الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

التأثيرات المحتملة للمواجهة في أوكرانيا على سورية

معقل زهور عدي

منذ العام 2015 حين تدخلت روسيا عسكريا في سورية ارتبط مصير سورية بالتدخل العسكري الروسي الذي تمكن من تثبيت النظام عبر استخدام أحدث ما في ترسانته الحربية بما في ذلك أحدث الطائرات الحربية وأحدث القذائف والصواريخ, وأحدث أنظمة الاستطلاع المرتبطة بالأقمار الصناعية الروسية . وحتى اليوم يعتبر الدعم العسكري والسياسي الروسي عنصراً رئيسياً لصالح النظام في معادلات القوة بين مختلف الفرقاء في سورية الستاتيكو الحالي الذي استمر منذ العام 2019 وحتى اليوم لم يكن له أن يستمر لولا القوة العسكرية الروسية .

من هنا تنبع أهمية ما يجري اليوم في أوكرانيا بالنسبة لمستقبل سورية . تتوقف التأثيرات المحتملة للمواجهة في أوكرانيا على الوضع السوري على سير تلك المواجهة التي افتتحها بوتين بإعلان الاعتراف باستقلال كل من دونيتسك ولوهانسك ثم بدفع الجيش الروسي نحو تلك المنطقتين بتغطية معاهدة دفاع مشترك بين حكومتي “الجمهوريتين” والحكومة الروسية . كل الدلائل تشير إلى أننا نشهد اليوم مواجهة طويلة ومريرة بين روسيا والغرب, فروسيا قد وضعت قدمها في المستنقع الأوكراني ومن الصعب تصور خروجها بسهولة منه, والغرب بقيادة الولايات المتحدة سيجد فرصته لدفع الطموح الروسي نحو الوراء تمهيداً لاستعادة روسيا ‘يلتسن’ الساعية وراء رضى الغرب والمشغولة بأوضاعها الداخلية . بالنسبة للولايات المتحدة فمن المنطقي تماماً أن تفكر بالانتهاء من الخطر الروسي قبل أن تتفرغ للخطر الصيني, بدلاً من مواجهة عدوين في وقت واحد, وتمثل التراجيديا الأوكرانية فرصة ذهبية لذلك, ومن الصعب تصور سيناريو يتيح تعبئة وتوحيد الغرب ضد روسيا كما نشاهد في السيناريو الأوكراني, فالولايات المتحدة ربما تنفذ اليوم أحد أهم أهدافها في تحييد العدو الروسي واضعة أوربة في مقدمة المواجهة . ثمة خياران أمام بوتين الآن فإما الاكتفاء بدفع جيشه داخل الجمهوريتين الانفصاليتين نحو خطوط وقف إطلاق النار والاكتفاء بالتهديد باجتياح أوكرانيا لإجبار الغرب على التفاوض من موقع قوة, أو استكمال احتلال أوكرانيا وتنصيب حكومة موالية في كييف وليس واضحا حتى الآن أي الخيارين هو الأقرب لقرار بوتين, لكن رد الفعل الأمريكي الذي جاء أقل من التوقع سيشجع بوتين على المضي قدما لحسم المواجهة ووضع العالم أمام الأمر الواقع . على أية حال إذا تمكن بوتين من إيجاد تسوية مع الغرب وفق الشروط والضمانات التي يريدها عند ذلك سنشهد نظاماً عالمياً جديداً تلعب فيه روسيا دوراً أكبر فيما سيتضاءل الحضور الأمريكي في أوربة والعالم, ومثلما شهدنا انسحاب أمريكا المهين من أفغانستان سنشهد انكفاءها نحو منطقة شرق آسيا تاركة وراءها حلفاءها السابقين في حالة من الضعف والتشتت . في هذه الحالة ستعزز روسيا دورها العالمي في كل مكان بما في ذلك سورية وربما ستضطر أمريكا للانسحاب من سورية وتركها نهائيا للروس, واعادة النظر بمواقفها التي تعرقل التطبيع مع النظام . أما إذا شعر بوتين أنه يغوص شيئا فشيئا في المستنقع الأوكراني, وازدادت الضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلامية على روسيا, وبدت روسيا معزولة ضمن الغالبية العظمى من الدول, ورافق ذلك فشلها في خلق وضع مستقر في أوكرانيا المحتلة, فستتحول روسيا لهدف لسهام الغرب في كل مكان بما في ذلك سورية, وليس مستبعداً أن تغير الولايات المتحدة سياستها نحو الوجود الروسي في سورية وأن تبحث عن جميع الوسائل لجعل ذلك الوجود مصدر استنزاف لروسيا, ومثل ذلك التوجه قد يبدو اليوم غريباً أو بعيداً, لكن معادلات السياسة العالمية أوقات الحرب تختلف عنها أوقات السلام . ما ينبغي التفكير فيه بهذا الصدد أن المواجهة بين روسيا والغرب لن تكون مواجهة مباشرة على الأرجح كي لا تتطور بسرعة إلى حرب عالمية ثالثة, بل ستكون مواجهة عن طريق وكلاء مثل الجيش الأوكراني أو عن طريق الحصار الاقتصادي “العقوبات الاقتصادية”, وسورية كساحة مواجهة غير مباشرة مرشحة ضمن الاطار السابق لتكون إحدى أدوات الصراع السياسي والعسكري ليس من السهل توقع مصير المواجهة الكبيرة التي انفتحت بين روسيا والغرب, لكن احتمالات الخسارة لروسيا ربما تكون أكبر من احتمالات النصر, والشيء الوحيد المؤكد اليوم أن تلك المواجهة لن تنتهي بسرعة بل ستمتد إلى أمد غير محدد فإما أن تتغير روسيا أو أن يتغير العالم .