الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

أزمة الحوار العام!

عبد الله السناوي *

هناك أزمة فى مصر اسمها: «غياب الحوار العام». ولا توجد قنوات مفتوحة لبناء التوافقات العامة فى القضايا الضاغطة على أعصاب البلد.

بقدر اتساع الحوار العام على التنوع الطبيعي فى المجتمع من أفكار وتصورات وخبرات تتأكد قدرته على بناء التوافقات العامة بلا اضطرابات مؤلمة، أو فواتير باهظة.

إذا ما ضاق الحوار العام عن النظر فى القضايا الأساسية التي تدخل فى شواغل الرأي العام تضيق بالضرورة الثقة العامة فى السياسات والتوجهات.

الناس تتحاور على شبكة التواصل الاجتماعي فيما يعنيها، همومها وقضاياها، أو فيما يطرأ من حوادث وظواهر فى بنية مجتمعها من جرائم عنف مستجدة لم يعتدها المصريون وتفلت أخلاقي ولفظي أخذ مداه وقضايا رشى وفساد وظيفي نالت من بعض كبار المسئولين، لا فيما يملى عليهم عبر وسائل الإعلام.

أنصاف الحقائق ليست إعلاماً وأنصاف المعالجات ليست حواراً.

الحوار مسألة ندية فى تبادل الآراء والتصورات ومسألة إقناع لا إملاء.

إذا لم تكن هناك قنوات مفتوحة تتمتع بالحرية فى إخبار الناس بالحقائق ويجرى عبرها تبادل الآراء فإنه ليس بوسع أحد أن يعرف ما قد يحدث غدا.

عندما نجهل المجتمع الذى نعيش فيه، تفاعلاته وحقائقه، فإنها مأساة حقيقية.

وعندما لا نتوافق بما هو كاف وضروري فى القضايا الوجودية فإنها مأساة مضاعفة.

الحوار بمعناه الحقيقي أحد شروط التقدم إلى المستقبل بثقة.

لا يمكن أن يكون هناك حوارا جديا تحتاجه مصر دون فتح المجال العام وتوسيع الحريات العامة وإطلاق سراح من لم يتورطوا فى عنف وإرهاب أو حرضوا عليه.

تحسين البيئة العامة شرط لازم حتى يكون الحوار العام جديرا بالثقة.

من حق مصر أن تتنفس دون توجس فتحاور نفسها بمسؤولية حقيقية فى أولوياتها وقضاياها ومعاركها وسبل تجنب المخاطر المحدقة بها.

هذه مسألة حرية تدخل فى ضرورات بناء دولة حديثة مدنية وديمقراطية حقا، كما أنها مسألة أمن قومي فى لحظة تحولات عاصفة فى النظامين الإقليمي والدولي.

«حتى إعلام التعبئة يحتاج إلى حرية» بتعبير «أحمد سعيد» مؤسس إذاعة «صوت العرب»، الذى عبر عنه أكثر من غيره ونجاحه فيه أمثولة تدرس.

حقائق العصر تستدعى التعدد. ومن لا يدرك اختلاف العصور يُعاند الحقائق.

بنظرة على أحوال الصحافة فإن أوضاعها والقيود التي تحكم تغطياتها لا تسمح لها بدور حقيقي فى إدارة أي حوار عام واصل إلى جمهوره ومؤثر فى توجهاته.

إذا ما ضاقت مساحات الحرية المتاحة تخسر الصحافة المصدر الرئيسي لقوتها وتتراجع مستويات توزيعها والثقة العامة فيما تنشره من أخبار وآراء، فلا يصبح ممكنا أن تساعد فى إدارة الحوارات العامة، أو أن تقوم بواجبها فى تغطية شواغل المواطنين المسكوت عنها.

بالأرقام فإن معدلات توزيع الصحف والمجلات المصرية مجتمعة باتت أقل مما كانت توزعه جريدة خاصة واحدة قبل عشر سنوات!

لماذا حدث ذلك التدهور الفادح فى مكانة الصحافة المصرية العريقة؟!

إيقاع العصر الإلكتروني سحب من الصحافة المكتوبة قدرتها على المنافسة فى متابعة الحركة السريعة للحوادث المتدفقة.

هذه نصف الحقيقة، النصف الآخر أنها لم تجتهد فى التكيف مع حقائق العصر، كأنها تنتظر كلمة النهاية دون مقاومة تقريبا.

إذا لم يتوفر الحد الأدنى من حرية الاجتهاد والتصرف والانفتاح على المجتمع بتنوعه وقضاياه الحقيقية لا المنتحلة فإن النتائج معروفة سلفا.

بصياغة الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فإن «أي مهتم بالشأن العام يتابع الخبر صوراً متلاحقة على الشاشات المضيئة، وهو يطلب من الكلمة أن تروى له قصة ما جرى على مهل لأن ذلك دورها».

«الكلمة فى جريدة تفصل ما وراء الخبر وتروى ما لا تستطيع الصور أن تصفه من دخائل ومشاعر».

هذا مستوى مهني مختلف يستدعى تدريباً مختلفاً وبيئة حرية مختلفة.

و«هذا ما أدركته كبريات الصحف العالمية وعملت على أساسه فى العصر الإلكتروني، فاستعادت ثقة قرائها وارتفعت من جديد أعداد توزيعها كالواشنطن بوست والنيويورك تايمز الأمريكيتين بالتحديد».

شعار «النيويورك تايمز» يلخص فلسفة الصحافة الجديدة فى عصر مختلف: «كل ما يساوى أن ينشر».

«الأمر نفسه فى الصحافة البريطانية فقد زاد توزيع الديلي تيلجراف والأوبزرفر ونجحت الإندبندنت فى تجاوز أزماتها المالية ».

«راهنت كبريات الصحف العالمية على أن ما فقدته الكلمة بالجدة تعوضه بالعمق».

لم يحدث ذلك عندنا.

إذا ما تحسنت البيئة العامة فإن الصحافة تستعيد قدرتها على المنافسة وتأخذ دورها فى تلبية احتياجات مجتمعها وعلى رأسها فى هذه اللحظة إدارة الحوار العام بالانفتاح على كافة الآراء والخبرات المتراكمة فى بلد عريق بحجم مصر.

بنظرة ثانية على الإعلام التلفزيوني فإنه يصعب عليه فى أوضاعه الحالية إدارة أي حوار عام، جدي وحقيقي ومؤثر.

فى فورة التفاعلات الكبرى قبل وبعد ثورة «يناير» لم يكن المواطن المصري يشاهد غير إعلامه التلفزيوني، لكنه فى أوقات لاحقة انصرفت قطاعات كبيرة من الرأي العام عن متابعته وأدارت المؤشرات إلى قنوات إقليمية ودولية أتاحت أمامه فرص أكبر للاطلاع على ما يحدث فى العالم، وفى بلده نفسه.

هذا وضع مخل لا بد من إصلاحه.

كل شيء قابل للحوار بالانفتاح الضروري والجدية اللازمة.

المسئولية قرينة الحرية.

المهنية والموضوعية شرطان آخران لجدية الحوار العام فيما يشغل المواطن.

إذا ما تحدث الناس أمام الكاميرات فإنهم يميلون، أيا كانت درجة اختلافهم مع السياسات السائدة، إلى الاعتدال حتى يكونوا أكثر إقناعا للرأي العام بما يطرحونه من آراء وأفكار.

فتح قنوات الحوار العام قضية تماسك وطني فى أوقات صعبة، أن نسمع الأصوات المختلفة من كافة التخصصات الأكاديمية والحساسيات السياسية يقوى المجتمع ولا يضعفه يرفع سقف الثقة العامة فى الحركة إلى المستقبل.

العكس صحيح تماما وعواقبه وخيمة.

وبنظرة ثالثة على شبكة التواصل الاجتماعي نكتشف ببساطة أنها هي التي تصنع ما يسميه خبراء الإعلام «أجندة المدينة»، تشير إلى الأزمات وتتفاعل معها، لكنها بالوقت نفسه لا توفر بيئة مناسبة لإدارة حوار عام يناقش بعمق الحوادث والظواهر، ويبحث بجدية فى الأسباب والدواعي وسبل درء الأخطار المحدقة.

إذا ما غابت قنوات الحوار العام بالمعنيين السياسي والإعلامي فإنها العشوائية لا محالة.

هذا آخر ما تحتاجه مصر.

* كاتب صحفي مصري

المصدر: الشروق