الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

«في المشهد السوري 2022» روسيا تتمدد وعودة الابن الضال تربك المشهد

    تشير تصرفات بوتن اليوم في المشهد الدولي إلى أن هدفه الحقيقي ليس غزو  أوكرانيا بل تغيير نظام ما بعد الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي في شرق أوربا بعد أن أصبح الناتو على حدود روسيا في بعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة بعد انضمام بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر خلافاً لتعهد أمريكا لرئيس الاتحاد السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف بأن الحلف لن يضم أياً من تلك الجمهوريات، ولكن هذا لا يمنع من اغتصاب بعض المناطق في أوكرانيا كما فعلت سابقاً.

     تطرح روسيا نفسها اليوم على المسرح الدولي كقطب ثانٍ على مستوى العالم بالتنافس مع أمريكا المتراجعة على الصعيد الاقتصادي أمام الاقتصادات المنافسة وبعد هزيمتها المذلة في أفغانستان وضعف ادارتها الديمقراطية العجوز أمام التمدد والتوسع الإيراني ونمو القوة العسكرية الروسية دون أن يرافقها القدرة الاقتصادية المطلوبة، فالاقتصاد الروسي اقتصاد ريعي يعتمد على تصدير النفط والغاز.. فبعد أن استلم رجل الـ “كي جي بي” السابق بوتن الحكم وسيطر على منابع الثروة الروسية ودخل شريكاً في كل عمليات الإنتاج هو ومجموعة من شركائه وحولوا الاقتصاد إلى اقتصاد مافيا تسيطر عليه مجموعة من اللصوص بالقوة، التفت بوتن لتدعيم الوضع الروسي على المستوى المحلي والعالمي بدأ من تدمير انتفاضة جمهورية الشيشان وهدم عاصمتها لينتقل بعدها إلى احتلال القرم الأوكرانية خزان النفط والغاز والثروات المعدنية بعد سلسلة من التدخلات في جورجيا وغيرها لينطلق بعدها إلى المياه الدافئة، إلى سورية بدعوة من طاغوتها بحجة مكافحة الإرهاب ولم تكن إلا حجة لقمع ثورة الشعب السوري المُطالب بالحرية والكرامة والعدالة.. وذلك بعد تمهيد في مجلس الأمن باستعماله الفيتو عدة مرات ضد قرارات الأمم المتحدة التي كانت تهدف إلى وقف الكارثة السورية. وكما دمر  جزءاً من روسيا عبر تدمير غروزني وتشريد شعبها، وكما احتل القرم فصل أجزاء من جورجيا وشرق أوكرانيا جاء بوتن بآلته العسكرية لتدمير سورية أرضاً وشعباً بقصفه الهمجي واعتداءاته اليومية منذ عام 2015 إلى الآن ليضمن لطاغية مثله استمرار حكم سورية المدمرة وليبدأ بعد انتصاراته على الشعب بجني الفوائد، وبما أن النظام عاجز عن دفع الثمن فكان الثمن هو أن يقتطع الروس الاقتطاعات التي بدأت بالاستيلاء على مرفأ طرطوس لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد والانتقال إلى الاستحواذ على القواعد العسكرية الجوية والبرية ابتداءً من قاعدة حميميم الاستراتيجية مروراً بعدة قواعد جوية في الشمال والشرق والوسط السوري..

    اليوم يضع الروسي يده على مرفأ اللاذقية، المرفأ الحيوي لسورية، لتصبح جميع المنافذ البحرية تحن سيطرته بعد حيازته وشركائه المافياويون على عقود النفط والفوسفات والكثير من الصناعات الرئيسية في سورية في ظل نظام فاقد للأهلية والشرعية والقدرة على الحفاظ على السيادة التي يدعيها صباح مساء وهو لا يملك من أمرها شيئاً، فما تركه الروس حازه الإيرانيون الذين يتمددون أيضاً اقتصادياً وعقيدياً بنشر مذهبهم في سورية عبر إغراءات في مجتمع فقد حصانته أمام المال بعد أن أفقره نظامه بشكل لامثيل له..

    كل ذلك على مرأى ومسمع من عالم لا يهمه ما يجري لهذه الشعوب ولا يكترث بها رغم كل التصريحات والبيانات الجوفاء من هذا العالم، ولم يهز المشهد سوى عودة الابن الضال في الحسكة بحي غويران الذي يحتوى على سجن الصناعة والذي يضم الالاف من سجناء تنظيم الدولة الذي أعلن الانتصار عليه في الباغوز..

    مازال مبكراً الحكم على ما جرى ويجري في غويران وخلفياته، فمن قائل أنها جاءت بدفع ولمصلحة روسيا والنظام ومن قائل أنها لمصلحة قسد بغية التخلص من عبء المساجين الذي يشكلون خطراً وتعجز قسد عن حماية السجون وتبتز بذلك المجتمع الدولي مالياً وسياسياً..

     ولكن بمختلف الأحوال يثّبت ذلك أن التنظيم موجود ومن يحركه عند اللزوم أيضاً موجود ويثّبت عجز كل الاحتلالات في سورية من الوصول بالوضع السوري إلى حالة من الثبات والاستقرار وهذا يترك الأمل والباب مفتوح لنهضة جديدة للشعب السوري ولتخلص من إرهاب النظام وحلفاؤه وإرهاب قوى الظلام من داعش والقاعدة ومثيلاتها..

 للمعلومات: روسيا عام 2010 كانت ضمن أكثر عشرين دولة فساداً في العالم، وفي عام 2015 كانت روسيا رقم 121 بالشفافية ضد  الفساد وكانت أفضل منها مثلاً دولاً مثل تنزانيا وموريتانيا وأثيوبيا، وفي عام 2019حلت روسيا في المركز 137 على قائمة الشفافية ومحاربة الفساد..

على بوتين أن يؤسس لدستور عصري يحترمه في روسيا ليحق له الكلام على دساتير سورية وغيرها..

أما «النظام الطاغية» في دمشق فإن الطيور على أشكالها تقع ويكفيه فخراً أن يكون أستاذه بوتين وهو «التابع الذليل».