الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الأسباب الفعلية لوجود تنظيمات إرهابية في سورية

محمود الوهب

تباينت الآراء وتباعدت حول هجوم تنظيم الدولة الأخير على سجن الصناعة الكائن في منطقة غويران جنوب مدينة الحسكة، رغم استمرار المعركة أسبوعاً كاملاً، وقتل أكثر من مئة وعشرين شخصا من تنظيم الدولةً وهَرَب العشرات.. لكنَّ ما ثبت أخيراً أنَّ تنظيم الدولة لم ينته كما يزعم من تصدى له، ومن يستفيد من وجوده، سواء كان النظام ومسانديه، أم قسد ومن خلفها أمريكا.. فلايزال تنظيم الدولة يقوم بعمليات خاطفة في البادية السورية، وخاصة تجاه قوافل النفط الذي يشتريه النظام من قسد. وينسب إلى تنظيم الدولة عمليات اغتيال وتفجيرات في المدن السورية مثل الباب وإعزاز وعفرين الواقعة تحت سيطرة “الجيش الوطني” الذي يعمل، تحت إشراف تركي، كما تنسب عمليات مشابهة إلى تنظيم “قسد” أو إلى النظام ذاته.. وفي أحيان أخرى إلى تنظيمات صغيرة منشقة عن أخرى أكبر (تقرير لمركز أبحاث عمران/أعده “راتب بوطة” يشير إلى أنه في الفترة الواقعة بين كانون الثاني- يناير وحتى حزيران/2021 يونيو، بلغ عددها 70 عملية خلفت وراءها 342 ضحية) وفي العراق ثمة عمليات مشابهة تسند إلى تنظيم الدولة.. كما حدث في الهجوم على قرى تابعة لمحافظة ديالا. وينسب بعضها أيضاً إلى ميليشيات عراقية تعكس حالات الصراع السياسي وما تخلفه من فوضى في العراق..

ولدى البحث عن معضلة تنظيم الدولة، وعن عموم الإرهاب، فسرعان ما يكتشف المرء أن الأسباب الفعلية لوجود هكذا تنظيمات إنما يكمن في البيئة الحاضنة التي يمكن تلخيصها بأمراض الاستبداد كلها، وأولها قمع الأنظمة لشعوبها، وإدارة الظهر لمطالبها، ولكل أشكال التخلف من فقر وجهل وفساد وبطالة وانعدام تنمية، وغياب قوانين، وتجاوزها في حال وجودها.

وإذا كانت هذه الأسباب كلها قد شكلت دوافع مشروعة لهبات الربيع العربي، ومن ضمنها الثورة السورية التي واجهها النظام بقوة الجيش والأمن، والاستعانة بالأجنبي الذي لبى الدعوة بوحشية وعلى قدر مطامعه إلى درجة أنه لم يبق حجرا ولا بشرا على ما كان عليه.. وأوجد مناخاً من الفوضى الأكثر ملاءمة لتنظيم الدولة وأمثاله رغم تغنيه بـ “النصر على الإرهاب”.

ثمة سؤال لا بد أن يخطر ببال كل سوري حين يمعن النظر إلى واقع بلاده منذ العام 2011 وإلى اليوم هو ما الذي يبقي الأسد على رأس الحكم بعد أنَّ حوَّل سوريا إلى جحيم، وحرب بالوكالة يسيل فيها دم السوريين وحدهم!

وفي الوقت نفسه تسرق أملاكهم وتعطى لغيرهم من الميليشيات التي تقتلهم، والويل لمن يرفع صوته، فليس أمامه غير النزول إلى أحد مسالخ الأفرع الأمنية ليلقى المصير نفسه.. ويتعمق السؤال نفسه حين يرى المرء أن الشعب المتبقي “المتجانس” لم تبق لديه إمكانية تأمين ضرورات الحياة من ماء وكهرباء ووقود وخبز..

الأرض الخصبة:

الحقيقة لم يعد هناك شيء يهم بشار الأسد هذه الأيام، فسواء احتلت إيرانُ سوريا أم تركيا أم روسيا أم أمريكا تحت يافطة النسخة المفبركة من حزب العمال الكردستاني الذي يتعيش اليوم مما تنتجه الجزيرة السورية من نفط وقمح ولحوم وأجبان.. ولا يكتفي بذلك بل يطمح لحيازة دولة في تلك الأرض الخصبة.. والغطاء تنظيم الدولة الموجود بفعل الفوضى التي خلَّفها النظام برعونته ودولته الفاشلة.. ولا يهم الأسد حال السوريين متجانسين أم سوى ذلك، وقد يكون المتجانسون “أوادم” و”حبايب”، وشعارهم “منحبك” و”سوا نكمل المشوار” لكنَّ قسوة العيش قد أسقطت أوهام الشعبوية الفارغة.

والحقيقة أنَّ “السيد الرئيس” مهزوم أمام وطنه وشعبه والعالم بأجمعه! وهو مهزوم منذ أن أوعز إلى جيشه بإطلاق الرصاص على المحتجين السلميين المطالبين بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية – كان أول من قال بها – لكنه لم ينفذها، لأنه لم يقسها بمصلحة الشعب وارتقاء الوطن، بل بثبات كرسي الحكم أو عدمه، ومن هنا فهو مهزوم، فكل من لا يحتمي بشعبه مهزوم، مهما كانت القوة التي يستعين بها، وكل من يهتم بكرسي الحكم مستبد، ومهزوم في داخله.

وماذا بعد فها هو ذا قد قتل ودمَّر وهجَّر وأدخل الأفاعي إلى بيته يستبيحون قدسية الوطن والمواطن، فما الذي يبقيه بعد أن آل كل شيء إلى خراب.. حتى ما في جوف الأرض تملَّكه الأغراب.. ويعيش الشعب السوري اليوم على المعونات.. ولولا الحوالات المالية التي تصل إلى نحو 70 في المئة من العائلات السورية إضافة إلى ما تحوزه من سلل غذائية. وحسب استطلاع أجراه موقع “الاقتصادي” أواخر العام الماضي.. أشار إلى أن 5 في المئة من العائلات تعتمد على المساعدات الإنسانية، و27.4 في المئة لديها عمل إضافي يعيلها. وتتراوح المبالغ المحوَّلة من الخارج لكل عائلة بين 200 و500 ألف ليرة سورية، أي ما يزيد عشرة إلى خمسة وعشرين ضعفاً من متوسط راتب الموظف لدى النظام.. وبيَّن الاستطلاع أن مصدر قائمة الحوالات المالية، هي البلدان الأوروبية التي لجأ إليها من اتهمهم رأس النظام بالخيانة.

إذاً ما الذي يبقي بشار الأسد فوق تلال من الجماجم والخرائب وكل تلك الاحتلالات، وعشرات الميليشيات، بما فيها تنظيم الدولة، ومع تلك البطون الخاوية، وانعدام الأمل في إعادة الإعمار بوجوده؟!

نقطة تقاطع:

في الحقيقة لا شيء غير أنَّ بقاءه غدا نقطة تقاطع بين الروس والإيرانيين والميليشيات المختلفة.. وفي الغالب إنَّهم يودّون ذهابه، لكنَّ كل طرف راغب في بقائه من دون الآخر. ثمَّ من يغطي جرائمهم، على تنوعها وبشاعتها، غير “الأسد”؟ بينما يغطي بقاء تنظيم الدولة وجرائم الأسد شعار “محاربة الإرهاب..”. ويريد كل من الروسي والإيراني التخلص من شريكه في التدمير والاستفراد بسوريا.. لكنهما عالقان مع أمريكا في سوريا وغيرها.. ذلك إذا تجاهلنا رغبة إسرائيل في بقاء “الأسد” وفق تصريحات متكررة لبعض قادتها!

وكان يمكن لبعض ضباط الجيش السوري القيام بإبعاد الأسد على نحو ما.. لكن تصفيات بعضهم اغتيالاً، وتبعية الآخرين إلى الروس أو الإيرانيين يمنع ذلك.. ويبقى المناخ مؤاتياً لبقاء تنظيم الدولة وأشباهه..

المصدر: القدس العربي