالروسية.

* كاتب سوري

المصدر: العربي الجديد