الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أزمة أوكرانيا والتقارب الروسي الصيني

بشير عبد الفتاح *

من بين تداعيات شتى طبعتها على التفاعلات الدولية، أسهمت الأزمة الأوكرانية فى تسريع وتيرة التقارب الحذر بين موسكو وبكين، على مختلف الصعد. ففيما اعتُبر دعماً سياسياً صينيا لموسكو، أكد رئيسا البلدين تأييدهما لمبدأ «الأمن الشامل، والمتكافئ، وغير القابل للتجزئة». كذلك، أبدت بكين تفهمها للمخاوف الأمنية الروسية حيال الترتيبات الأطلسية بشرق أوروبا. وفى مجلس الأمن الدولي، أشاد المندوب الصيني بسياسة ضبط النفس الروسية إزاء الأزمة الأوكرانية، التي ندد بتأجيج واشنطن لها، عبر تضليل إعلامي يغذى أجواء عدم اليقين، وترويج مزاعم حول الحرب تشعل التوترات والاضطرابات.

وخلال قمة عقداها، على هامش افتتاح أوليمبياد بكين الشتوي، أطلق الرئيسان الصيني والروسي شراكة استراتيجية تستهدف موازنة النفوذ الأمريكي عالميا، وتتوسل تعددية قطبية تطوى صفحة الهيمنة الأحادية الأمريكية، وتضفى ديمقراطية على نظام دولي، يريدانه أكثر عدلاً واستقراراً، انطلاقاً من تصورهما لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. كذلك، بحث الزعيمان تأسيس منظومة مالية مستقلة، تكفل زيادة نصيب العملات الوطنية والرقمية لبنكيهما المركزيين فى التسويات التجارية البينية، التي يبلغ حجمها 110 مليارات دولار، ويأملان مضاعفتها عام 2025. وفى بيانهما المشترك، نددا باستحضار واشنطن لأجواء الحرب الباردة، عبر توسيع الحلف الأطلسي، وتمدد النفوذ الأمريكي عالميا، وتبنى استراتيجية استفزازية بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، تهدد السلام والاستقرار العالميين. كما انتقدا سياسة العقوبات القسرية الأحادية، التي تكرس الخلل فى موازين القوى، وتفاقم المآسي الإنسانية.

استكمالاً لاتفاقات سابقة لزيادة ضخ الغاز الروسي للصين عبر خطي أنابيب «قوة سيبيريا 1» بطاقة 38 مليار متر مكعب، و«قوة سيبيريا 2»، بقدرة 50 مليار متر مكعب سنويا، ما سيجعل الصين ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي بعد ألمانيا، تعهدت روسيا تزويد الصين بأكثر من 200 ألف برميل نفط يومياً لمدة عشر سنوات، وعشرة مليارات متر مكعب إضافية من الوقود الأزرق. وببلوغ إمدادات الغاز الروسية للصين 48 مليار متر مكعب، سيتسنى لبكين تنويع مصادر وارداتها الغازية، بأسعار منخفضة. بينما تلتمس روسيا رفع صادرات الغاز للأسواق الآسيوية من 6% حالياً، إلى 31% عام 2035، متجنبة تحديات عدة تحاصر الأسواق الأوروبية، التي تلتهم جل الإمدادات الروسية.

تزامناً مع غبن الأمريكيين روسياً، واستبعادهم الصين فى مضمار التعاون الفضائي، انبرت الأخيرتان، منذ عام 2001، فى التنسيق بمجالي الرحلات الفضائية المأهولة ومحطات الطاقة النووية الفضائية. كما وقعتا العام الماضي، مذكرة تفاهم لإقامة محطة دولية مشتركة للأبحاث القمرية. وعلى الصعيد العسكري، وقع البلدان فى ذات العام، معاهدة «الصداقة والتعاون»، التي تم تجديدها فى تموز/ يوليو الماضي، وحصلت الصين بموجبها على منظومات «إس400» الصاروخية، ومقاتلات «سو57 » الروسيتين. فى غضون ذلك، أجرى البلدان عدداً من المناورات البرية والبحرية، فيما تنفذ قاذفاتهما الاستراتيجية منذ عام 2019، «طلعات دورية مشتركة»، فوق بحر اليابان.

برغم تسارع وتيرة تقاربها، تظل متدنية فرص التحالف الاستراتيجي بين موسكو وبكين. فإلى جانب الثقة المهترئة، والتاريخ الصراعي، اللذين أفصحت عنهما مواجهتهما الحدودية عام 1969، تصطدم مساعيهما القلقة لبناء هكذا تحالف بعديد معوقات. فبينما يتخوف كل طرف من تضخم قوة الآخر، ويخشى تحوله إلى قطب عالمي، تتعاظم هواجس موسكو من شبح التبعية للصين، على غرار النموذج الأمريكي الكندي. فعلاوة على التفوق الديمغرافي والتكنولوجي للصين، يتجاوز حجم اقتصادها نظيره الروسي بحوالي تسعة أضعاف.

خلافاً لتواضع غنائم التحالف الاستراتيجي المحتمل مع موسكو، تتجنب بكين الاصطدام بأمريكا والغرب، بما يفقدها مكاسب يستعصى تعويضها، فى ظل تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني، جراء استمرار تداعيات جائحة كورونا، وتزايد القيود على نقل التكنولوجيا والاستثمارات وسلاسل التوريد. ففى الوقت الذى تتخطى الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، عشرة أضعاف نظيراتها إلى روسيا، تخشى بكين من استنفار الأمريكيين للأوروبيين لتقليص تعاونهم الاقتصادي معها، ومراجعة انخراطهم بمبادرة الحزام والطريق.

فى حين تشكل الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للصين، فيما يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لروسيا، لا تتجاوز تجارة روسيا مع الصين 16 % من إجمالي التجارة الخارجية الروسية، و2 % فقط من حجم نظيرتها الصينية. وبعدما بلغ الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بكين وواشنطن مبلغا معقدا، يتحاشى كل منهما مواجهة الآخر. لذلك، حذر الأمريكيون الصين من المخاطر الأمنية والاقتصادية التي ستكابدها حالة مجاراتها روسيا فى إكراهها أوكرانيا، داعين بكين إلى إقناع موسكو بتفكيك تمركزاتها العسكرية بالمحيط الأوكراني. بدورها، لا تزال موسكو تتحسس خطاها التقاربية مع بكين حرصاً على خصوصية علاقاتها الاستراتيجية بالهند، عدو الصين اللدود، الذى يتصدر قائمة مستوردي السلاح الروسي.

قرأ كثيرون فى تتبع بكين لرد الفعل الغربي إزاء مزاعم الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا، محاولة صينية لبلورة موقف مشابه ومتزامن تجاه تايوان، خصوصا مع تزايد الاختراقات الصينية للمجال الجوي التايواني مؤخرا. ولعل هذا ما غذى التعنت الأمريكي مع روسيا بشأن أوكرانيا. فعلاوة على اتخاذ واشنطن منطقة المحيطين الهادئ والهندي منصة لاحتواء الصين، تبرز الأهمية الاقتصادية لتايوان، باعتبارها تاسع أكبر شريك تجارى لواشنطن، كما تهيمن على صناعة الموصلات وأشباهها من الرقائق الإلكترونية. ورغم التزامها بسياسة «الصين الواحدة»، وعدم اعترافها بتايوان كدولة مستقلة، تتعهد واشنطن بالدفاع عن الجزيرة ضد أي عدوان صيني.

ظرفياً ومرحلياً إذا، يبقى التقارب الصين الروسي. فهو ظرفي، لأنه وليد تصاعد الأزمة الأوكرانية، بموازاة الإصرار الأمريكي غير الحكيم على استعداء البلدين. وهو مرحلي، لأنه مرتهن بحدوث انفراجة مغرية فى علاقات أحدهما أو كلاهما مع الغرب. ويبدو أن مناهضة واشنطن لا تكفى وحدها لترسيخ دعائم تحالف استراتيجي ممتد بين خصمي الأمس. إذ لا يزال ما يفرق موسكو وبكين أكبر بكثير مما يجمعهما من مقارعة واشنطن، أو تحصيل مكاسب، تبقى عرضية رغم تنوعها.

ففى خمسينيات القرن الماضي، دشنت موسكو وبكين برنامجاً لتزويد الصين بالتكنولوجيا السوفييتية، لكنه سرعان ما توارى فى بضع سنين، إثر اندلاع صدامهما العسكري عام 1969، ثم تطبيع الصين لعلاقتها مع واشنطن فى أوج الحرب الباردة سنة 1972. وعقب سقوط الاتحاد السوفييتى عام1991، تحسنت العلاقات الصينية الروسية مجدداً، وتعهد البلدان عام 1996 ببناء «شراكة متساوية وموثوقة». لكنها لم تسلم من استفزازات واشنطن المتتالية لكليهما، تارة بتصنيفها روسيا تهديداً آنياً، والصين تهديداً استراتيجياً. وتارة أخرى عبر استنهاض التحالفات المناهضة لهما، منذ زمن، على شاكلة «الناتو»، و«العيون الخمس»، ثم استحداث تكتلات جديدة لمحاصرتهما، مثل الرباعية الديمقراطية بالمحيطين الهندي والهادئ، وتجمعات «أوكوس»، و«كواد»، و«كوادبلس». ولئن ارتأى الأديب البريطاني، جورج أورويل، «الرياضة حربا بغير إطلاق نار»، لم تكتف واشنطن بمقاطعة أوليمبياد بكين الشتوي، وإنما حرضت حلفاءها ليحذوا حذوها، احتجاجا على تدهور أوضاع حقوق الإنسان فى الصين، فيما اعتبرته موسكو وبكين، انتهاكا للميثاق الأوليمبي، الذى يحظر تسييس الرياضة.

حتى الان، لم يناهز نصيب روسيا من الدعم الصيني فى أزمة أوكرانيا حيز المؤازرة السياسية الرمزية. فبينما لم يأتِ البيان المشترك لزعيمي البلدين على ذكر أوكرانيا سوى مرة يتيمة، لم يكن متوقعا لرد فعل بكين حيال أي تصعيد للأزمة أن يختلف عن سابقه عام 2014. فحينما غزت روسيا القرم وضمتها إليها، لاحقها الغرب بعقوبات اقتصادية موجعة. ورغم معارضة بكين لتلك العقوبات، وتلويحها بنصرة موسكو، سجل التبادل التجاري بينهما عام 2015 تراجعاً بنسبة 29 %، فيما شهدت الاستثمارات الصينية المباشرة فى روسيا انكماشاً مربكاً، تلافياً لاستفزاز واشنطن وحلفائها. وحالة غزو روسيا لأوكرانيا، لم تكن موسكو تترقب من بكين غير الدعم السياسي بمجلس الأمن الدولي.

بموازاة ذلك، يقترح منظرون استراتيجيون غربيون مقاربة أطلسية لكبح جماح الاندفاعة الاضطرارية الروسية نحو الصين. تتضمن عدولاً غربياً عن استعداء موسكو وبكين، مع إغراقهما فى تفاعلات اقتصادية معمقة مع أوروبا، وتفاهمات استراتيجية مع واشنطن. فضلاً عن منحهما مساحة مدروسة من حرية الحركة على المسرح العالمي، بغية امتصاص رغبتيهما المحمومة فى تبوؤ مكانة كونية لائقة. فحينئذ، ستبقى مآلات التقارب الروسي- الصيني، مرتهنة بحسابات معقدة، للاعتماد الاقتصادي المتبادل والمتعاظم مع الغرب.

* كاتب وأكاديمي وباحث مصري

المصدر: الشروق