الحرية أولاً , والديمقراطية غاية وطريق

عام جديد: بين محاسبة المجرم وآمال السوريين

                     

أَفَلَ عام وولج العام الجديد 2022.. حيث مضى العام السابق 2021 تاركًا بين السوريين المزيد من الأسى والقتل والاعتقال، وتغول قوى الشر من نظام فاجر مجرم لا يتورع عن استخدام كل أدوات القهر والقتل ضد شعبه، ونظم أخرى غارقة في الوحل السوري، وداعمة لنظام القتل والكيماوي، ونظام البراميل، كالاتحاد الروسي وإيران. روسيا التي تتفاخر بأنها قامت بتدريب مئات الآلاف من جنودها وضباطها على حساب دماء السوريين، واستخدمت كل أنواع الأسلحة الحديثة الروسية التي تريد من خلالها إثبات الوجود في أنها مازالت قوة كبرى (وليست عظمى)، في مواجهة الإدارة الأميركية والأوربيين، ضمن صراع مصالح لا يبدو أنها قادرة على إدارة رحاه، وهي التي تعيش في وضع اقتصادي متهالك. وإيران التي جاءت تحمل مشروعها الفارسي الطائفي للمنطقة برمتها، محاولة إعادة إحياء الامبراطورية الفارسية التي بادت بعد أن سادت في غابر التاريخ، لوصل طهران ببغداد ودمشق وبيروت، وحتى اليمن.

لم يكن العام السابق إلا استمرارًا لاستباحة جدية لدماء السوريين، ومزيد من سفك دمائهم بل مزيد من تغول الطغيان على كل مقدرات الوطن السوري الجريح. كما أنه لا يبدو أن العام الذي نلج، سيكون أكثر إشراقًا بالنسبة للشعب السوري، رغم الكثير من الحراكات والتغيرات، إذ إن المجرم الكيماوي مازال طليقًا، وليس هناك من مؤشرات توحي بأن جدية حقيقية أميركية أو دولية تحاكي الواقع بالتعاطي مع هذا النظام/ العصابة، بما يترك الأمل أمام السوريين نحو نهارات ومستقبلات أكثر رحابة وأملًا، مع أن الأمل لم ينقطع ولا يمكن أن ينقطع لدى الشعب السوري الذي قام بثورته أواسط آذار/ مارس 2011 من أجل كنس الطغاة ،وهو مازال مستمرًا في ذلك  وأكثر تصميمًا.

إن ما يسمى بالمجتمع الدولي ما برح يلقي بتصريحاته وتوصياته الشكلانية بمحاسبة المجرم الكيماوي، دون قدرة أو جدية على الفعل كما يبدو، حيث اعتبرت الأمم المتحدة، مؤخرًا  أنه لا بد من محاسبة المتورطين باستخدام الأسلحة الكيماوية في سورية، مطالبة نظام الأسد بالتعاون مع “منظمة حظر الأسلحة الكيماوية”. جاء ذلك في التقرير الشهري الـ 98 للمدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول برنامج سورية الكيميائي، الذي استُعرض في جلسة لمجلس الأمن الدولي بمقر الأمم المتحدة بنيويورك. وقد طالبت الأمم المتحدة النظام السوري بالتعاون التام مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، مشيرةً إلى أنه “لا بد من محاسبة المتورطين باستخدام الأسلحة الكيماوية في سورية”، مضيفةً أن الإفلات من العقاب أمر “غير مقبول”.

جاء ذلك خلال استعراض الممثلة السامية لشؤون نزع السلاح ‘ايزومي ناكاميتسو’، في التقرير الشهري الـ98 للمدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية حول برنامج سورية الكيماوي، في جلسة لمجلس الأمن الدولي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك مؤخرًا.

لكن كل ذلك لم يتخط شكلانية التوصيات والمطالبات، وليس هناك من جدية واقعية في التعاطي مع مجرم الكيماوي، كما ليس هناك من تعاطي باهتمام من قبل الأميركان أو الأوربيين في المسألة السورية، مع استمرار إجرام الأسد فصولًا في إدلب ومحيطها، وفي غير مكان من الجغرافيا السورية. وهذا الأمر يلقي المزيد من المسؤولية على عاتق قوى الثورة السورية والفاعلين فيها ونشطائها، وأيضًا نخبها، وقد تعلمنا الدرس خلال عشر سنوات مضت أن لا أحد يمكنه أن يقتلع شوكك سوى أنت، وبوجود منصات وتجليات وانبثاقات كثيرة للمعارضة السورية أثبت الواقع السوري فشلها جميعًا، ومن ثم عدم قدرتها على الفعل، وهي التي لم تمتلك الجرأة على الاعتراف بأخطائها، فكان لا بد من إعادة التفكير بطرق وبرامج عمل حقيقية تُخرج السوريين من عنق الزجاجة ومن هذا العثار الكبير. وهو موضوع بات في غاية الأهمية والضرورة الآنية، بعد أن فشلت كل التجارب السابقة، بعد أن وضعت كل منصات المعارضة الآيلة للسقوط، وضعت جل بيضها في سلة الخارج، هذا الخارج الذي يشتغل وفق (وعلى هدي) مصالحه وليس مصالح السوريين، وهذه مسألة بديهية لابد من إدراكها من قبل كل طيف المعارضة، فالخارج يبقى خارجًا ولا يمكنه إلا أن يعمل إلا وفق مصالح بلده، وليس على حساب بلده، ومن أجل مصلحة الشعب السوري، أو أي شعب في العالم.

العام الذي نلج فيه قد يحمل بل يجب أن يحمل الكثير من المتغيرات للسوريين، لكن إن لم تعِ المعارضة السورية دورها الحقيقي وإن لم تعترف بأخطائها، وتنقد ذاتها، وتقطع كلية مع الارتباطات بالخارج، وتستقيل من أمكنتها التي فشلت في التعاطي الجدي والمفيد للناس معها، وإن لم يتحرك السوري من أجل وطنه وحريته وكرامته، وبقدراته الذاتية فقط، وإن لم يُجمع بنفسه ولنفسه على أسس جديدة خالية من التشنجات والعصبيات الشوفيينة، ويعمل من أجل بناء العقل الجمعي الذي يستوعب الجميع، ويمنع قيام دويلات تفتيتية داخل الوطن السوري، ويشتغل من أجل جمعية وطنية تأسيسية تعيد قيام العقد الاجتماعي الجديد، الذي يتأمله السوريون ويستوعب كل التغيرات، ويضم بين ظهرانيه كل أطياف الشعب السوري الأثنية والطائفية وما قبل الوطنية، فلن يكون من أمل للسوريين في عام مقبل أفضل مما سبقه إن لم يحصل ذلك.

العام الجديد وبعد 11 عامًا من الثورة، لابد له من أدوات متجددة، وقوى ثورية حقيقية تلقي جانبًا كل الصدأ الذي علق بمكوناتها، متقدمة نحو الأمام بعقل مستنير وواع، يؤمن بأن مبدأ النقد المزدوج طريق للاستيعاب، مازال قابلًا للتطبيق، ومازال ضرورة يفرضها الواقع، وتحفزها أوضاع السوريين وبؤس معارضاتهم بكل ألوان طيفها. ويبقى التفاؤل بإمكانية قيام السوريين مرة أخرى وإمساكهم بأدوات التغيير وبرامج الفعل التغييري ضرورة لابد منها، والشعب السوري مازال قادرًا على الإمساك بها وهو الذي ضحى بما يزيد عن مليون شهيد على مذبح الحرية والكرامة. ومازال يمتلك الكثير والمزيد ليقدمه من أجل كنس الطغاة وإعادة بناء الوطن السوري على أسس عصرية جديدة تستوعب وتتجاوز مرحلة العسف الأسدي، وتعمل على القطيعة المستقبلية والنهائية معها، وتبني الوطن ودولة المواطنة بشكل مختلف، بحيث يتمكن السوري من إعادة البناء من جديد لبنية تحتية دمرها الأسد، وبنية مجتمعية عمل ومازال يعمل نظام الطغيان على تفكيكيها. لكن الشعب السوري بوعيه المطابق سوف يكون ممسكًا بناصية التغيير وكنس الاستبداد إلى غير رجعة.