الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

الشباب السوري واللجوء

عبد الباسط حمودة *

مما لا شك فيه أن جميع الأشخاص الذين يتنقلون بين البلدان يستحقون الاحترام الكامل لحقوقهم الإنسانية وكراماتهم وبشكل خاص فئة اللاجئين، فهم مجموعة محددة ومحمية في القانون الدولي لأن الوضع في بلدانهم الأصلية يجعل من المستحيل بالنسبة لهم الذهاب إليها، وإن تسميتهم باسم آخر يمكن أن يعرّض حياتهم وأمنهم للخطر.

إذ تم الاعتراف بالفارق المهم بين اللاجئين والمهاجرين من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين؛ خاصة وأن هناك عشرات الملايين منهم حول العالم في مؤشرٍ صارخ على فشل السياسات العالمية المتبعة بهذا الصدد وبشكل محدد نحو فئة الشباب.

تواجه فئة الشباب السوري معوقات كثيرة، وتكاد تكون عقبات مانعة من تقدمه نحو الأفضل، سواء في بلاد اللجوء أو حتى في سورية نفسها.

وقد أثر لجوء السوريين على شرائح كثيرة في المجتمعات المضيفة خاصة على الشباب، لجهة المنافسة على فرص العمل، فضلاً عن تأثيرات اجتماعية وقيمية، وأخرى على موارد ومرافق تلك المجتمعات.

يؤكد خبراء ومختصون أن أي هجرة داخلية أو خارجية هي الأساس في إحداث التغيير بجميع الصعد اجتماعياً أو ثقافياً أو قيمياً ويتساءلون: فكيف إذا كانت هذه الهجرة بهذا الحجم وهذا الكم الهائل من السوريين الذين لجأوا إلى البلدان المضيفة كملاذ آمن لهم من الأخطار التي تتهددهم داخل بلادهم خاصة بعد 2011.

يعاني الشاب الموجود في تركيا، مثلاً، من مشاكل غلاء المعيشة، وعدم وجود أي دخل أو مردود يعينه ليُكمل طريقه إلى النجاح، فهو يعمل لساعاتٍ طويلة ومتعبة يقضيها في المعامل والمخازن وأعمال البناء وغيرها من الأعمال التي تحتاج لمجهودٍ جسدي جبار يتحمل فيها قسوة هذا العمل، وبرواتب زهيدة لا تؤمِّن له سوى طعامه وشرابه ومسكنه، وإن بقي له فبقايا من قطع نقدية حديدية، وأن عددًا كبيرًا من الشباب الجامعيين اضطر للجوء إلى هذه الأعمال لعدم وجود فرص أخرى تتيح لهم العمل في مجالاتهم، إضافة إلى أن فئة الشباب في البلد المُضيف هي من الفئات المستهدفة في تأثرها بوجود السوريين، لأن حالة اللجوء السوري سوف تزاحمهم في قطاع العمل وأيضاً في قطاع العلم والدراسة نتيجة الضغط على المرافق العامة خاصة التعليمية، وكذلك تأثيرها على منظومة التقاليد والقيم الاجتماعية في تلك الدولة.

لقد كانت هذه الأعمال مدمرة لقدرات عدد كبير من الشباب ومواهبهم، فهي قتلت جسدهم وعقلهم، إضافة إلى وقتهم، ليعود الشاب لا ينظر عن يمينه ولا شماله، لأن أنظاره وعقله متوجهان إلى سريره، ليأخذ قسطاً من الراحة ويعود لعمله مجدداً في صباح اليوم التالي.

وتواجه الشباب أيضاً مشاكل السكن، إذ يعتمد حوالي 80% من الشباب السوريين على ما يعرف بالسكن الشبابي والذي يجمع عدداً من الشبان في منزل واحد، ومن مناطق مختلفة وجنسيات متعددة أيضاً، وذلك بسبب السعر الرخيص، فهذه المشكلة تعيقه من أن يتقدم في مسيرته نحو النجاح، لعدم توفر البيئة المناسبة للإبداع، خاصة إن كان شاباً فنياً أو مخبرياً أو من الشباب العاملين في مجال التكنولوجيا، أو هندسة الصوت والمونتاج مثلاً، أو حتى الفن والغناء والشعر.. إلخ، إضافة لإحدى أهم المشاكل وهي عدم تبني هذه المواهب والخبرات من أيِّ الجهات الموجودة في تركيا، لا من الجهات السورية المسؤولة، ولا من الجهات التركية المسؤولة عن نجاحات الشباب، فهي لا تستطيع أن تقدم أبسط الحاجات اللازمة لهم، حتى أنهم لا يستطيعون تبني هذه المواهب التي تضيع سُدى فلا أحد يكترث لوجودها مع أنها تتبخر مع مرور الزمن إذا لم يتم العمل عليها.

ولكوّن اللاجئين السوريين يتسمون بحرفية ومهنية عالية فهم الأكثر قابلية لفرص العمل المتاحة، فضلاً عن قبولهم الحد الأدنى من الأجور؛ فكل هذا ترك أثراً واضحاً في التنافسية بسوق العمل لصالحهم على حساب الشباب بالبلد المضيف، فضلاً عن التأثيرات الاجتماعية والقيمية التي حملها السوريون إلى مناطق لجوئهم مما ترك أثراً واضحاً بات ملموساً في توجهات وأخلاقيات وقيم بعض الشباب في تلك المناطق، وأن وجود ثقافات فرعية قادمة من خارج الحدود وتلاقحها مع ثقافات فرعية قائمة أصلاً فيها أحدث ثقافة جديدة بملامح قيمية واضحة يلمسها الموجودون في هذه المناطق.

وللحد من أثر ذلك يجب السعي الجاد والمخلص من قبل الجميع- مؤسسات حكومية وغير حكومية، منظمات دولية، وجمعيات- لوضع، وصياغة، وتنفيذ برامج عملية وواقعية لإحداث التكيف والاندماج المطلوب والكافي، بهدف التقليل ما أمكن من التأثيرات السلبية الجانبية على اللاجئين السوريين وعلى المجتمع المضيف في آنٍ معاً.

وفي الداخل السوري، فإن المشاكل لا تعد ولا تحصى، وهي تحيط بالشباب من كل حدبٍ وصوب. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا النظام وإرهابييه تسود كل الحالات عدا الحياة الكريمة، في جو من انعدام سبل العيش كلها، فلا ماء ولا كهرباء ولا خبز مع انتشار الفاقة والاعتقال والقتل، وأمام تعميم ثقافة التبعية واللف والدوران والنهب والاغتصاب وقطع الأرزاق والجريمة المنظمة بكل المجالات، وعلى الأخص خدمة الميليشيا الإرهابية وتغطية نهبها وأتاواها، فضلاً عن فرض توزيع حشيشة الكيف رغم أنف الشباب ليعيشوا ويمولوا آلة القتل لجميع ميلشيا الاحتلالات المتعددة؛ أمام ذلك لجأ الملايين من الشباب للهروب بنفسه واللجوء مهاجراً للدول المحيطة والمضيفة وفاراً من تأدية الخدمة العسكرية ومن الموت جوعاً وقهراً، لكي لا يساهم بقتل أهله بتوجيه من ميليشيا استحضرها نظام الجريمة القابع بدمشق فقط لهذا الغرض فضلاً عن حمايته من السقوط القادم.

وفي المناطق المسماة محررة تنعدم أيضاً أقل سبل الحياة، فضلاً عن الافتقار للمواد الأولية في كثير من المجالات، في مجالات الطاقة والكهرباء والأدوات الإلكترونية، وانعدام المواد الأولية للكثير من المجالات: الطبية، والمخابر، ومجالات الأبحاث العلمية، فضلاً عن سياسة كم الأفواه والتعديات التي تمارسها سُلطات الأمر الواقع.

كما وتواجه الشباب الموجود بتلك المناطق مشاكل القصف الدائم، والاشتباكات التي لا تتوقف في كثير من الأحيان، وفي أحايين أخرى يكون الشاب مجبراً أن يبايع فصيلاً ما وينضوي تحت حمايته، كي لا يتم الاعتداء عليه من فصائل أخرى عاملة في نفس المنطقة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

المصدر: صحيفة اشراق