الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

مقدمات قيام الجمهورية العربية المتحدة في سورية وموقفنا اليوم

 

د. عبدالله تركماني

في الذكرى الرابعة والستين لقيام الجمهورية العربية المتحدة يجدر بنا أن نستخلص دروسها، فقد شهدت سورية على مدى أربع سنوات (1954-1958) حكماً برلمانياً، ونالت الأحزاب والصحافة حريتها، وجرت الانتخابات وتشكلت الحكومات في إطار برلماني، بحيث يمكن القول: لم تكن توجد دولة عربية واحدة حققت ما حققته سورية، في تلك الفترة، من إنجازات برلمانية وديمقراطية، وما نعم به شعبها وأحزابها من حريات. ولم يكن ينقصها سوى الاستقرار الداخلي، فقد أساءت بعض العناصر استخدام الحرية في إشاعة حالة مستمرة من الفوضى. كما أنّ تنوّع المكوّنات السورية، وحيوية الحياة العامة، واستمرار محاولات التدخل من جانب الدول المجاورة، خاصة تركيا والعراق، وضغوط أطراف الحرب الباردة عملت كل هذه العوامل مجتمعة على تقويض أسس الدولة.

لقد أضحت سورية، بعدما عارضت ” حلف بغداد ” منذ قيامه، ميداناً لصراع القوى الكبرى في الشرق الأوسط. وقد كان لهذا الصراع الدور الحاسم والمسرّع في إقامة الوحدة المصرية- السورية في العام 1958.

لم تَقُمِ الجمهورية العربية المتحدة نتيجة للاتصالات والمفاوضات التي تمت في أوائل عام 1958 فقط، بل تمتد جذورها إلى عام 1956. فمنذ أن تشكلت الوزارة الائتلافية السورية في 14 يونيو/ حزيران 1956 بات موضوع الاتحاد مع مصر قضية أساسية وعامة. وقد أعلن صبري العسلي رئيس الوزارة السورية أمام المجلس النيابي السوري في يوم 27 يونيو/ حزيران ” سَنشّرع في توثيق علاقاتنا مع مصر من خلال محادثات فورية، نأمل في أن تؤدي إلى سياسة مشتركة بين البلدين، ندعو الدول العربية المتحررة إلى اتباعها، كيما يصبح بالإمكان تحقيق وحدة عربية شاملة “. وفي 5 يوليو/ تموز، وبعد إجراء محادثات مع جمال عبد الناصر في القاهرة، أعلن العسلي عن تشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مهمتها القيام بمفاوضات مع مصر.

وهكذا تمت عدة زيارات متبادلة بين وفود برلمانية ووزارية مصرية وسورية، ومن أهم تلك الزيارات زيارة وفد مجلس النواب السوري إلى القاهرة في 31 ديسمبر/ كانون الأول 1957 لحضور جلسة مجلس الأمة المصري، وكان من بين أعضاء الوفد صلاح الدين البيطار وزير الخارجية الذي اجتمع بالرئيس جمال عبد الناصر، ولمس منه أنه متحفظ تجاه الوحدة. وكما روى الوزير، كان الرئيس عبد الناصر يخشى قيام انقلاب في الجيش السوري إذا ما قامت الوحدة. وبعد عودة البيطار إلى دمشق تدارس قادة حزب البعث انطباعاته عن اجتماعه مع عبد الناصر، وتقرر أن ينشط الحزب في صفوف الضباط لتحريك المطلب الوحدوي. وثمة وجهات نظر عديدة في هذا الصدد، فقد سعت قيادة البعث إلى تحقيق وحدة سورية ومصر مدفوعة بعوامل مباشرة، لا تخلو من تناقض. ففي حين كانت قواعد الحزب ترى في تحقيق هذه الوحدة عملية إنقاذ سريعة لما كان يتهدد سورية، فإنّ بعض أفراد القيادة البعثية كانوا يرون في قيام الوحدة، توسيعاً لسلطتهم السياسية وحمايةً لها، وخلاصاً من مراقبة القواعد الحزبية، وتناقضات التيارات الداخلية بين الأجنحة والفئات البعثية آنذاك. كما بدا لحزب البعث أنّ قيام اتحاد مع مصر هو وسيلته التي يستطيع بها الانتصار على خصومه ومنافسيه، ويسمح بنشر مبادئه في العالم العربي كله.

كما رأى البعثيون أنّ الوحدة العربية لا يمكن أن تتحقق إذا ما سمح للأحداث أن تأخذ مجراها السلمي… فقد أصبح مركز البعث مكشوفاً عندما اقتُرح قيام انتخابات بلدية في الخامس عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 1957، وكان العظم وحلفاؤه، بتوقعهم إحراز نجاح حاسم، متشوقين إلى إجراء انتخابات كما تقرر، غير أنّ البعث كان غير عازم على الاشتراك مع العظم في حملة يكون له فيها دور ثانوي. ومن هنا، كان ضعف البعث- النسبي- بالإضافة إلى مبادئه الوحدوية، هو الذي أدى به إلى الضغط بإلحاح خاص على إنشاء اتصال رسمي مع مصر في أواخر خريف عام 1957. وقد كانوا يتصورون أنّ الحكم في سورية- بعد الوحدة- سيوضع في أيديهم.

وكانت خشية عبد الناصر من قيام انقلاب في الجيش السوري تعود إلى عدة عوامــل: فقد كثر تردد السياسيين السوريين إلى القاهرة طيلة عام 1957، وكان هؤلاء ” يشّكون لعبد الناصر تزايد سيطرة الجيش على الشؤون السياسية، وربما كانوا يشّكون له أيضاً من ” الخطر ” الشيوعي، المتمثل، في نظرهم، بتزايد نفوذ الحزب الشيوعي السوري.

وإزاء الانطباعات التي عاد بها البيطار من القاهرة، وإزاء مجموعة أسباب تخص حزب البعث، فقد شدد الضباط البعثيون، من أعضاء المجلس القيادي العسكــــري (مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت، وأمين الحافظ)، إضافة إلى الضباط الوحدويين داخل المجلس، شددوا على ضرورة إصدار بيان يطمّئن عبد الناصر بأنّ الجيش السوري، ومعه الأحزاب السياسية والمجلس النيابي والحكومة والشعب، كان يدعم الوحدة. وبالفعل، أصدر المجلس العسكري بياناً يوم 11 يناير/ كانون الثاني 1958 متضمناً موقفاً صريحاً من الوحدة، التي ينبغي أن تكون كاملة وفورية وفي جميع المجالات، ولهذا السبب سافر وفد من الضباط إلى القاهرة. وكان بعض أعضاء المجلس العسكري يؤمنون بأنّ الوحدة سوف تخلصهم من السياسيين المدنيين إلى الأبد، وأنّ عبد الناصر سوف يشجعهم على تأسيس مجلس للثورة على النسق المصــــري. أما فيما يتعلق بالخطر الشيوعي المزعوم على سورية، ومسألة تداركه عن طريق الوحدة مع مصر، فإنه من قبيل التصور الخيالي. وذلك بالرغم من تزايد نفوذ الحزب الشيوعي السوري بين أوساط المثقفين والشباب، الذين لم يتجهوا نحو الأحزاب القومية، بسبب قصور فكرها وعجز قادتها عن الإجابة عن تساؤلات المثقفين في بلد متفتح الوعي نسبياً. وقد وصف أكرم الحوراني، الذي كان يعتبر في ذلك الوقت ” الرجل القوي ” في سورية، ما أشيع عن مؤامرة شيوعية على سورية في أواخر عام 1957، بأنه ” أكذوبة كبرى “، وبيّن أنّ الشيوعيين لم يكونوا ” القوة الضاربة ” في الحركة الوطنية، وأنّ الدعاية الغربية هي التي شجعت هذا الوهم لتشويه موقف سورية التقدمي أمام الرأي العام العالمي، ولإشاعة الاضطراب والفوضى في سورية والمنطقة، وضرب العلاقة القائمة بين البعث والشيوعيين.

وأثناء مباحثات الضباط السوريين في القاهرة، اختلفت آراء الوفد السوري بين تأييد الوحدة الشاملة والاتحاد الفيدرالي. وقبلوا شروط الرئيس جمال عبد الناصر، وأعلن الضباط استعدادهم لعدم تدخل الجيش بالسياسة، وأشعر ميشيل عفلق الرئيس عبد الناصر بموافقته على حل الحزب. وتشكلت لجنة شؤون الوحدة من: صلاح الدين البيطار، وعلي صبري، وعفيف البزري، وعبد الحميد السراج، وأكرم ديري، وأحمد الهنيدي، وعبد الغني قنوت، ومحمد فهمي السيد.

عاد الضباط إلى دمشق، وحضر إلى القاهرة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس مجلس الوزراء صبري العسلي، ورئيس مجلس النواب أكرم الحوراني، ووزير الخارجية صلاح الدين البيطار. وعقدوا عدة اجتماعات مع الوفد المصري: الرئيس عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وعبد اللطيف البغدادي، وزكريا محي الدين، وانتهوا إلى توقيع بيان إعلان الوحدة يوم 22 فبراير/ شباط 1958.

وهكذا، يبدو أنّ قيام الجمهورية العربية المتحدة كان النتيجة المنطقية لكل ما سبقه من مقدمات، ويمكننا اليوم أن نسجل الاستنتاجات الرئيسية التالية:

(1). مثّل قيام الجمهورية العربية المتحدة بدء مرحلة جديدة في تاريخ العرب الحديث، وقد أرادتها الجماهير العربية الشعبية أساساً لبناء دولة عربية كبرى تكون عامل قوة للقضاء على عوامل التأخر والضعف. ولكنّ افتقار الجمهورية المتحدة إلى طبقة بورجوازية، وطنية حقاً وليست كمبرادورية، جعلها ترتكز على الطبقات البينية (البورجوازية المتوسطة والصغيرة) التي لا تجمعها مصالح مشتركة، ولا ترتكز على قاعدة محددة من وسائل الإنتاج.

وكذلك لأنّ البنية السياسية لنظام حكم الجمهورية العربية المتحدة لم تستطع أن تبلور ” كتلة اجتماعية تاريخية حديثة ” تحمي مستقبل الوحدة. إذ إنّ ممثلي الأوساط القومية الإصلاحية من البورجوازية المتوسطة والصغيرة استعجلوا إقامة الوحدة على أسس غير مكتملة الدراسة، لذلك بقي بنيان الوحدة ضعيفاً.

(2). تبدو أهمية تجديد الخطاب النهضوي العربي على قاعدة: أنّ الدولة الوطنية الديمقراطية، دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، تشكّل أساس دولة الأمة الحديثة. باعتبار أنّ تراكم خبرات بناء الدولة الوطنية الحديثة يساعد على إمكانية بلورة رؤية واقعية لكيفيات بناء الدولة القومية الواحدة، عندما تتوفر ظروف قيامها. فالأمة العربية لن تكون أمة ” قبائل “، حسب تعبير الراحل الياس مرقص، وإنما أمة دول حديثة تطمح إلى توحيد جهودها للبحث عن مصالحها المشتركة وتعظيمها.

(3). ضرورة تصفية كل ما هو متأخر في الفكر القومي التقليدي، بهدف ربطه بالكونية والتقدم والديمقراطية، فالخطاب القومي يجب أن يرتفع إلى مستوى التحديات التي تجابهـه، إذ إنّ الوحدة القومية ليست مجرد تجميع لأجزاء العالم العربي، من خلال أزلية الروح الخالد، بل هي محصّلةٌ لسيرورة تاريخية، ثقافية وحضارية، بما يحقق الشرط التاريخي لقيام الدولة القومية الواحدة.

(4). تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، فالمسألة القومية تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة.

(5). في مجتمع واسع متعدد الجماعات العرقية والدينية والمذهبية كعالمنا العربي الكبير، لا يمكن لحركته الجامعة إلا أنّ تكون حركة ديمقراطية تعترف بالتنوّع وتُثرى به، وتحترم تعدّد الجماعات المكوِّنة له وتسعى إلى تحقيق التكامل بينها.