الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

حين لا كرامة

عدنان جابر *

يوماً بعد آخر، يغدو الفلسطينيون في متناول العدو الصهيوني أكثر فأكثر. اصطياد المناضلين الفلسطينيين بات يسيراً ومتكرّراً، بينما القيادة نائمة في العسل والفساد، والأجهزة الأمنية للسلطة، على كثرتها وفخامة مسمياتها، لا تحمي الشعب، بل تحمي الاحتلال، تمسّكاً بأغلال اتفاق أوسلو، وتدريب الأميركي دايتون، والتزاماً بالعبارة الفخمة لفخامة محمود عباس: “التنسيق الأمني مقدّس .. مقدّس .. مقدّس”!

استشهاد المناضلين الثلاثة من كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح، أشرف المبسلط وأدهم مبروك ومحمد الدخيل، في نابلس يوم 8 فبراير/ شباط الجاري، لم يكن الاستشهاد الأول لمناضلين، ولن يكون الأخير ما دام هناك احتلال ومقاومة، لكنه فتحَ الجرح الفلسطيني على آخره، أحدث قهراً اخترق الوجدان، وأطلق حزناً وصل إلى عنان السماء. استباحة العدو غدت واسعة النطاق وبالغة الأذى. لا سيادة للفلسطينيين، لا حصانة، لا حماية، لا أمن، ولا أمان. يدخل العدو الصهيوني إلى المناطق الفلسطينية ويخرج منها.. سراح مراح!. يقوم بتصفية المناضلين، فيخلف الأسى لدى الأهل والشعب. ويكون الرد: هتافات غاضبة لأجل الشهداء المحمولين على الأكتاف، وصليات من الرصاص في جنازتهم. وإذ نددت السلطة الفلسطينية “بأشد العبارات بالجريمة الإسرائيلية”، ودعت “المجتمع الدولي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وحماية الشعب الفلسطيني”، وهي عباراتٌ مكرّرة لا تكلّف شيئاً، فإن حركة حماس وصفت عملية اغتيال الشبان الثلاثة بأنها “غادرة”، وهو وصفٌ زاد المشهد بؤساً وأسى.

ردود الفعل على عملية اغتيال مناضلي جبل النار، وعلى جرائم أخرى مماثلة، لا تشفي غليل الشعب الفلسطيني، ليست في مستوى دم الشهداء، ووطأة الاحتلال، وليست في مستوى الأهداف الوطنية لهذا الشعب. السلطة الفلسطينية ونهجها وأجهزتها ليست مؤهلة لا لحماية كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، ولا لحماية كتائب الفصائل الأخرى، ولا لحماية الأقصى، ولا كنيسة المهد، ليست مؤهلة لحماية فلسطين، ولا حماية الشعب الفلسطيني برمته. أراد رئيس السلطة، المجرّد من القوة أمام العدو، أن يكون شعبه أيضا مجرّداً أمام المحتل. لا يريد له أن يتسلح لا بصاروخ، ولا ببندقية، ولا حتى بسكّين. قال يوماً: “الأمن الفلسطيني يدخل المدارس ليفتش “شُنط” (حقائب) الأولاد إذا كان فيها سكاكين أو لا. وفي مدرسة واحدة وجدنا 70 ولدا وبنتا يحملون سكاكين، وتحدّثنا معهم أن هذا الأمر خطأ، وأنا لا أريدك تقتل وتموت، أريدك أن تحيا ويحيا الآخر”. (مقابلة مع الصحافية الإسرائيلية ياعيل ديان من القناة الإسرائيلية الثانية، 1 إبريل/ نيسان 2016).

تاريخ السلطة وأجهزتها خلال السنوات الماضية في الوشاية بالمناضلين الفلسطينيين، أمثال باسل الأعرج وأحمد جرار وعمر أبو ليلى وغيرهم، وتزويد أجهزة الأمن الإسرائيلية بـ “معلومات ذهبية” تؤدّي إلى الإيقاع بالمناضلين واعتقالهم أو اغتيالهم، يدل على أن هذه السلطة لا تريد مقاومة للاحتلال، لا من الصغير ولا الكبير، بل حماية الاحتلال وتكبيل الفلسطينيين وقمعهم. لم تعد القضية الوطنية هي المقدّسة، بل التنسيق الأمني مع العدو، وهذه مفارقة مخزية في تاريخ الثورات والشعوب.

ليست الأزمة محصورة فقط في السلطة الفلسطينية وفي حركة فتح ومحمود عباس، بل تشمل مجمل الفصائل الفلسطينية. القول بوجود “يمين ويسار” في الساحة الفلسطينية بات أقرب إلى نكتة لا تثير الضحك، فالجميع بِنية واحدة، والفساد السياسي والتنظيمي والمالي يشمل الجميع، والاختلاف في الدرجة والتمظهر، وليس في المضمون والجوهر. لم تعد المرجعية مهمة بالنسبة لما اصطلح عليها “فصائل اليسار الفلسطيني”. المهم من يمنح المال لتأمين احتياجات الحزب ورواتب الرفاق، كما لم تعد اللحية مهمّة، سواء كانت لحية كارل ماركس أو لحية علي خامنئي!

لا دخان بلا نار، ولا نتائج بلا مقدّمات، علينا، والغضب يعتمل في صدورنا، باستشهاد أبناء شعبنا الثلاثة، أن نفكر بهذه الأسئلة الحارقة: لماذا أصبح الشعب الفلسطيني في وطنه، ومناضليه، وبيوته، وأشجاره ومحاصيله، “ملطشة” للجنود والمستوطنين الصهاينة؟ هل نستمر بهذا الوضع؟ وكيف نخرج منه؟ نحن مطعونون بكرامتنا الوطنية والإنسانية، نشعر بأننا مهانون مذلّون، ولو كان الأموات يخرجون من قبورهم لخرج دوستويفسكي (1821-1881) من قبره، مستفَزاً إنسانياً وفنياً، ولكتب عن واقع الفلسطينيين نسخة أخرى من روايته “مهانون مذلّون” التي كتبها من وحي الواقع الروسي، وأصدرها عام 1861.

في زمن مضى، جذبت القضية الفلسطينية مقاتلين ومثقفين عربا وأجانب عديدين رأوا فيها جسراً لأحلامهم في الإنسانية والعدالة. كان لنا هيبة: نُفرح شعبنا، ونُفرح الأصدقاء، ونُخيف العدو. والحكمة تقول: “القلعة تُقتحم من الداخل”. لقد تجرأ بعض من الفلسطينيين على قلعتنا، تخريباً وإفسادا وتثبيطاً، حتى لم تعد هناك قلعة. وفي الوقت الذي كانت فيه رصاصات الصهاينة تخترق صدور الشبان الثلاثة في نابلس، كان الشيخ رائد صلاح، الفلسطيني الحر، ابن أم الفحم، الذي خبر النضال والسجون والمواجهات مع الاحتلال، يتوجّه على رأس وفد إلى الخليل، للتوسّط لحل خلاف عشائري بين عائلتين، وصل إلى حد الاشتباكات المسلحة!

ثمّة فرق جوهري بين بندقية القتال ضد العدو وبندقية الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد، بين البندقية الوطنية وبندقية الثأر والعشائرية. وبطبيعة الحال لا يتعلق الأمر بالبندقية، بل بمن يحملها. ومقاربة هذا الموضوع الذي أثار غضب الشعب الفلسطيني وحزنه توضح أن هذا الشعب يكابد معاناة مثلثة الأضلاع: من الاحتلال والمستوطنين الصهاينة. من فساد السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني مع العدو. معاناة الشعب الفلسطيني مع ذاته ومن ذاته، معاناة من بِنية المجتمع الفلسطيني التي تتمخّص، بين آونة وأخرى، عن مظاهر اجتماعية خطيرة، مثل جرائم الشرف، والعنف الأسري، والعنف المجتمعي، وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة، والفلتان، والثأر، وهي مظاهر تطفو على السطح بين آونة وأخرى في مختلف المناطق الفلسطينية، بما فيها مناطق الـ 48.

لا تقلّ حكمة “اعرف نفسك” التي قالها الفيلسوف سقراط أهمية عن قاعدة “اعرف عدوك” الذي ردّدتها فصائل فلسطينية، واهتم بها باحثون فلسطينيون، منهم غسان كنفاني، والحق أننا لم نفلح في الاثنتين. والعلاقة الوثيقة بين مواجهة العدو ومناعة الجبهة الداخلية معروفة في التاريخين، القديم والحديث، وقد خبر الشعب الفلسطيني هذه العلاقة وتجلياتها وآثارها في هبّاته وثوراته وانتفاضاته ومواجهاته في مختلف محطّات الصراع مع العدو الصهيوني. وليس يسيراً على الفلسطينيين مواجهة الاحتلال الصهيوني ومواجهة ذاتهم في آن، لكنها مهمة ضرورية لا مناص منها، وهي استحقاقٌ قديمٌ جديدٌ لم ننظر إليه بما يستحق، ونسدّد فاتورته بفوائد قاسية.

لقد طغى السياسي على حساب أمور كثيرة مفصلية، واستنزف الانشغال بالنطاق الضيق “المجتمع الفصائلي” على حساب الاهتمام بالنطاق الأكبر “المجتمع”، لم تتم الموازنة بين البرنامجين، الخاص والعام، بين الفصائلية والوطنية، وبين الجدول والنهر. .. الذهاب إلى السببية برفع سؤال” لماذا؟”، وقيام النخب الفلسطينية بواجباتها، وبلورة رأي عام ضاغط بشأن القضايا الأساسية لإحداث التغيير، وتحويل غضب الشعب إلى هدف وفعل، سوف يمكننا من فتح الانسداد، وتجاوز المحنة، والاندراج في سياق نوعي مغاير.

* صحفي وكاتب أكاديمي فلسطيني

المصدر: العربي الجديد