الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«تأملات في المسألة الوطنية» للكاتب: ’’جاد الكريم الجباعي‘‘.. الحلقة التاسعة

( الحرية أولاً ) ينشر كتاب «تأملات في المسألة الوطنية» كاملاً “على حلقات” للكاتب الأستاذ: ’’جاد الكريم الجباعي‘‘

الحلقة التاسعة:

اللاعدالة أو التفاوت الاجتماعي

تأسيس العدالة في اللاعدالة، هو تأسيسها في واقع التفاوت الاجتماعي، الذي يمكن حذفه، وهو غير الاختلاف، الذي يحيل على الحرية، ولا يمكن حذفه، إلا بثورة على الطبيعة البشرية(106). إحالة الاختلاف على الحرية تعيّن فارقًا جوهريًا بين الاختلاف والتفاوت، إذ الاختلاف من إنتاج الطبيعة والتفاوت من إنتاج التاريخ، أي من إنتاج المجتمع المعني نفسه. ومن ثم إن العدالة، كالمواطنة، لا تعني رفع الاختلاف، بل تعني رفع ما يمكن رفعه أو حذف ما يمكن حذفه من التفاوت وما ينجر عنه من ظلم وجور. لعل التفاضل القيمي المقترن بالتفاوت الاجتماعي هو ما يضفي على التفاوت (وعلى العدالة أيضًا) طابعًا أخلاقيًا(107)، سلبيًا في حال التفاوت، وإيجابيًا في حال العدالة.

   التفاوت إذًا من إنتاج التاريخ لا من إنتاج الطبيعة؛ فلم يظهر التفاوت في التاريخ إلا بظهور الملكية الخاصة، التي هي عامل التفاوت الرئيس، إن لم يكن الوحيد، بحكم اقتران التملك بالفكر والعمل. قال روسو: «إن أول من سوَّر أرضًا وعنَّ له أن يقول «هذا لي»، فوجد أناسًا لهم من السذاجة ما يكفي لكي يصدقوه، كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. ألا كم من الجرائم وكم من الحروب والقتل وكم من الشقاوات والفظائع كان لإنسان أن يكفي الجنس البشري شرَّها لو هب فاقتلع الأوتاد أو ردم الحفرة وصاح بأشباهه من البشر قائلً: «حذار أن تصغوا إلى هذا الدجال، فإنكم لهالكون إن أنتم نسيتم أن الثمار للجميع وأن الأرض ليست ملكًا لأحد »(108). لا بد أن كارل ماركس قد صفّق لذلك، وإن وصف المشاعية البدائية الأولى بالاشتراكية الفظَّة، لكن للتاريخ رأيًا آخر. لا شك في أن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الاجتماعي قد تسببت بكثير من الشقاء الإنساني، ولكنها كانت، في الوقت نفسه، السبب الرئيس لتحسُّن البشرية وتقدمها، بدءًا من خلق الحاجة إلى القانون، ومن هنا لا يمكن تصور الاشتراكية أو الشيوعية عودة إلى المشاعية الأولى.

   روسو كان يدرك أن (لو) لا تعمل في التاريخ، لذلك رأى أن الاعتراف المتبادل بحق التملك هو أول مبدأ من مبادئ العدل؛ فلكي يُردَّ لكل واحد ما له يجب أن يكون لكل واحد ما لديه. ما يعني أن علاقات القوة الطبيعية، التي أنتجت الملكية الخاصة، تحولت إلى علاقات حق، مع أن الحق لا يزال مرتبطًا بالقوة إلى يومنا. وقد ذهب غروسيوس إلى أن القدماء عندما أطلقوا على سيريس لقب آلهة التشريع، ثم عظّموها بأن أقاموا لها عيدًا أطلقوا عليه «عيد المشرِّعات» عنوا بذلك أن تقسيم الأرض قد أوجد نوعًا جديدًا من الحق، هو حق الملكية، الذي يختلف عن الحق الناشئ عن قانون طبيعي، أو الحق الناشئ عن مجرد القوة.

   وتجب الإشارة هنا إلى أن حق الملكية ناجم عن العمل؛ فالإنسان لم يضف إلى الأرض سوى عمله لكي تكون ملكًا له. وهذا إرهاص بـ إن العدالة تتأسس على الاعتراف المتبادل بالقيم المتساوية للعمل المستنير بالمعرفة، لا بمقادير القيمة. هذا الاعتراف سيكون سمة ملازمة للمجتمع المدني وأساس تناقضاته الداخلية؛ فالاستيلاء على الأرض، ووسائل الإنتاج الأخرى، بأي وسيلة من وسائل الاستيلاء، هو استيلاء على العمل، وذلكم هو المغزى العميق للتفاوت الاجتماعي والصراع الطبقي، لأن كل استيلاء يقابله حرمان، فالاستيلاء على العمل هو حرمان العاملين من أخص خصائصهم الإنسانية وجعلهم أدوات ووسائل أو مجرد قوة عمل، لا تستحق شيئًا سوى ما يكفي لترميمها وإدامتها.

   الاستيلاء جعل العمل البشري، ومن ثم، جعل البشر موضوعًا لسلطة من يستولي، ووسائل لتحقيق غاياته الخاصة. العمل هو ما يمنح الأرض قيمتها والأدوات فائدتها وجدواها. فالشر الذي يكمن في التفاوت الاجتماعي، أو في اللاعدالة، ولا فرق، لا يتعلق بالفروق الكمية بين الممتلكات، فقط، على أهمية هذه الفروق، بل هو جعْلُ الناس أدواتٍ ووسائلَ، أو كمًا مهملاً فائضًا عن الحاجة، كما في حالات الإفقار والتهميش. اللاعدالة هي واقع التعسف والجور والظلم والطغيان، وتعميق اغتراب الإنسان وتغريبه عن عالمه وعن ذاته. على هذا الأساس يمكن التفكير في الإصلاح الزراعي والتأميمات، التي جرت في سوريا، في ستينيات القرن الماضي، وحدّدت بصور مباشرة وغير مباشرة الهيكل الأساسي للمجتمع، ووفّرت الشروط اللازمة لتشكل النظام التسلطي.

   مرة أخرى، التفاوت أو اللاعدالة من إنتاج التاريخ، أي من إنتاج البشر أنفسهم، فإذا تتبعنا تقدم التفاوت في مختلف انقلاباته، كما يقول روسو، «وجدنا حدّه الأول في إقامة القانون وحق الملكية، وحدّه الثاني في تأسيس الرياسة، وحدّه الثالث والأخير في تبديل السلطة الشرعية بسلطة اعتباطية، بحيث أن وضع الغني والفقير جوَّزته الحقبة الأولى، ووضع القوي والضعيف جوّزته الحقبة الثانية، ووضع السيد والعبد جوّزته الحقبة الثالثة، وهو آخر درجات التفاوت والحد الذي تنتهي إليه جميع الحدود الأخرى، وذلك إلى أن تقوِّض انقلاباتٌ جديدةٌ الحكومةَ بالكلية أو تقربها من التأسيس الشرعي »(109). والتأسيس الشرعي هو التعاقد.

   يمكن أن نستخلص مما تقدم أن هناك ثلاثة أشكال رئيسة للتفاوت واللاعدالة: التفاوت في الثروة، والتفاوت في السلطة، والتفاوت في المكانة. هذه الأشكال تحدّد

ثلاثة معانٍ للعدالة هي: التوزيع العادل للثروة وعوامل الإنتاج، والتوزيع العادل للسلطة، والتوزيع العادل للخيرات الاجتماعية، أي للمساواة والحرية والمكانة والاعتبار والمعرفة والثقافة واحترام الذات والثقة بالنفس. هذا علاوة على كون العدالة مبدأً أخلاقيًا، كما تقدم.

   ثمة اتجاهان عامان يشتملان على مختلف الأفكار المتعلقة بالعدالة، الأول هو الاتجاه النفعي، الذي يفترض وجود هدف محدد للعدالة، ويستمد تصوره للعدالة من هذا الهدف. «ويحصل هذا عادة من خلال مجموعة من المبادئ والقوانين والمؤسسات، التي يُتوقع أن تؤدي دورًا فعالً في إحراز الهدف المنشود»(110)، كالخير العام والرفاهية والسعادة القصوى. والثاني هو الذي ينطلق من مبدأ الواجب الأخلاقي. في حين أن أقدم تصور للعدالة كان يهتم بالعلاقات المتبادلة بين الأفراد ومبدأ التعامل بالمثل، الذي لا يزال معمولً به. يتماشى هذا التصنيف مع ما تقدم من اعتبار العدالة قاعدة موضوعية ضرورية ومبدًا أخلاقيًا.

العدالة القانونية:

   تتجلى أهمية العدالة عند الحاجة إلى كتابة الدستور، الذي يعبر عن العقد الاجتماعي، فالهيئة التي تُناط بها كتابة الدستور يجب أن تُنتخَب من أشخاص قادرين على الحكم بعقولهم لا بعواطفهم، وقادرين، من ثم، أن يكونوا محايدين قدر الإمكان، يأخذون في حسبانهم المصالح المتنافسة للأفراد والجماعات، ويبحثون عن صيغة عادلة تلبي هذه المصالح من خلال اكتشاف العناصر المشتركة فيما بينها، وتنحية كل مصلحة خاصة، وكل انحياز ديني أو مذهبي أو عرقي أو جنسي أو طبقي..، فيضعون مبادئ دستورية عامة يفترضون أنها موضع إجماع المواطنات والمواطنين، على اعتبار هؤلاء عاقلات وأخلاقيات وعاقلين وأخلاقيين بالتساوي، وعلى اعتبار الدولة شراكة متساوية فيما بينهم، لجميع الشريكات والشركاء مصلحة جذرية في نجاحها واستقرارها ونموها وازدهارها. فلا ينعقد إجماع إلا على الدولة، باعتبارها الحياة العقلية والأخلاقية للشعب، أما السلطتان التشريعية والتنفيذية فيمكن أن تخضعا لمبدأ المنافسة، ولذلك جعلت الانتخابات التشريعية وانتخاب السلطة التنفيذية والمجالس المحلية دورية، من أجل تداول سلمي للسلطة، وفقًا لنسبة القوى الاجتماعية المتغيرة على الدوام، والقيم الاجتماعية المتغيرة على الدوام.

   المبادئ الدستورية لا تقرر من الذي سيحكم، ولمصلحة أي الفئات سوف ينحاز (ولا بد أن ينحاز، مهما كانت درجة الانحياز) بل تقرر كيف ينبغي أن يكون الحكم، وكيف يمكن أن تكون الحريات الأساسية والحقوق المدنية ومنها حق المعارضة وحق الاحتجاج وحق تأليف التنظيمات المدنية سبيلً للحد من انحياز السلطة أو تخصيص وظائفها، التي يفترض أنها وظائف اجتماعية عامة.

   إذن، لنا أن نتصور أن أولئك المتشاركين في شراكة اجتماعية يختارون معا، بفعل مشترك واحد، المبادئ التي سوف تعين الحقوق والواجبات الأساسية وتحدّد كيفية تقسيم المنافع الاجتماعية. يجب أن يقرر الأشخاص مقدمًا كيف يتوجب عليهم تنظيم مطالبهم المتنافسة وما هو الدستور أو التشريع المؤسس لمجتمعهم. تمامًا مثلما يتوجب على كل شخص أن يقرر من خلال التفكير العقلاني بما هو خير له، نظام الغايات الذي من العقلانية أن يسعى إلى تحقيقه. لذلك يجب أن تقرر مجموعة من الأشخاص مرة واحدة ومن أجل الجميع ما الذي يعدّ عادلً وما الذي يعدّ غير عادل. والاختيار الذي يقوم به أشخاص عقلانيون في مناخ من الحرية المتساوية يحدّد مبادئ العدالة.

   العدالة، على الصعيد العملي، هي طريقة لتعيين الحقوق والالتزامات، في المؤسسات الأساسية للمجتمع، تحدد التوزيع المناسب لمنافع الشراكة الاجتماعية وأعبائها. فإن تصورًا مشتركًا للعدالة يرسخ روابط الصداقة المدنية؛ فالرغبة العامة في العدالة تحدّ من السعي وراء غايات أخرى. ويمكن التفكير في تصوّر عمومي للعدالة على أنه يتألف من الدستور أو التشريع الأساسي لرابطة بشرية ذات تنظيم جيد.(111)

   الرابطة الوطنية التي تنشأ بين المواطنات والمواطنين لا تقوم على علاقات زمالة أو معرفة أو صداقة، كالتي تقوم بين الأفراد الطبيعيين، في نطاق المجتمع المدني، بل تقوم على قبول مبادئ العدالة العامة والتزامها والعمل بمقتضاها. فإذ أي مواطن هو صديق لبعض المواطنين والمواطنات، وكذلك أي مواطنة، لا يوجد مواطن/ـة صديق/ـة للجميع. لكن الولاء المشترك للعدالة يزودهم ويزودهن بمنظور موحد، من خلاله يمكنهم الحكم على اختلافاتهم. كما أن حس العدالة يولد الاستعداد للعمل من أجل بناء مؤسسات عادلة، أو من أجل إصلاح المؤسسات الموجودة، أو عدم مناهضة الإصلاح، على الأقل.(112)

العدالة الإجرائية:

   تُمثَّل العدالة الإجرائية غير المثالية بمحاكمة جنائية. النتيجة المرغوبة هي تقرير أن المتهم مذنب أو بريء. ويصاغ إجراء المحاكمة للبحث عن/ وللبرهنة على الحقيقة في هذا المجال. لكن يبدو مستحيلً تصميم قواعد قانونية بحيث تقود دائمًا إلى النتيجة الصحيحة. وتدرس نظرية المحاكمات أيَّ الإجراءات وقواعد الأدلة، وما شابه، هي التي تُحسب بالشكل الأفضل لتحقيق هذا الغرض بالاتساق مع الغايات الأخرى للقانون. تُعد المحاكمة إذن مثالاً على العدالة الإجرائية غير المثالية. العدالة الإجرائية هي تحقيق غاية الدستور والقوانين، من خلال تحديد إجراءات عملية تهدف إلى تحقيق العدالة.(113)

   بالمقابل، تتحقق العدالة الإجرائية الصرفة حين لا يوجد مقياس مستقل للنتيجة الصحيحة: يوجد بدلاً عن ذلك إجراء صحيح أو منصف بحيث تكون النتيجة بالمثل صحيحة أو منصفة، مهما تكن، بشرط إتباع الإجراء بشكل صحيح. والخاصية المميزة للعدالة الإجرائية الصرفة هي وجوب تنفيذ الإجراء لتحديد النتيجة العادلة فعلاً؛ إذ لا يوجد، في هذه الحالات، مقياس مستقل يمكن الرجوع إليه لمعرفة النتيجة العادلة.

   وعلى الرغم من اتباع القانون بحرص وحذر، وإجراء الدعاوى القضائية بدقة وإنصاف، قد تكون النتيجة خاطئة. فقد يُجرَّم البريء ويُطلق سراح المذنب. في مثل هذه الحالات نتحدث عن إخفاق العدالة: فالظلم لا ينشأ عن خطأ بشري، ولكن عن تآلف اتفاقي لظروف تهزم الغرض من القواعد القانونية. إن العلامة المميزة للعدالة الإجرائية غير المثالية هي أنه بينما هناك قوانين ترمي إلى العدالة، لا يوجد إجراء مُجدٍ يضمن التوصل إلى هذه النتيجة.

   النظر إلى المواطنة والوطنية، بمنظار العدالة الإجرائية، يعين صفات المواطن والمواطِنة انطلاقًا من القواعد القانونية العامة وبنية المحكمة وإجراءات المحاكمة وغايتها، أي التوصل إلى الحقيقة، ورفع الظلم أو الحيف، وإنصاف المظلوم. المواطن (والمواطٍنة طبعًا)، بصفته شخصًا قانونيًا حرًا ومستقلً ومشاركًا في حياة المجتمع والدولة، هو، من وجهة نظر العدالة الإجرائية، مدع على نفسه، وشاهد عليها، ومدافع عنها، وحاكم في أقوالها وأفعالها وعلاقاتها بالآخرين والأخريات، بموجب مبادئ المواطنة المتفق عليها، بعد تقصٍّ وتحقق ومناقشة وتدقيق وتمحيص، ويتوقع أن يكون الآخرون والأخريات مثله/ـا. هذا كله يؤدي إلى معنى الضمير الوطني، منبع الأخلاق الوطنية، وإلى الصداقة المدنية، ويشكل رأس المال الاجتماعي الوطني. المواطَنة التي تُنتج الوطن والوطنية هي ترجمة هذه الخصائص إلى ممارسة فكرية وثقافية واجتماعية – اقتصادية وسياسية. هذه المناقب الوطنية وثيقة الاتصال بانتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع الدستور وأعضاء الهيئة التشريعية وأعضاء الهيئة القضائية، والسلطة التنفيذية. يتضاعف مردود هذه المناقب إذا توافرت في الناخب/ـة والمرشح/ـة.

العدالة الانتقالية:

   يدور الحديث منذ مدة على «العدالة الانتقالية»، ولعل صفة الانتقالية احتراز أو استدراك أو لعبة لغوية تريد أن تقول: هذه ليست عدالة، بل تدابير مؤقتة وعابرة، لمحاسبة المرتكبين وجبر الضرر وتهدئة النفوس وإجراء المصالحات، وفعل كل ما يمكن فعله من أجل النسيان الإيجابي والحيلولة دون تكرار ما حدث، وتخفي الغاية الرئيسة منها وهي ألّاَ ينفتح ملف الحرب وثقافة الحرب وأخلاق الحرب وثقافة الإرهاب وقيم الإرهاب، بدءًا بالأساطير المركزية والعقائد المذهبية والنصوص المقدسة، التي هي أمضى من السلاح، وصولاً إلى العقائد الثورية والخطابات أو الأيديولوجيات القومية والاشتراكية و«ديمقراطية صندوق الاقتراع»، التي تستبطن منطق الغَلَبَة والقهر ومركزية الذات في العالم. إن احتكار السلطة والثروة ومصادر القوة من قبل «أقلية»، لا يختلف عن احتكارها من قبل «أكثرية»، فالمسألة هي مسألة الاحتكار، لا مسألة الأكثرية والأقلية، كما يصورها فكر مريض. الناس لا يتنافسون على الجنة، بل على السلطة والثروة ومصادر القوة. وما يؤسس هذه الاحتكارات جميعًا هو احتكار الحقيقة.

   الحقيقة/ الحقائق المشتركة بين جميع العقلاء والعاقلات هي ضمانة الحقوق المتساوية، ومرجعها، (شرعة حقوق الإنسان، التي يقبل بها جميع العقلاء والعاقلات خير مثال على ذلك). هذا مما ينبغي الالتفات إليه والأخذ به مبدًا تأسيسيًا، على اعتبار الحقيقة أخلاقية في مقابل اللاحقيقة، وعلى اعتبار العقل أخلاقيًا في مقابل اللاعقل، أي في مقابل الجهل والهوى والاعتباط والتعسف، ومن ثم على اعتبار الحقيقة والعقل ضمانتين للعدالة، بحكم كونية العقل، على أقل تقدير، وبحكم كونه أخلاقيًا، قبل أن يكون أداة لاجتلاب المنافع الخاصة. فمنذ انتقلت البشرية هنا وهناك من حالة اللاعقل إلى حالة العقل، أي من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية صارت العدالة مطلبًا اجتماعيًا وسياسيًا عامًا، على أنها محايثة للعقل النظري والعقل العملي، وذلكم مما جعلها قضية فلسفية بقدر ما هي قضية حيوية، اجتماعية وأخلاقية. من هنا يغدو السؤال الرئيس سؤالاً عن مصدر الحق والحقيقة وكيفية تعيينهما ومن الذي يعينهما، لا عن ماهيتهما، والإجابة عنه هي ما حددت وتحدد رؤيتين للعدل والعدالة: رؤية دينية ورؤية دنيوية، علمانية، وموقفين منهما: استاتيكي وديناميكي، قبل تكثُّر الرؤى والمواقف واختلافها في إطار كل منهما.

   الشرط الأوّلي للعدالة هو أن يكون بمقدور الأفراد أن يقولوا: لا، وبمقدور الجماعات أن تقول: لا، من دون أن يتعرضوا أو تتعرض للمساءلة أو القمع أو الاستبعاد. أي إن الشرط الأوّلي للعدالة هو اعتبار قوة السلب أو النفي على درجة واحدة من الشرعية مع قوة الإيجاب والإثبات أو التوكيد، نعني شرعية المعارضة أو المقاومة، وتلكم هي العلامة الأبرز على الحرية والشرط الرئيس لحريات متساوية للجميع.

   هذا الشرط الأوّلي هو ما يحول دون أن تفرض «الأكثرية » ثقافتها على «الأقليات» على أنها هي وحدها الثقافة المعيارية. ومن ثم فإن العدالة تتجلى في تكافؤ الأنساق والمرجعيات الثقافية المختلفة في المجتمع المعني، إذ لا تفاضل بين الثقافات، سواء في المجتمع الواحد أو على الصعيد العالمي. التكافؤ بين الثقافات المختلفة هو ما يمهد السبيل لانفتاح كل منها على الأخريات، وإنتاج هوية مشتركة، وطنية وإنسانية في آن، ويمهد السبيل إلى مجتمع تواصلي ونظام ديمقراطي.

أخلاقيات اللعب:

   بالتعارض مع أخلاقيات السلطة، أي أخلاقيات الأمر والطاعة، وبالتعارض مع أخلاقيات الهيمنة، أي أخلاقيات السلطة الناعمة، ولا سيما السلطة الدينية، وهي أدهى وأمرّ من أخلاقيات السلطة الدنيوية، لأنها تنسب أوامرها ووجوب طاعتها إلى الله، فتنيب نفسها عنه، وبالتعارض مع أخلاقيات الرابطة وأخلاقيات المبادئ، اقترحنا أخلاقيات اللعب صيغةً مواتية للمواطنة، وتتسق مع مبادئ العدالة. ففي مجال اللعب يتأسس حس العدالة، بما هي تأليف بين الحرية والمساواة، من موقع الاختيار والاستقلال الذاتي. إذ لا يُجبَر الفرد أو تُجبَر على لعبة بعينها، وإذ تختار أو يختار اللعبة والمشاركة فيها اختيارًا، إنما تقبل ويقبل قواعدها وشروطها، وتعمل ويعمل بمقتضاها، وتتوقع ويتوقع من الأخريات والآخرين القبول ذاته والاحترام ذاته، على أساس الندية والتشارك الحر، بما في ذلك المراهنة والمقامرة.

   اللعب، وفق هذه الحيثيات، نموذج مناسب لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسات المدنية، أو تنظيمات المجتمع المدني، نعني الإجماع على المبادئ الناظمة لكل منها، وهذه المبادئ هي بالضبط مبادئ العدالة الإجرائية، التي يعاب على الأفراد مخالفتها أو الخروج عليها، وتُسوَّغ معاقبتهم على ذلك، وفق نظام من العقوبات يوافق عليه الجميع. علاوة على أن اللعب يحقق لجميع اللاعبات واللاعبين متعه وسعادة، تتقلص فيها المنفعة (المادية) إلى الحدود القصوى، باستثناء المراهنة والمقامرة. فاللعب يكشف عن بعد روحي للذة والسعادة، قوامه فضيلة العدالة، وقد غدت ممارسة عملية. لذلك نميل إلى تمثيل العدالة بلعبة جماعية، اجتماعية وسياسية، أكثر منها محكمة، إذ للعبة الجماعية محكمتها وأحكامها أيضًا، ولا نرى في تعبير «اللعبة الديمقراطية» ما يغض من شأن الديمقراطية، فماذا تعني الديمقراطية أكثر من تشارك حر، وفق مبادئ واضحة مقبولة ومحترمة من الجميع بالتساوي، ولا ينتفع منها أي طرف على حساب طرف آخر أو أي جماعة على حساب جماعة أخرى، وأي فرد على حساب أفراد آخرين؟ ثمة تفاوت في المنفعة، في النظم الديمقراطية، لكن منفعة فئة يفترض ألا تكون على حساب غيرها من الفئات، ومنفعة شخص لا تكون على حساب غيره من الأشخاص؛ هذا مما يوجب نقد الديمقراطية المتحققة بالفعل. لعل أهمية اللعب تكمن في تحفيز المنافسة الشريفة والنفور من كل ما يثلمها أو يخالف مبادئها ويخرق قوانينها. المنافسة الشريفة مقترنة بالديمقراطية اقتران الأخيرة بالاعتدال والعدالة، وذلكم هو الطابع التناقضي للديمقراطية. وأخيرًا تعبر أخلاق اللعب تعبيرًا جليًا عن استقلال الفرد (الأنثى والذكر) وحريته ومدى قوة إرادته وثقته بنفسه، وتنمي ميوله التواصلية والتشاركية، وتنمي وعيه الأخلاقي ووعيه الجمالي.

   التنافس سمة ملازمة للديمقراطية، مثاله النموذجي هو الانتخابات المحلية والتشريعية وانتخاب السلطة التنفيذية من قبل الشعب مباشرة أو من قبل البرلمان، وانتخاب السلطة القضائية من قبل القضاة أنفسهم. يمتاز التنافس في الانتخابات بأنه تنافس على تقديم ما هو أفضل للمجتمع، من خلال البرامج والوعود الانتخابية، التي تُحاسَب في ضوئها السلطات المنتخبة. غير أن جذر هذا التنافس يرجع إلى تنافس الأفراد في المعرفة- العمل والكسب، وهذا عامل من عوامل التفاوت بين الأفراد والتفاوت الاجتماعي، بوجه عام، إلى جانب توزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، وبين أفراد كل فئة من هذه الفئات؛ ومن ثم، إن التفاوت الاجتماعي قد يظل ملازمًا للديمقراطية الليبرالية، ولكنه لا يثلم جوهرها؛ فلو نظرنا إلى التنافس في فضاء ديمقراطي لوجدنا أنه يتوفر على عناصر أساسية تجعل النظام كله يتجه نحو العدالة، ولنقل نحو الديمقراطية الاجتماعية، لكي لا نقول إلى الاشتراكية، بحكم ما لصق بالأخيرة من غثاثة التجارب المنسوبة إليها.

   من أبرز عناصر التنافسية المؤهبة للعدالة الاجتماعية أن التنافس محكوم بالدستور والقانون أولاً، وأنه يقوم على تكافؤ الفرص ثانيًا، وعلى تساوي الشروط ثالثًا، وأن له صفة المباريات أو المسابقات الرياضية والروح الرياضية (صفة اللعب) رابعًا. ولكن الأهم من هذا وذاك أنه الطريقة العادلة للاصطفاء الاجتماعي، وتشكل النخب الفاعلة من النساء والرجال، في كل مجال من مجالات المعرفة- العمل ومجالات الإنتاج الاجتماعي، وأنه، من ثم، الطريقة العادلة لإنتاج السلطة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وفق مبادئ الأهلية والجدارة والاستحقاق، التي تمنح السلطات المعنية نوعًا من الشرعية والقبول الشعبي، وتعيّن كيفية مساءلتها ومحاسبتها.

   جعلنا الانتخابات الدورية الصحيحة والشفافة والمراقبة جيدًا من قبل القضاء ومنظمات المجتمع المدني مثالً للتنافس، لأنها تدل بالفعل على تنافس الأفراد والأحزاب السياسية على تقديم أفضل ما لديهم وأفضل ما لديها للمجتمع، وتعين مبادئ إنتاج جميع السلطات على غرار إنتاج السلطة السياسية العامة. ولو تأملنا في التنافسية مليًا لوجدنا أن طبيعة التنافس، والمبادئ التي يقوم عليها هي ما يعيّن كيفية التبنين الاجتماعي، في نهاية التحليل.

قوة السلب الأخلاقية وثقافة الحرب:

   إذا كانت العدالة مؤسسة في اللاعدالة، كما تقدم، فإن الثانية شرط إمكان الأولى، انطلاقًا من حقيقة أن «كل تعيُّن سلب» أو نفي. فهي إذًا، كالحرية، قوة سلب أو قوة نفي أخلاقية بالضرورة، لكل ما هو متعيِّن في العالم الأخلاقي المعيش، أي في المجتمع والدولة والمجتمع الدولي، وسائر الانتظامات والتنظيمات والمؤسسات. قوة السلب، أي قوة المقاومة والمعارضة، هي عامل التغيير والتطور، والعامل الرئيس للتقدم وتحقيق القيم الإنسانية في الواقع. لقد درجت البشرية على احترام شرعية السلطة، من دون أن تلقي بالً لشرعية المعارضة، لا في صيغة «الصراع الطبقي» العدمية، كما استقرت في وعي محازبيها، بل في صيغة تشارط السلطة والمعارضة، على كل صعيد. فالحرية التي تنتج ذاتها ضرورةً، أي وجودًا متعينًا أو حكمًا موجبًا، لا تكف عن كونها قوة سلب في داخل الضرورة ذاتها والحكم ذاته، فما من سلطة لا تنتج شروط مقاومتها، ولا من إيجاب لا يعتريه سلب أو نفي.

   استعار الفلاسفة قديمًا للتناقضات أو لقوة السلب اسم الحرب، وحمل مفهوم الصراع الطبقي لدى الشيوعيين صفة الحرب؛ فهل يمكن أن نشن حربًا من أجل العدالة، فتكون الحرب عادلة، وهل مفهوم الثورة ومفهوم الحرب متعادلان أو مترادفان؟ إجابتي القطعية: ليس من حرب عادلة، والصراع الطبقي الذي يحمل معنى الحرب لا يفضي إلى العدالة، بحكم ما ينتج من الحرب؛ والثورة شيء مختلف جذريًا عن الحرب؛ العدالة، كالحرية، لا تولد من الحرب. لأن الحرب تنتمي إلى الغريزة، والعدالة تنتمي إلى الحكمة والعقل والأخلاق، بل إلى الأخلاق قبل العقل؛ إذ «ملكة الحكم العملية (الأخلاقية والجمالية) تتقدم، في الفهم الإنساني على ملكة الحكم النظري». العقل العملي يتقدم على العقل الخالص. ذلكم ما يسوغ العناية بحس العدالة، ويوجب تربيته وتنميته، لدى الناشئة، في الأسرة والمدرسة والجامعة وسائر المؤسسات. لكل حرب سردية تؤسسها وسردية تتأسس عليها؛ والسرديات كلها تنسب العدالة إلى نفسها. إن عدالة من هذا النوع هي اللاعدالة ذاتها، علاوة على كونها مقولة إبرائية وتسويغية.

   ثقافة الحرب وقيمها تحتاج إلى تفكيك وتفنيد يكشفان جذرها الهمجي، لا إلى مجرد إدانة. الحرب الجارية في بلادنا اليوم «عادلة» من وجهة نظر كل طرف من الأطراف المشاركة فيها، وغير عادلة من وجهة نظر كل طرف من هذه الأطراف. هذا التناقض ناجم عن عجز كل طرف عن وضع نفسه في موقع الطرف الآخر، لتفهّم رؤيته أو كيفية تمثله لهذه الحرب، موضوع حكمه، أي إنه ناجم عن التفاصل والتحاجز الاجتماعيين، اللذين يعصفان بكلية الكائن الإنساني وكونيته، ويجعلان منه مجرد مادة وأداة أو وسيلة، أو لنقل إنه ناجم عن عدم الاعتراف بإنسانية الآخر/ الأخرى وجدارته/ـا واستحقاقه/ـا. عدم الاعتراف هذا هو جرثومة الظلم والجور والتسلط والاستبداد.

   الحصيلة النهائية لتعادل الأحكام، كما في الحالة السورية، هي إما أن هذه الحرب عادلة بإطلاق وإما أنها غير عادلة بإطلاق. الحسم في ترجيح أحد الحكمين لا يتضّح إلا بعد إحصاء الخسائر في الأرواح والممتلكات والاجتماع الإنساني والعمران وقيم الثقة والتشارك والاعتماد المتبادل. ولما كانت الخسائر من نصيب جميع الأطراف، وإن بنسب مختلفة، يمكن القول إنها، كأي حرب، حرب خاسرين، ولا تنتج إلا خسائر، لا سيما أن «انتصار» أحد الأطراف هو خسارة وهزيمة للأطراف الأخرى. النصر والهزيمة كلاهما يعيدان إنتاج منطق الحرب وثقافة الحرب وقيم الحرب لدى الغالبين والمغلوبين على السواء. منطق الحرب هو منطق الدور: (حرب- انتصار- حرب، أو حرب- هزيمة- حرب). الحروب قاطرات التاريخ! أجل، هي قاطرات تاريخ الحروب و«الفتوحات»، و«الملاحم »، تاريخ الاستعمار والاحتلال الاستيطاني والإحلالي، أي تاريخ العنف والهمجية والتوحش. ما الذي أنتجته الحروب، على مر التاريخ، مما لا يستطيع السلام إنتاجه؟ إذا كان ثمة شر مطلق، فالحرب هي من قبيل الشر المطلق.

   الأخطر في ثقافة الحرب وقيمها هو صناعة الآخر، العدو، أو إنتاج صورة الآخر في الثقافة والوعي (والثقافة ممارسة). هذه الصناعة المزدهرة في العالم، حتى يومنا، هي، في التحليل الأخير، صناعة الذات. فعندما نصنع صورة الآخر، في ثقافتنا، أصوليًا ومتطرفًا وإرهابيًا، إنما نصنع ذواتنا، في الواقع، أصوليين ومتطرفين وإرهابيين. تلكم هي العلاقة العدمية بين الذات وآخر(ها)، التي أنتجت سلسلة طويلة من الحروب والنزاعات، وحالت ولا تزال تحول دون أن يضع أحدنا نفسه أو تضع إحدانا نفسها مكان الأخرى والآخر لمعرفة نوعية تمثلها أو تمثله لمواضيع المعرفة- العمل، وكيفية هذا التمثل، ومعرفة كيفية استجابته أو استجابتها للشروط الموضوعية، الطبيعية منها والاجتماعية- الاقتصادية والسياسية.

   حقيقتنا الواقعية تشبه صورة الآخر في ثقافتنا ووعينا(114). سيقول معترض: أليس هنالك أصوليون وإرهابيون حقيق بنا أن نصفهم كذلك؟ الجواب: أجل، ولكن هؤلاء ليسوا أصوليين ومتطرفين وإرهابيين بطبيعتهم، بل هم نتاج ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتهم كذلك. الحلول العسكرية والأمنية والحرب على الإرهاب يمكن أن تقتل أصوليين متطرفين وإرهابيين، ولكنها لا تقضي على الأصولية والتطرف والإرهاب، ومن ثم، إن قتل الأشخاص لا يقتل الظاهرة، ولا يحول دون إعادة إنتاجها، ما دامت الشروط المذكورة ملائمة لذلك. الظاهرة نتاج ثقافة الحرب وثقافة الاستبداد ومركزية الذات في العالم. أليست صورة المرأة في ذهن الرجل ووعيه هي أيضًا حقيقة الرجل الواقعية؟!

الفردية.. الوطنية والكونية:

   حس العدالة مشترك بين الناس لأنه مقترن بالملكات المشتركة، ولكنه يحتاج إلى معرفة وثقافة تصقل الشعور وتهذّبه. ومع أنه ليس ناتجًا من الثقافة تلقائيًا، بل «له أساس

   في الطبيعة الإنسانية»(115)، فإن مشروعية الأحكام المتصلة بالعدالة واللاعدالة، لا تتأتى من موضوعها فقط، بل من ضرورتها وشمولها أو كلّيتها، على اعتبارها أحكامًا تكمن شروط إمكانها في الطبيعة البشرية ذاتها. ولمّا كانت ضرورة الحكم تنبع من انفعال النفس بموضوع الحكم انفعالً يعبر عن ملكة حكم مشتركة بين البشر، فإن هذه الضرورة ذاتها هي علة شموله أو كلّيته المؤسسة في كلّية الفرد الإنساني. من هنا يتأتى الرهان على ملكة التحسن الذاتي، (تحسُّن الطبيعة البشرية)، التي يمتاز بها الإنسان من سائر الكائنات الحية. من هذا الجانب بالضبط، أي من كون العدالة مؤسسة في الطبيعة البشرية والملكات المشتركة، ولا سيما ملكة التحسن الذاتي، وفي كلّية الكائن الإنساني، ترتبط العدالة بالوطنية والكونية.

   الحكم بالعدالة واللاعدالة ليس حكم من يعانون من ضرب أو أكثر من ضروب اللاعدالة فقط، أو يتشكون منه، ويحتجون عليه، لأن أحكام هؤلاء مشروطة بحالتهم الخاصة ونابعة منها، بل هو حكم عقلي وأخلاقي يتشاركه الجميع، لأن مسؤولية اللاعدالة تقع على الجميع، في نهاية التحليل، ولا سيما أولئك الذين لا يعانون منها، ما يدعو هؤلاء لا إلى التعاطف فقط، بل إلى العمل في سبيل رفع ما يمكن رفعه وما يجب رفعه من أشكال اللاعدالة، انطلاقًا من «الواجب الأخلاقي»، هو أمر قطعي، يمليه العقل والضمير، أو «الإرادة الخيِّرة»، بما هي عقل عملي. هذا ما يميز الوطنية من جميع أشكال العنصرية، ويرقى بها إلى مصاف الكونية الإنسانية. الواجب الأخلاقي، المشار إليه، بهذا المعنى بالتحديد، هو الروح الوطنية. وهذا ما يجعل المشكلات التي تعاني منها هذه الفئة الاجتماعية أو تلك مشكلات وطنية عامة.

   العدالة وفق هذا التحديد لا تنفصل عن العقل ولا عن الفاعلية الاجتماعية ولا عن الأخلاق، ولا عن الذوق، بل تظهر في كل واحد من هذه الحدود بمظهره الخاص، أو تصطبغ بصبغته، وتستمد مضمونها منه؛ فالاعتدال في الأحكام العقلية وتوخّي الموضوعية لا ينفصل عن التبادل المتكافئ والتعامل بالمثل على صعيد العلاقات الاجتماعية، ولا تنفصل عن القيم المشتركة الناتجة من التبادل المتكافئ والتعامل بالمثل، ما يعني أن العدالة يمكن أن تتعين في أفكار الأفراد وتصوراتهم وفي سلوكهم، أو تظل مجرد يوتوبيا. كلّية الكائن الإنساني التي اعتبرناها مبدأ أوّليًا وتأسيسيًا لا تنجلي ولا تفصح عن ممكناتها اللامحدودة في التذويت والتذاوت، أي في تذويت الطبيعة وأنسنة الذات بالتواصل والتبادل والتشارك الحر، إلا في حال الاستقلال الذاتي عن البنى الأولية والروابط الأولية، والتفاعل الطوعي في الانتظامات والمنظمات والمؤسسات المدنية والحكومية. «الاستقلال الذاتي (Autonomie)، هو حرية الإرادة، أي الخاصّية التي تمتاز بها الإرادة، فتجعل منها قانونًا لنفسها. فالقضية التي تقول إن الإرادة في جميع أفعالها هي القانون الذي تصنعه لنفسها ليست إلا صيغة أخرى من المبدأ الذي يقول: علينا ألا نفعل فعلاً حتى يكون مطابقًا للمسلّمة التي يمكنها أن تتخذ من نفسها موضوعًا يعد قانونًا كليًا شاملاً. ولكن، هذه هي على التحقيق صيغة الأمر الأخلاقي المطلق كما هي مبدأ الأخلاقية. وعلى ذلك فالإرادة الحرة والإرادة الخاضعة لقوانين أخلاقية شيء واحد»(116).

   جدلية الذات والموضوع، تذوِّت الطبيعة، أي تجعلها جزءًا من نسيج المعرفة، وتدمجها في عالم الإنسان (الصنعي). وجدلية الأنا والأخرى أو الآخر، تؤنسن الذات، هذه الجدلية هي ذاتها جدلية إنتاج رأس المال الاجتماعي، المادي والثقافي والرمزي، وإعادة إنتاجه في أفق العصر، أو أفق الحداثة، ولا فرق. وهي في التحليل الأخير سيرورة أو عملية تذويت وتذاوت، هي مضمون التبادل والتواصل، والتحديد المتبادل، والاعتماد المتبادل، والتشارك الحر، والنقاش الحر. تشوبها، بالطبع، عيوب واختلالات ونقائص، تكمن أسبابها العميقة في الأوهام التي لم تنجلِ بعد، أهمها الرؤية الأسطورية أو «الصورة الأسطورية للعالم»، والهويات المتنافسة والخطابات المتنافسة المؤسسة عليها، والتي لا تَعِد إلا بعدالة مؤجلة. هذه الجدلية المركبة تدمج «العمل الاجتماعي» أو عملية الإنتاج المادي في النشاط الإنساني الكلي، في الفاعلية/ الانفعالية الإنسانية، ما يؤدي إلى الوحدة العينية لأشكال رأس المال وأطيافه، ويفتح إمكانية التواصل الإنساني وتجديد المعرفة وتوسيع أفق الثقافة وتكافؤ الخطابات والرموز، على اختلافها وتباينها، وإدماج مقولة الاختلاف في الأنساق الفكرية والأخلاقية، على أنه، أي الاختلاف، شكل تعيَّن الحرية.

   لعل شمول اللاعدالة وكونيتها يضعان شمول العدالة وكونيتها، بضمانة كلِّية الكائن الإنساني وكونية الحكمة والعقل والقيم الأخلاقية العامة، التي بلوَرها تلاقح الثقافات. وهذا ما يجعل التوافق، إن لم نقل الاتفاق على مبادئها ممكنًا في سلوك الأفراد وفي المؤسسات قانونًا إنسانيًا عامًا أو قانونًا أخلاقيًا، ويجعل احترامه واجبًا. فالعدالة تشتق من القانون الإنساني، لا من القانون الوضعي، القانون الوضعي هو ما يشتق منها، فيكون عامًا ومجردًا، عموميته وتجريده حدّان على العدالة الإجرائية (عدالة المحكمة)، وعاملان أساسيان من عوامل نموها وانبساطها. يستمد القانون الوضعي سموّه من سمو المبادئ التي تؤسسه، بصفتها بنية مركّبة من عناصر عقلية وأخلاقية وجمالية مشتركة بين من يشرعون ويضعون القوانين.

   لاحظ كارل ماركس، في نقده لموقف برونو باور من «المسألة اليهودية»، أن حق الاقتراع العام، وهو أحد مظاهر المواطنة في الدولة الدستورية، يجعل غير المالكين لوسائل الإنتاج، وهم أكثرية المجتمع، يشرِّعون للمالكين. ومن ثم، إن الاقتراع العام «إلغاء سياسي للملكية الخاصة»؛ أي إن الملكية الخاصة لا تنتج حقوقًا مدنية وسياسية للمالكين أكثر أو أقل من حقوق غير المالكين، على صعيد المجتمع السياسي، أو الدولة السياسية؛ وإنها، أي الملكية الخاصة لا تمنح المالكين أي امتياز، على هذا الصعيد، من حيث المبدأ. ولكن هذا الإلغاء السياسي لم يلغ الملكية الخاصة في المجتمع المدني، حيث تنمو وتزدهر وتمتاز. فالمالكون بتساويهم مع غير المالكين، في الحقل السياسي، لم يخسروا ملكيتهم الخاصة، بل ربحوا «حق التملك» المعترف به دستوريًا وقانونيًا، وربحوا حماية الدولة للملكية الخاصة من أي تجاوز أو اعتداء عليها. وعلى هذا النحو، إن الاقتراع العام، على قاعدة المواطنة، إلغاء سياسي للإثنيات والأديان والمذاهب، لا يلغي وجودها الفعلي، في المجتمع المدني، حيث تنمو وتزدهر وفق قوانينها الخاصة، بل يمنحها شرعية قانونية، واحترام خصوصيتها وحماية الدولة لها من أي تجاوز على حقوقها وحريتها وكرامتها.

   إن حماية الدولة الديمقراطية للملكية الخاصة يقترن ويجب أن يقترن بالحماية الاجتماعية العامة بصفتها أداة من أدوات العدالة، وشكلً من أشكال إعادة توزيع الثروة، وقد صارت الحماية الاجتماعية واحدة من مسائل الفلسفة السياسية كما في أعمال رولز Rawls حول قيمة العدالة والتوزيع العادل للخيرات الاجتماعية مثل الحقوق، والحريات، والفرص، والثروات. وفي أعمال آخرين مثل ،Young تتخذ العلاقة بين الحماية الاجتماعية وإعادة التوزيع بعدًا أوسع، نتيجة للتفاعل بين الهيكليات الاجتماعية، والمؤسسات السياسية، وموازين القوة. ويفسر صن Sen هذه العلاقة في نهج الإمكانات الوظيفية، فيربط القدرة على تحقيق الرفاهية وبناء مجتمعات عادلة بإمكانية مشاركة الأفراد في الأنشطة الاقتصادية أو السياسية.

   والحماية الاجتماعية عنصر أساسي في العقد الاجتماعي الذي تلتزم بمقتضاه الدولة قانونيًا باحترام واجباتها وتطبيقها عن طريق تلبية الحد الأدنى المقبول من الاحتياجات، وخدمات الرعاية الصحية، والسكن، والتعليم والكهرباء والماء والصرف الصحي والوقود… ومن واجب الدولة أيضًا أن تحمي الفئات التي تحتاج إلى حماية، ولا سيما النساء والأطفال وذوي الحاجات الخاصة وذوي الهويات الجنسية غير النمطية، وأن تستخدم الموارد المتاحة لضمان حق جميع أفراد المجتمع في الحماية الاجتماعية. ويسهم توطيد الروابط بين العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية في نظام يحفظ الحقوق والواجبات، وفي تمكين الأفراد، أصحاب الحقوق، من المشاركة في عملية صنع القرار ومساءلة الجهات التي تقع الواجبات على عاتقها، بما يقوّي حس الالتزام بخطط الحماية الاجتماعية ويضمن استدامتها.

نصاب الحقيقة:

   ما يميز المعرفة والثقافة، لدى الجماعات المغلقة والمجتمعات المغلقة، وما يميز السياسة والأخلاق أيضًا أنها أنساق مغلقة من الحقائق الناجزة والثابتة، التي اجترحت مرة واحدة وإلى ما شاء الله. هذه الأنساق هي التي توجه الممارسة وتحكم العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات. الحرص على التجانس والنقاء الإثني أو الديني أو المذهبي وحراسته يقتضيان استبعاد كل ما يمكن أن يشوبه ويخلخل نظامه أو نسقيته. إذا كان هذا صحيحًا يمكن افتراض أن الانتماء في هذه المجتمعات هو انتماء إلى عالم رمزي من الحقائق الناجزة والثابتة، عالم لا مكان فيه لحرية الفرد واستقلاله، لا مكان فيه لحرية التفكير والتعبير واستقلال الوجدان وحرية الضمير. وقد علمتنا تجربة نصف قرن ونيف، في سوريا، أن حرية التعبير شرط لازم لحرية التفكير، وشرط لازم لاستقلال الوجدان وحرية الضمير. ذلك لأن التفكير الحر نقدي أولاً ومبدع تاليًا. من دون حرية التعبير لا قيمة للنقد ولا محل للابتكار والإبداع.

   يمكن للمرء أن يلاحظ، في كل مكان مسكون من سوريا، على سبيل المثال، أن تغير مساكن الأفراد (تغير انتظامهم الحر) يؤدي إلى تغير في العلاقات البين ذاتية في الجماعة كلها، كأن ينتقل شخص راشد من أفراد الأسرة إلى بيته الخاص، في «حارة» قريبة أو بعيدة، أو تنفصل أسرة نووية عن عائلة ممتدة وتقيم في بيتها الخاص أو تتحسن أحوال أسرة فتبني لها مسكنًا جديدًا في مكان قريب أو بعيد من مسكنها القديم… إلخ. العامل الرئيس في هذا التغير هو تغير حقل التبادل قليلً أو كثيرًا. التغير في حقل التبادل يؤدي إلى انفتاح إمكانات جديدة للتواصل، أي نشوء علاقات جديدة من النوع المجسِّر أو الممتد، الذي يتعدى الانتماء إلى جماعة بعينها، وإنتاج حقائق جديدة، فإن رؤيتنا لما هي الحقيقة تتغير بتغير المكان- الزمان. الحقيقة إنتاج اجتماعي، تستمد قوامها ونصابها من ديناميكية المجتمع، وطبيعة العلاقات البين ذاتية، التي تنسجه، وتتحدد بالعمومية، كالحقيقة العلمية.

   ولما كانت الحقيقة نتاجًا مباشرًا للتبادل والتواصل الاجتماعي- الإنساني، فإن تغير انتظامات الأفراد والجماعات، مهما كان طفيفًا، وغير ملحوظ، يؤدي بالضرورة إلى إنتاج حقائق جديدة تتسق مع نسق الحقائق السائدة (الناجزة والثابتة) أو تختلف عنه إلى هذا الحد أو ذاك، أو تعارضه، وتفتح إمكانات نقده وتجاوزه. وعلى هذا تكون الحقائق الجديدة، في كل مرة، حقائق تواصلية. والحقيقة التواصلية حقيقة غير نهائية أولاً وغير ثابتة ثانيًا، ونسبية بالضرورة ثالثًا، لأنها نتاج اتفاق عام أساسه التبادل.

   من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى عمليات التهجير أو «التطهير» العرقي والديني والمذهبي.. وعمليات إعادة إسكان المهجرين في غير أماكن سكناهم الأولى، أو جلب سكان جدد مختلفين إلى هذه المناطق، مما يندرج في الهندسة الاجتماعية القسرية، على أنها محاولات للتحكم في آليات إنتاج الحقيقة وإعادة إنتاجها. فثمة علاقة وثيقة، على الأرجح، بين الهندسة الاجتماعية وبين نصاب الحقيقة. فالتجانس، الذي تنشده العصبيات وتحافظ عليه وتذود عنه، هو نظام الحقيقة لدى كل واحدة من هذه العصبيات. هذا يكشف عن جانب مهم وأساسي من جوانب النظام التسلطي هو احتكار الحقيقة، وتحويل الثقافة والإعلام إلى أدوات لترجمة هذا الاحتكار، وتجييش المثقفين ورعاع الريف وحثالة المدن لفرضه والحفاظ عليه، إلى جانب الجيش والاستخبارات.

العدالة والعقد الاجتماعي:

   يتطلع السوريون والسوريات، منذ وقت طويل إلى «عقد اجتماعي جديد» يمهد الطريق لتحولات ديمقراطية وحياة إنسانية لائقة. ولطالما اعتبر الكتاب والمفكرون مسألة العقد الاجتماعي مسالة مفتاحية، وهي كذلك بالفعل. ولكن ما آل إليه المجتمع السوري من تفكك وتنثّر، وما تركته الحرب، التي لا تزال مفتوحة من نتائج كارثية على الاجتماع السوري والحياة الإنسانية و «العمران» يطرح معنيين متداخلين من معاني العقد الاجتماعي الممكن، الذي يعبر عنه الدستور، ورؤيتين مختلفتين لطبيعته:

   المعنى الأول هو ضرورة الانتقال من حالة التنثّر والنزاع، التي تشبه «الحالة الطبيعية» كما وصفها هوبز أي «حرب الكل على الكل »، إلى الحالة المدنية؛ أو الانتقال من «حالة اللاعقل»، أي حالة الغرائز والعصبيات المنفلتة من أي عقال، إلى «حالة العقل»، بتعبير كنت. والمعنى الثاني يتعلق بالمبادئ التي تؤسس إمكانية التشارك الحر والمبدع في عملية/ عمليات التشكل الاجتماعي وبناء الدولة، وهذه عمليات مستمرة لا تتوقف ولا تنتهي، تتجه نحو تشكل مجتمع مدني حديث، ودولة ديمقراطية حديثة. ويَفترض أن تكون هذه المبادئ مبادئ عامة، يقبل بها جميع السوريات والسوريين قبولاً صريحًا أو ضمنيًا؛ ولهذا يتوجب طرح مشروع الدستور للنقاش العام، ثم يُستفتى فيه الشعب. ومن البديهي أن القبول العام تعبير مباشر عن حرية الاختيار.

   ثمة إذا تداخل وتلازم بين الضرورة التاريخية، ضرورة الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية، بغية الحفاظ على الحياة وتنميتها وصون الحريات والحقوق، في ظلال الأمن والسلام، وبين حرية الاختيار المستندة إلى مبادئ عامة، على الصعيدين النظري والأخلاقي أو العملي، وكونية، على الصعيد العالمي. هذه المبادئ هي مبادئ العدالة، المشار إليها وهي: 1 – المساواة، في الحريات الأساسية والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وفي الالتزامات القانونية، والمساواة بين النساء والرجال. 2 – الحرية، التي تحد من التطرف في المساواة، التطرف الذي يلغي الفروق بين الأفراد عمومًا، وبين النساء والرجال، على وجه الخصوص، إذ يعامل الكسول/ـة معاملة النشيط/ة والخامل/ة معاملة المبتكر/ـة والمبدع/ـة وغير الماهر/ة معاملة الماهر/ة. 3 – تكافؤ الفرص، الذي يتأسس على تكافؤ الأفراد إناثًا وذكورًا، في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، وتكافؤ المعاني والقيم التي يعتدون بها 4 – تساوي الشروط، ولا سيما في الانتخابات والمباريات أو المسابقات لتسنّم المناصب الإدارية والسياسية في جميع مؤسسات الدولة، بما في ذلك مؤسسة الرئاسة. 5 – التوزيع العادل للثروة والسلطة والموارد الثقافية بين الفئات الاجتماعية وبين الأفراد أيضًا. وتجدر الإشارة إلى أن التوزيع العادل للثروة والتوزيع العادل للسلطة متشارطان، فلا تتحقق العدالة إلا بتلازمهما. وهذا ما يطرح أفضلية النظام الفيدرالي.

   أما من حيث طبيعة العقد الاجتماعي الممكن فثمة رؤيتان أساسيتان مختلفتان، بل متضادتان: الأولى تعتبر العقد الاجتماعي عقدًا بين جماعات، إثنية ودينية ومذهبية وفئات اجتماعية مختلفة ومتفاوتة في القوة، ومتفاوتة من ثم في الحقوق، على نحو العقد الاجتماعي اللبناني، الذي يسمى «ديمقراطية توافقية»، على سبيل المثال. والثانية تعتبره عقدًا بين أفراد أحرار وحرائر، ينزل كل منهم/ــن عن حريته/ـا الطبيعية وحقوقه/ـا الطبيعية طوعًا واختيارًا لشخص معنوي، محايد، ومؤتمن على الحريات والحقوق، هو الدولة، التي تمنح مواطناتها ومواطنيها بالتساوي حريات مدنية وحقوقًا مدنية، بدلً من الحريات والحقوق الطبيعية، التي نزلوا ونزلن عنها طوعًا، وعلى أساسها. وهذا يعني أن الطبيعي يؤسس الوضعي، وأن من يمنح الحريات المدنية والحقوق المدنية هو شخص اعتباري، محايد حيادًا تامًا، شخص رمزي، إذا شئتم، هو الصورة السياسية والأخلاقية لكل مواطنة ومواطن، وليس شخصًا طبيعيًا، كزيد أو عمرو أو هند.

   الفرق بين الرؤيتين هو فرق نوعي بين اللاعدالة وبين العدالة النسبية: في حالة اللاعدالة، القوة هي التي تعين الحريات والحقوق، أما في حالة العدالة، الحريات والحقوق هي التي تعين القوة. هذا الفرق هو نفسه الذي يعين مبادئ إنتاج السلطة،  إما على أساس القوة والغلبة والأكثرية والأقلية، وإما على أساس المساواة والحرية، تكافؤ القيم وتكافؤ المعاني، أي تكافؤ اللغات والثقافات، وما تنطوي عليه كل منها من إيمانات وعقائد وعبادات ورموز وشعائر، وتكافؤ الاتجاهات الفكرية والسياسية.

   الوضع السوري الذي وصفناه قد يقتضي الجمع بين المعنيين المشار إليهما من معاني العقد الاجتماعي: معنى الضرورة التاريخية، ومعنى الحرية، ولا سيما حرية الاختيار، التي تفوق قيمتُها قيمةَ الشيء الذي نختاره، أو الوضع الذي نختاره، لأنها منفتحة على الممكن والأفضل، ومتّسقة مع مبدأ التقدم. وقد أشرنا مرارًا إلى أن المواطنة اختيار حر، لا قسر فيها ولا إكراه، ولا اضطرار، بدليل أن أي فرد يمكن أن يختار العيش في مجتمع غير مجتمعه، ويندمج في حياته وثقافته، ودولة غير دولته، ويكتسب جنسيتها ويتمتع بحريات وحقوق متساوية مع مواطنيها ومواطناتها.

   فالمواطنة مشاركة في الماهية والوجود، مشاركة في ماهية المجتمع والدولة، ومشاركة في وجودهما، ماهية المجتمع والدولة هي الروح الإنساني، الذي قوامه الحرية، أو يكون المجتمع والدولة مجرد تجمُّع. لذلك تعرف المواطنة بأنها مشاركة في الحياة النوعية، أو الحياة العامة، وفي إنتاج المجتمع والدولة إعادة إنتاجهما، وليست مجرد انتماء، قد يكون باردًا وهامدًا، ويغلب أن يكون انتماء إلى عصبية مغلقة، نافية للحرية ونابذة للآخر المختلف والأخرى المختلفة، كالهوية الإثنية أو الدينية أو المذهبية، أو الجهوية أو الأيديولوجية بوجه عام.

   ومن ثم، إن القاعدة التي يتأسس عليها الدستور العادل هي العمومية؛ فكل ما ليس عامًا ومشتركًا بين جميع المواطنين والمواطنات لا يصلح أن يكون مبدأ لدستور يتسق مع مبادئ العدالة، ويلبي الحاجة إليها. إذ الدستور هو الذي يعين ماهية الدولة، ونظام الحكم، وهو الذي تشتق منه جميع القوانين، التي تنظم العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، وعلاقات الدولة بغيرها من الدول. العمومية هي جوهر الدولة، ومعنى الوطنية، التي تعبر عنها المطالبة المتواترة بـ“دولة لجميع مواطنيها ومواطناتها بالتساوي”. أجل، العمومية (= الإنسانية) هي ماهية الدولة الوطنية الحديثة، بخلاف الممالك والإمارات والإمبراطوريات القديمة والوسيطة، وبخلاف دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد، كدولة البعث، وبخلاف دولة العائلة أو العشيرة أو الطغمة. وهي، أي العمومية، صفة جوهرية للدستور والقانون، هذه الصفة هي التي تجعل المساواة في الحريات الأساسية والحقوق ممكنة. ثمة علاقة تضايف بين العمومية والمساواة، لا تتحقق إلا على جسر الحرية الرابط بينهما؛ العمومية بدون الحرية عماء، والمساواة بدون الحرية عماء؛ الحرية هي التي تجعل من المتضايفَين نسقين ديناميكيين، ولذلك تتسق عمومية الدولة مع خصوصيات المجتمع المدني، التي لا يمكن إلغاؤها بدون ثورة على الطبيعة البشرية، وتتواءم المساواة مع اختلاف الأفراد، الذي لا يمكن حذفه إلا بثورة على الطبيعة عمومًا، وعلى الطبيعة البشرية خصوصًا.

   الدستور العادل، أو العقد الاجتماعي المبني على مبادئ العدالة لا يمنح أي امتياز لأي جماعة إثنية أو دينية أو مذهبية، ولا يحابي أي طبقة أو فئة اجتماعية، وإن تكن أكثرية؛ بهذا، على وجه الخصوص، يضع الدستور العادل أسس المجتمع الديمقراطي والدولة الديمقراطية؛ فالديمقراطية تعني، في واقعها العملي، حكم الأكثرية التي تفوز في الانتخابات السرّية المباشرة، الحرة والنزيهة، ولا تعني دولة الأكثرية، ولا سلطة الأكثرية، بل تعني دولة العموم وسلطة القانون، لأن الأكثرية الانتخابية قد تتحول إلى أقلية انتخابية. الحكومات تتغير، وفقًا لعلاقات القوة في المجتمع، لكن الدولة تبقى ببقاء الشعب موحدًا والمجتمع متماسكًا. فإن تفكك المجتمع قد تنتج منه عدة دول، على نحو ما تفكك الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغوسلافي السابقان، على سبيل المثال، أو كما تفكّكت مجتمعات أخرى، ونتج من تفككها دول جديدة.

   الوطنية، في الخطاب الأيديولوجي، تستبعد العمومية والمساواة، إذ يتطابق في هذا الخطاب مفهوم الحكم ومفهوم السلطة ومفهوم الدولة، فتغدو الدولة دولة الأكثرية ويغدو الحكم حكمها والسلطة سلطتها، إثنية كانت الأكثرية أم دينية أم مذهبية أم طبقية. غلبة الأيديولوجيا على السياسة، وغلبة المصالح الفئوية الضيقة، بل العمياء، على المصلحة العامة، تفسّران تعثر عملية الاندماج الوطني والتحولات الديمقراطية في سوريا والعراق ولبنان وتونس ومصر على سبيل المثال، كما تفسّران النزاعات والحروب الدائرة اليوم في ليبيا واليمن وسوريا. الأيديولوجيات أقنعة للمصالح الخاصة العمياء، لا تستقل عن هذه المصالح، وإن بدت منظومات مستقلة وقائمة بذاتها، في الظاهر. فلأن الأيديولوجيات أقنعة، تحجب المصالح الخاصة، تتحول هي نفسها إلى حُجُب تحجب الواقع عن أبصار الذين يتقنعون بها وعن بصائرهم. فهي تربط المنظور المعرفي- الأخلاقي بالانتماء الاجتماعي والموقع الاجتماعي، ربطًا تعسفيًا، في حين يمكن أن يستقل المنظور المعرفي- الأخلاقي عن الانتماء والموقع الاجتماعيين، بإمكان حرية التفكير والتعبير واستقلال الوجدان وحرية الضمير.

   الإسلام في سوريا، على سبيل المثال، ليس دينًا عامًا، حتى للمسلمين أنفسهم؛ و «السنّة»، أي الأرثوذكسية (الأصولية)، السنية أو الشيعية أو العلوية أو الدرزية، التي يُظن أنها «فضاء عام» لأهلها أو أتباعها، ليست كذلك بالفعل، لأنها، كأي عصبية، لا تعترف بانتماء الأفراد إليها، حتى على صعيد الانتماء المحدد بشروط الولادة، إلا اعترافًا مشروطًا بالرضا والتسليم والطاعة والامتثال، ولا تعترف بالنساء إلا بصفتهن زوجات «عفيفات» ومطيعات بالفعل أو بالقوة، وأمهات «فاضلات» بالفعل أو بالقوة؛ وليس من «سنة » أو أرثوذكسية، سنية أو علوية أو درزية أو اسماعيلية، هي فضاء عام مشترك بين جميع السوريين والسوريات، والعروبة كذلك، ليست فضاء عامًا حتى للعرب السوريين أنفسهم، وليست، من ثم، فضاء عامًا لجميع السوريين والسوريات. الدولة الوطنية هي الفضاء العام الوحيد الذي ينبثق من التنوع والاختلاف.

   فإن ما يجعل من التنوع ثروة معرفية وثقافية وأخلاقية هو مبدأ الاقتراع العام، الذي يمهد الطريق إلى دستور عادل، من خلال قانون انتخاب منصف ومقبول من جميع المواطنين والمواطنات. ولعل قانون الانتخاب الأقرب إلى العدالة هو الذي يقوم على الدوائر الانتخابية الصغيرة، ومبدأ لكل ناخب/ة صوت واحد لمرشح واحد أو مرشحة واحدة، وينصف النساء والفئات المهمشة تاريخيًا والمحرومة من حقوق المواطنة المتساوية، من طريق نظام الكوتا. الدوائر الانتخابية الواسعة والانتخابات الحزبية النسبية ترتبط بحياة برلمانية سليمة ومستقرة ووجود أحزاب سياسية برنامجية، ذات طابع وطني، تتنافس على تقديم أفضل ما لديها للمجتمع، لا أحزاب عقائدية تتنازع على السلطة وعلى السيادة. مع ذلك تظل الأفضلية للدوائر الانتخابية الصغيرة ولمبدأ صوت واحد لمرشح/ـة واحد/ـة.

   مبدأ الاقتراع العام، بصفته أول شكل من أشكال العدالة السياسية، هو الذي يؤدي إلى ما سماه ماركس «إلغاء الملكية الخاصة سياسيًا»، كما سبقت الإشارة؛ إذ أتاح هذا المبدأ، لأول مرة في التاريخ، أن يشرِّع غيرُ المالكين، وهم الأكثرية، للمالكين، وأتاح في الوقت نفسه إلغاء الدين سياسيًا، من خلال حياد الدولة الإيجابي إزاء عقائد مواطنيها ومواطناتها، ويمكن أن نضيف إلغاء الإثنية- الدينية أو المذهبية سياسيًا، إذ، بموجب هذا المبدأ، لا تَنتُج من الملكية الخاصة أو من الانتماء الديني أو من الانتماء الإثني أي نتيجة سياسية. إن حق الاقتراع العام، من جهة، ودورية الانتخابات، من جهة أخرى، هما الضمانة الموضوعية لتداول السلطة سلميًا.

   الدستور العادل لا يتسق لا مع الامتيازات، ولا مع قوانين خاصة بهذه الجماعة أو تلك، كقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في سوريا، ولكنه لا يمنع الأفراد من الاحتكام الشخصي إلى الأعراف والشرائع الخاصة إذا كان هذا الاحتكام صادرًا عن إرادة حرة واختيار حر.

   في نقده مبادئ العدالة عند رولز، ساق أمارتيا صن قصة الفلوت والأطفال الثلاثة(117)، لرد مسألة «الشاهد المحايد» أو توافق «الوضع الأصلي»(118)، بصفته صيغة تأسيسية للعقد الاجتماعي، عند جون رولز، والتي أراد صن أن يقول من خلالها إن ثمة أسبابًا كثيرة متنافسة للعدالة، غير المبادئ التي اقترحها رولز، (الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والإنصاف)، منها الحاجة والكفاءة وحق الإنسان في ثمار عمله. تقوم القصة على أن ثلاثة أطفال يتنازعون آلة فلوت، ويقدم كل من منهم حجة مقنعة لحقه في امتلاكها، يعترف الثلاثة بصحتها: الأول لأنه فقير، وليس لديه ألعاب يلهو بها، والثاني لأنه الوحيد الذي يجيد العزف على الآلة، والفتاة التي صنعت الفلوت تدافع عن حقها في ثمرة عملها. هذا التنازع يحصر خيارات الأطفال في حصول كل منهم على الفلوت دون الآخريْن، فإذا كانت الحجج تقدم أسبابًا للعدالة فإن النتيجة، هي استئثار أحدهم بالفلوت. هذه النتيجة تناقض الأسباب المتنافسة، ولا تفضي إلى عدالة، بل إلى استئثار واحتكار. إذًا، لدينا تنازع، وخيارات محدودة، وحق طبيعي متنازع عليه. لو ناقش صن المسألة من زاوية الحق لاختلف الأمر كليًا، وكنا في حاجة إلى أسباب أخرى للعدالة. ولو ناقشها من زاوية الخيارات المفتوحة على الممكن، لاختلف الأمر أيضًا. مسألة الحقوق أكثر واقعية في العالم المعيش من قصة سن. فلا يجوز أن يكون الفقر سببًا لنزع حق مكتسب ومشروع، ولا يجوز أن تكون المهارة والكفاءة متطفلتين. هذا لا يعني أبدًا أن الفقر قدر لا فكاك منه، وأن المهارة يجب أن تُحرم من شروط تحققها عمليًا.

   من جانب آخر، يوحي اقتناع الثلاثة بالحجج التي ساقها كل منهم بإمكان «الشاهد المحايد»، العادل، الذي أخذه رولز عن آدم سميث، أكثر مما يدحضه، إذ يقر كل من الأطفال بأن الفقير يجب أن يكون لديه ما يسد حاجته، وأن المهارة تستحق المكافأة، وأن للصانع حقًا في ما صنعه وأن للعامل حقًا في ثمار عمله، وهو إقرار ينم على ملكة عقلية وأخلاقية. فكل منهم شخص ذو مصلحة بامتلاك الفلوت، ويرغب في ذلك، ويفضله. وهو شاهد محايد، في الوقت نفسه. فقد حكم كل منهم في الأمر حكمين: الأول من خلال مصلحته الشخصية ورغبته، والثاني متجردًا منهما أمام الحجة العقلية والموقف الأخلاقي، إذ اقتنع بحجة كلٍّ من منافسيْه. ولكن السؤال هل تخلى أحدهم عن مصلحته على هذا النحو، أم إنه آنس من منافسيْه اعترافًا صريحًا بحقه؟ هذا ما لم يلتفت إليه صن.

   إلى أين يقودنا تأويل صن لهذا المثال، سوى إلى منطق الغَلَبَة، ما دامت الأسباب العقلية والأخلاقية متكافئة، أو إلى منطق الدور؟ إذ سيكون الحل إما أن يستأثر أحدهم بالفلوت بالقوة الفظة أو الناعمة، أو بالحيلة والدهاء، وإما أن يكونوا أخلاقيين مثاليين فيعطي كل منهم الفلوت للآخر على التتالي طوعًا من دون أن يستفيد أحد منه، كقصة النساك الصالحين(119)، ما دام التنازع قائمًا، وليس ثَمَّ سوى واحد من خيارين: التملك أو التخلي. «الشاهد المحايد»، الذي ينبغي أن تتوافر مزاياه في كل واحد من أعضاء الجمعية التأسيسية، التي تضع الدستور، هو المواطن، الذي يدرك مصلحته الشخصية أو مصلحة من ينتمي إليهم في المصلحة العامة، وكذلك الشاهدة المحايدة. لذلك لا قيمة لدستور تضعه هيئة غير منتخبة انتخابًا صحيحًا، كـ«اللجنة الدستورية السورية»، التي عينتها جماعات متفاصلة، ولا داوم له.

   تقوم قراءتنا النقدية لقصة صن على أن الملكات العقلية والأخلاقية والجمالية قاسم مشترك بين الأفراد المختلفين والجماعات المختلفة، وأن المصلحة العامة هي التي تستهدي بهذه الملكات، فتوائم بين الحق والخير، وبين المساواة والحرية، بحيث يكون الحق العام ضمانة للحق الخاص، والخير العام ضمانة للخير الخاص، والحرية ضمانة للمساواة. هذه أسس يمكن أن يبنى عليها توافق عام أو عقد اجتماعي. ثمة مصلحة جذرية لكل فرد في الحفاظ على حياته وأمنه وسلامته وتحسين شروط حياته المادية والمعنوية وتلبية حاجاته ورغباته وتحقيق ذاته، وفقًا لإرادته وتصوره الخاص الناتج من التربية والثقافة ووفقًا لملكاته الخاصة. ومن البديهي أن هذه المصلحة تتعارض مع مصالح الأخريات والآخرين، ولكن لا يمكن تحقيقها بدونهم أو بمعزل عنهم. الأخريات والآخرون ليسوا أدوات ووسائل لتحقيق ذلك، إلا لدى من يقبل على نفسه أن يكون أداة لتحقيق غايات فرد أو جماعة، عائلة أو عشيرة أو طائفة أو أمة ومجتمع، فيقبل بالكيفية نفسها والمقدار نفسه أن يكون الآخرون أدوات لتحقيق غاياته، وهذا أساس الجور والظلم.

   لا بد من وضع هذه المسالة في نصاب جديد استنادًا إلى مقام الفرد الإنساني وكلِّيته وكونه غاية في ذاته وغاية جميع الغايات. فمن ينذر نفسه لتحقيق غاية أمّته، على سبيل المثال الأقصى، لا يعدو كونه عبدًا، لم يتخلص من عبادة السلطة وأصنامها ومن أخلاق العبيد. فإذا كان للأمة والمجتمع والدولة من غاية فهي تحقيق حرية أفرادها ورخائهم وسعادتهم. هذا في المبدأ والمآل. ضربنا مثلً بالأمة والمجتمع والدولة، لكي تظهر غايات الجماعات الإثنية والدينية والمذهبية والسلطات الخارجية كافة على هزالها وكلبيتها. الفرد الإنساني أسمى من أي سلطة لأنه هو من ينتج السلطة. لذلك نستعيد، بكل الجدية اللازمة الفكرة الكانطية القائلة بوجوب أن يشرًع كل فرد لنفسه، في ضوء ملكاته العقلية والأخلاقية والجمالية، ومن ثم أن يشرِّع المجتمع المدني لنفسه، وأن يشرع الشعب لنفسه، وأن يكون التشريع حدًا على تجاوز السلطة على حقوق الأفراد وحرياتهم. فالدولة ليست تجسيدًا للعقل فقط، حسب هيغل، بل هي الحياة الأخلاقية للشعب، حسب كانط وماركس غير الماركسي.

   هل علينا أن نقول، في ختام حديثنا على العدالة أن الوطنية، على الصعيد النظري، منظومة معرفية- أخلاقية، مركزها العدالة، إذ ثَمَّ تطابق بين مبادئ العدالة، التي أشرنا إليها، وبين مبادئ المواطنة المتساوية، بصفتها عملية إنتاج الوطن وإنتاج الوطنية وتشكل الهوية الوطنية. وقد أشرنا أيضًا إلى أن المواطنة المتساوية هي الصيغة العملية الأولية من صيغ العدالة، أو هي أول تعبير عملي عن العدالة القانونية.

هوامش:

(106). لعل هذه الثورة قد بدأت بالهندسة الوراثية أو التعديل الجيني، وتقنيات النانو.

(107). جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر، ترجمة بولس غانم، تدقيق وتعليق وتقديم عبد العزيز لبيب، إعداد المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009 ، ص 64 .

(108). روسو، ص 117 . تحسن الإشارة هنا إلى الميل الرومانتيكي لدى روسو.

(109). روسو، ص 149 .

(110). ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة مصطفى ناصر، سلسلة عالم المعرفة، العدد 387 ، نيسان/ أبريل 2012 ، ص 13 .

(111). راجع/ي، عزمي بشارة، مداخلة بشأن العدالة، مجلة تبيّن، العدد 5، ربيع 2013 ، ص 7 – 26 .

(112). رولز، نظرية في العدالة، مصدر سابق، ص 567 .

(113). رولز، نظرية في العدالة، ص 124 .

(114). هذا هو درس إدوارد سعيد، في كتابه «الاستشراق» الذي لم يستوعبه معظم المثقفين العرب، فتعاملوا معه على أنه مجرد وثيقة تدين الغرب.

(115). راجع/ي، إيمانويل كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005 ، ص 177 – 179 .

(116). إيمانويل كنت، ميتافيزيقا الأخلاق.

(117). أمارتيا صن، مصدر سابق، ص 49 – 50 .

(118). جون رولز، العدالة كإنصاف، إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009 ، ص 106 .

(119). قصة تروى عن جماعة من النساك في كهف نفد منهم الماء، سوى شُربة واحدة، وحين أضناهم العطش راح كل واحد منهم يعطيها للآخر، حتى ماتوا جميعًا دون أن يشربها أحد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتبع.. الحلقة العاشرة: رأس المال الاجتماعي

«جاد الكريم الجباعي»: مفكر سوري، مجاز في علوم اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق، مهتم بالفلسفة المدنية وقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية وحقوق الإنسان والمواطن، له عشرات المقالات والأبحاث والدراسات والكتب.